فهرس الكتاب

الصفحة 2290 من 11127

1453 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المثنَّى

ج 7 ص 161

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ) بضم المثلثة (أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بها وفي رواية أبي داود (( هذه فريضة الصَّدقة الَّتي فرضها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ).

وقال ابن العربي في كتابه «المسالك شرح موطأ مالك» ثبت عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة كتبٍ كتاب أبي بكر وكتاب آل عمرو بن حزم، وكتاب عمر بن الخطَّاب، وعليه عوَّل مالك لطول مدة خلافته وسعة بيضة الإسلام في أيَّامه وكثرة مصدِّقيه، وما من أحدٍ اعترض عليه ولأنَّه استقرَّ بالمدينة وجرى عليه العمل، مع أنَّه روايةُ سائرِ أهل المدينة.

وقال أبو الحارث قال أحمدُ بن حنبل كتاب عَمرو بن حزم في الصَّدقات صحيحٌ، وإليه أذهب.

(مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ) مركَّب إضافي مرفوع على أنَّه فاعل بلغت، والجَذَعة، بفتح الجيم والذال المعجمة الَّتي لها أربع سنين وطَعَنَتْ في الخامسة.

(وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ) جملةٌ حاليَّة كقوله (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ) بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشددة التي لها ثلاث سنين وطَعَنَتْ في الرَّابعة، وقوله (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ) خبر المبتدأ الذي هو (مَن بلغت) وصحَّ دخول الفاء لتضمُّنه معنى الشرط.

(وَيَجْعَلُ) أي المالك المتصدِّق (مَعَهَا شَاتَيْنِ) بصفة الشَّاة المخرجة عن خمسٍ من الإبل يدفعهما للمصدِّق السَّاعي (إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) أي إن وجدنا في ماشيته يقال تيسر واستيسر بمعنى (أَوْ) يجعل (عِشْرِينَ دِرْهَمًا) فضةً من النقرة بدلًا عن الشَّاتين وكل منهما أصلٌ في نفسه؛ لأنَّه قد خيِّر فيهما، وكان ذلك معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذلك في الأزمنة؛ والأمكنة؛ فهو تعويضٌ قدَّره الشَّارع كالصَّاع في المصراة، والغرة في الجنين؛ لأنَّ هذه الأمور يتعذَّر الوقوف على مبلغ الاستحقاق فيها، ولو تركت إلى ما يتداعاه الخصمان فيها لطال النِّزاع فلم يوجد مَن يفصل بينهما، والصَّدقات إنما تؤخذ على المياه والبوادي وليست هناك سوق ولا مُقَوِّمٌ يُرْجَعُ إليه، فقدَّرت الشريعة في ذلك شيئًا معلومًا يُجْبَر به النَّقصُ، وتُقْطَع معه مادة النزاع، والله أعلم.

(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) بتخفيف الصَّاد هو السَّاعي (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) لا يبعد أن يقال إنَّ تغيير الأسلوب في التَّقديم والتأخير إشارةٌ

ج 7 ص 162

على أنَّ كل واحد منهما أصل في نفسه لا بدل من الآخر.

(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ بِنْتُ لَبُونٍ) بفتح اللام، وهي الَّتي لها سنتان وطعنت في الثَّالثة (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي) أي المصَّدِّق، بتشديد الصاد، وهو المالك (شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ) بنصب بنت على أنَّه مفعول بلغت (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) بالتخفيف؛ أي السَّاعي (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ) وهي الَّتي لها سنة وطعنت في الثَّانية.

(فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطِي) أي المالك (مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) وفي الحديث أنَّ كلَّ مرتبة من مراتب السِّن الذي يجب، يعتبر تفاوتها عمَّا دونها أو فوقها بشاتين أو عشرين درهمًا، وجواب النُّزول والصعود من الواجب عند فقده إلى سنٍّ آخر يليه.

والخيار في الشَّاتين والدَّراهم لدافعها سواء كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصُّعود والنزول للمالك في الأصح، وإنَّما لم يذكر الصُّعود من الجذعة؛ لأنَّها هي أعلى الأسنان الواجبة في الزَّكاة، قالوا لأنَّها نهاية الإبل في الحُسْن والدّر والنَّسل والقوة، وما زاد عليه فهو رجوعٌ إلى الكِبر والهرم.

وإنَّما لم يذكر حكم بنت المخاض مع أنَّها المذكورة في التَّرجمة، لا صعودًا ولا نزولًا؛ لأنَّ جواز الصُّعود فيها معلومٌ بالقياس على الصُّعود في بنت اللَّبون، وأمَّا النُّزول فغير جائزٍ؛ لأن سنَّ بنت المخاض هو أوَّل سن الانتفاع بالإبل، وما دون ذلك لا انتفاع في الغالب، فلهذا صار أسفل الأسنان الواجبة في الزَّكاة كما كانت الجذعة أعلى الأسنان الواجبة فيها.

وقد أورد حكم بنت المخاض صعودًا في باب العرض في الزَّكاة، ولفظه كما مرَّ قريبًا «ومَن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون، فإنَّها تقبل منه ويعطيه المصدِّق عشرين أو شاتين فإن لم تكن عنده بنت مخاضٍ على وجهها وعنده ابن لبون فإنَّه يُقبلُ منه وليس معه شيء» [1] . وحذفه هاهنا مع أنَّ الترجمة باعتباره؛ جريًا على عادته في تشحيذ الأذهان بإخلاء حديث الباب عن موضع التَّرجمة؛ اكتفاءً بذكر أصل

ج 7 ص 163

الحديث في موضعٍ آخر ليبحث الطالب ويفتِّش عنه.

هذا، وقال ابنُ رشيد مقصد البخاري من حذفه أن يستدلَّ على أن مَن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده هي ولا بنت لبون لكن عنده مَثلًا حقَّة، وهي أرفع من بنت مخاض لأنَّ بينهما بنت لبون. وقد تقرَّر أن بين بنت اللبون وبنت المخاض عشرين درهمًا أو شاتين، وكذلك سائر ما وقع ذكره في الحديث من سنٍّ يزيد أو ينقص إنَّما ذكر فيه ما يليها لا ما يقع بينهما بتفاوت درجةٍ. فأشار البخاري إلى أنَّه يستنبط من الزَّائد والناقص المتَّصل ما يكون منفصلًا بحساب ذلك.

فعلى هذا، مَن بلغت صدقته بنت مخاضٍ، وليست عنده إلَّا حقَّة يردُّ عليه المصدِّق أربعين درهمًا أو أربع شياه، جُبرانًا، وبالعكس، فلو ذكر اللَّفظ الذي ترجم به لما أفهم هذا الغرض فتدبَّره. انتهى.

وقال الزِّين ابن المنيِّر من أمعن النَّظر في تراجم هذا الكتاب وما أودعه فيها من أسرار المقاصد؛ استبعد أن يغفل المؤلِّف أو يهمل أو يضع لفظًا لغير معنىً أو يرسم في الباب خبرًا يكون غيره به أقعد وأولى.

وإنَّما قصد بذكر ما لم يترجم به أن يقرِّر أن المقصود إذا وجد الأكمل منه أو الأنقص شرع الجبران، كما شرع ذلك فيما تَضَمنَّهَ هذا الخبر من ذكر الأسنان، فإنَّه لا فرق بين فقد بنت المخاض ووجود الأكمل منها، قال ولو جعل العمدة في هذا الباب الخبر المشتمل على ذكر فقد بنت المخاض لكان نصًّا في التَّرجمة ظاهرًا. فلمَّا تركه واستدلَّ بنظيره أفهم ما ذكرناه من الإلحاق بنفي الفارق وتسويته بين فقد ابنة المخاض ووجود الأكمل منها، وبين فقد الحقَّة ووجود الأكمل منها. انتهى.

ثمَّ إنه يفهم من الحديث أنَّه إذا وجبت فريضةٌ في المال، ووجدت فليس يجوز الصُّعود ولا النزول. فافهم.

وقال ابنُ المنذر اختلف في المال الَّذي لا يوجد فيه السِّن الذي يجب ويوجد غيره. فكان النَّخعي يقول بظاهر هذا الحديث وهو قول الشَّافعي وأبي ثور، وروي عن عليٍّ رضي الله عنه يرد عشرة دراهم أو شاتين، وهو قول الثَّوري.

وقال ابن حزم وهو قول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. وقال القرطبي وهو قول أبي عبيد وأحد قولي إسحاق، وقوله الثَّاني كقول الشَّافعي، وقيل يؤخذ فيها قيمة السنِّ الذي يجب عليه، وهو قول مكحول والأوزاعي. وقيل يؤخذ قيمة السِّن الذي وجب عليه

ج 7 ص 164

وإن شاء أخذ أفضل منها وردَّ عليه دراهم، وإن شاء أخذ دونها وأخذ الفضل دراهم ولم يعيِّن عشرين درهمًا ولا غيرها، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.

وقال مالك على ربِّ المال أن يبتاعَ للمصدِّق السن الَّذي يجب عليه ولا خير في أن يعطيه بنت مخاض عن بنت لبون ويزيد ثمنًا، أو يعطي بنت لبون مكان بنت مخاض ويأخذ ثمنًا.

وقول أبي يوسف وأحمد مثل قول الشَّافعي إذا وجبت عليه بنت مخاض ولم توجد أخذ ابن لبون. هذا، وفي قوله «أو عشرين درهمًا» ، دليلٌ على أنَّ دفع القيم جائزٌ في الزَّكاة خلافًا للشَّافعي، وأيضًا فإن قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية [التوبة 103] . جعل فيه محلَّ الأخذ مالًا ثمَّ التَّقييد بأنها شاة أو نحوها زيادةٌ على كتاب الله، وأنَّه يجري مجرى النَّسخ، فلا يجوز ذلك بخبر الواحد والقياس.

وأمَّا ما ورد من ذكر عين الشَّاة وذِكْرِ عين صنفٍ من أصناف الإبل والبقر؛ فَلِبيَان الواجب بما سمِّي، وتخصيص المسمَّى لبيان أنَّه أيسر على صاحب الماشية، ألا ترى أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( في الخمس من الإبل شاة ) ). وحرف (في) حقيقة في الظَّرف، وعين الشَّاة لا توجد في الإبل، فعرفنا أنَّ المراد قَدْرها من المال، والله أعلم بحقيقة الحال.

[1] في هامش الأصل وإنَّما لم يرد مع ابن لبون شيئًا على مَن وجب عليه بنت مخاض، لأنَّه وإن زاد بالسِّن فقد نقص بالذُّكورة فاعتدلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت