فهرس الكتاب

الصفحة 2292 من 11127

1454 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ) وهو عمُّ الراوي عنه؛ لأنَّه عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا الإسناد مسلسل بالبصريِّين من آل أنس بن مالكٍ رضي الله عنه. واختلف في عبد الله بن المثنى قولُ ابن معين؛ فقال مرةً صالح، وقال مرةً ليس بشيءٍ.

وقال أبو زرعة وأبو حاتم والعجلي قويٌّ، وقال النَّسائي ليس بقوي، وقال العقيلي لا يتابع في أكثر حديثه. انتهى.

قال الحافظ العسقلاني وقد تابعه على حديثه هذا حمَّاد بن سلمة، فرواه عن ثُمامة أنَّه أعطاه كتابًا زعم أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كتبه لأنس رضي الله عنه وعليه خاتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بعثه مصدقًا. فذكر الحديث.

هكذا أخرجه أبو داود عن أبي سلمة عنه، ورواه أحمد في «مسنده» قال حدَّثنا أبو كامل ثنا حمَّاد، قال أخذت هذا الكتاب من ثُمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنسٍ أنَّ أبا بكر رضي الله عنه، فذكره.

وقال إسحاق بن راهويه في «مسنده» أخبرنا النَّضر بن شميل ثنا حمَّاد بن سلمة أخذنا هذا الكتاب من ثمامة يحدِّثه عن أنس رضي الله عنه، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكره، فوضَّح أنَّ حمادًا سمعه من ثُمامة وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعلَّه بكونه مكاتبه، وكذا انتفى تعليل من أعلَّه بكون عبد الله بن المثنَّى لم يتابع عليه.

(أَنَّ أَنَسًا) جدُّ ثمامة رضي الله عنه (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ) أي لأنس رضي الله عنه (هَذَا الْكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ) عاملًا عليها هو تثنية بحر خلاف البرِّ؛ موضعٌ معروفٌ بين بحري فارس والهند مقارب جزيرة العرب. ويقال هو اسم لإقليم مشهور يَشتمل على مُدن معروفة قاعدتها هجر، وهكذا ينطق به بلفظ التَّثنية والنِّسبة إليها بحراني.

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال الماوردي يستدلُّ به على إثبات

ج 7 ص 166

البسملة في ابتداء الكتب، وعلى أنَّ الابتداء بالحمد ليس بشرطٍ.

وقال العيني كما ورد الابتداء بالبسملة في أوَّل كل أمر ورد الابتداء بالحمد أيضًا، ولكن يجمع بينهما بأنَّ الأوليَّة أمرٌ نسبي، فكلُّ ثانٍ بالنسبة إلى ثالث أوَّل، فافهم.

(هَذِهِ فَرِيضَةُ) أي نسخة فريضة (الصَّدَقَةِ) فحذف المضاف للعلم به، وفيه أنَّ اسم الصَّدقة يقع على الزَّكاة خلافًا لمن منعها من الحنفيَّة (الَّتِي) كذا في أكثر النُّسخ، وفي بعضها وهو غير ظاهرٍ.

(فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أي أوجبها عليهم، وذلك أنَّ الله تعالى قد أوجبها وأحكم فرضيَّتها في كتابه العزيز، ثمَّ أمر رسوله بالتَّبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدُّعاء إليه وحمل الناس عليه، وقد فرض الله طاعته على الخلق، فجاز أن يُسَمَّى أمره وتبليغه عن الله فرضًا على هذا المعنى.

وقيل معنى الفرض هنا بيان المقدار؛ لأنَّ الإيجاب بنص القرآن على سبيل الإجمال وبيَّن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجمله بتقدير الأنواع والأجناس، ومعناه راجعٌ إلى قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} الآية [النحل 44] . وقد جاء الفرض بمعنى التَّقدير، ومنه فرض القاضي النَّفقة وفرض الإمام أرزاق الجند، ثمَّ أصل الفرض قطع الشيء الصَّلب، ثمَّ استعمل في التقدير لكونه مقتطعًا من الشَّيء الذي يقدِّره منه.

ويرد أيضًا بمعنى البيان كقوله تعالى {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} الآية [التحريم 2] . وبمعنى الإنزال كقوله تعالى {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ} الآية [القصص 85] . وبمعنى الحلِّ كقوله تعالى {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} الآية [الأحزاب 38] . وبمعنى القراءة يقال فرضت حزبي؛ أي قرأته، وكلُّ ذلك لا يخرج عن معنى التَّقدير.

وقال الرَّاغب كلَّ ما ورد في القرآن من فرضٍ على فلان فهو بمعنى الإلزام، وكلُّ ما ورد من فرضٍ له فهو بمعنى لم يحرم عليه. وذكر أنَّ معنى قوله تعالى أنَّ الذي فرض عليك القرآن أوجب عليك العمل به، وذلك يؤيِّد أنَّ الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفيَّة بينهما باعتبار ما يثبتان به ولا مشاحَّة فيه.

(وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا) هكذا بحرف العطف هنا، وفي رواية أبي داود (( الَّتي ) )بدون حرف العطف على أنَّها بدل من الأولى، وسقط قوله في رواية (فَمَنْ سُئِلَهَا) بضم السين وكسر الهمزة؛ أي فمن سئل الصَّدقة التي هي الزَّكاة.

(مِنَ الْمُسْلِمِينَ) حال كونها (عَلَى وَجْهِهَا) أي على حسب ما سنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فرض مقاديرها (فَلْيُعْطِهَا) على هذه الكيفيَّة المبيَّنة في الحديث من غير تعدٍّ، وفيه دلالةٌ على دفع الأموال الظَّاهرة إلى الإمام (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا) أي زائدًا على الفريضة المعيَّنة إمَّا في السن أو العدد

ج 7 ص 167

(فَلاَ يُعْطِ) ويروى بالضمير؛ أي الزَّائد على الواجب، وقيل لا يعطي شيئًا من الزَّكاة لهذا المصدِّق؛ لأنَّه خان بطلبه فوق الزائد، فإذا ظهرت خيانته سقطتْ طاعته، فعند ذلك هو يتولَّى إخراجه أو يعطيه لساعٍ آخر، لكنَّ محل هذا إذا طلب الزِّيادة بغير تأويلٍ.

فإن قيل لفظ (فلا يُعْطِ) يدلُّ على أن المصدِّق إذا أراد أن يظلم المالك فله أن يأباه، وحديث جرير وهو (( أرضوا مصدقكم وإن ظلمكم ) )على خلاف ذلك؟

فالجواب أنَّ المصدِّقين من الصَّحابة لم يكونوا ظالمين، وكان نسبة الظلم إليهم على زعم المزكي أو على سبيل المبالغة. ثمَّ شرع في بيان كيفيَّة الفريضة وكيفيَّة أخذها، وبدأ بزكاة الإبل لأنَّها غالب أموالهم، فتعمُّ الحاجة إليها، ولأنَّ أعداد نُصُبها وأسنان الواجب منها يعسر ضبطه، فقال

(فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا) عطفٌ على قوله في أربع وعشرين، وهو خبر مبتدأ مقدَّر؛ أي في أربع وعشرين وما دونها؛ أي دون أربع وعشرين من الإبل زكاة كائنة (مِنَ الْغَنَمِ) فقوله من الإبل، بيانٌ لما قبله، وقوله من الغنم، بيانٌ للمبتدأ المقدر، وقوله (مِنْ كُلِّ خَمْسٍ) خبر المبتدأ الَّذي هو قوله (شَاةٌ) وكلمةٌ من للتَّعليل؛ أي لأجل كلِّ خمسٍ من الإبل شاة، وقوله من الغنم، كذا هو بكلمةٍ (من) في رواية الأكثرين. وفي رواية ابن السكن بإسقاط كلمة ، وصوَّبها بعضهم.

وقال القاضي عياض من أثبتها فمعناه زكاتها؛ أي الإبل من الغنم، ومن للبيان لا للتَّبعيض، ومَن حذفها فالغنم مبتدأ خبره (في أربع وعشرين) وما بعده، وإنَّما قدَّم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي يجب فيها الزَّكاة، والزَّكاة إنما تجب بعد وجود النِّصاب فحسن التَّقديم.

ففي الكلام إجمالٌ من وجهٍ وتفسير من وجهٍ، حيث بيَّن أوَّلًا أنه لا يجب في أربع وعشرين وما بعده إلَّا الغنم، وأجمل حيث إنَّه لم يعلم منه ابتداء النِّصاب، وقدَّر الواجب ثمَّ قال بعد ذلك من كلِّ خمس شاة، بيانًا لابتداء النِّصاب وقدر الواجب، فأوَّل نصاب الإبل خمس، وفي روايةٍ بكلمة (في) بدل (من) .

(إِذَا) وفي نسخةٍ (بَلَغَتْ) إبله (خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) سمِّيت بذلك؛ لأنَّ أمها صارت مخاضًا؛ أي حاملًا وهي بحسب الغالب لا أنَّه شرط فيها، بل الاسم واقعٌ عليها، وإن لم تكن الأم ماخِضًا، وكذا في بنت اللَّبون.

(أُنْثَى) قيِّد به للتأكيد، كما يقال رأيتُ بعيني وسمعتُ بأذني، وقيل إنَّه احترازٌ عن الخنثى، وفيه نظرٌ.

وقال الطِّيبي وصفها بالأنثى تأكيدًا كما قال تعالى {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} الآية [الحاقة 13] ، ولئلَّا يتوهَّم أنَّ البنت هنا والابن في اللبون، كالبنت في بنت طبق والابن في ابن آوى يشترك فيه الذكر والأنثى (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ) سمِّيت بذلك؛ لأنَّ لأمِّها أن تلد فتصير ذات لبن (أُنْثَى) الكلام فيه كالكلام في سابقه.

(فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ) صفةٌ لقوله حقَّة، وهو بفتح الطاء فعوله بمعنى المفعولة، من طَرَقها الفحل، إذا ضربها؛

ج 7 ص 168

أي جامعها، وإنَّما سمِّيت حقَّة؛ لأنها استحقَّت أن يغشاها الفحل، وأن يُركبَ ويحمل عليها، والجمع حِقَاق، بالكسر والتخفيف.

(فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ) كذا في الأصل بزيادة يعني، وكأنَّ العدد حذف من الأصل اكتفاءً بدَلالة الكلام عليه، فذَكَرَه بعضُ رواته وأتى بلفظ يعني؛ لينبِّه على أنه مزيدٌ أو شك أحد رواته فيه.

وقال الكِرماني لعلَّ المكتوب لم يكن فيه لفظ (ستًا وسبعين) ، أو ترك الرَّاوي الأوَّل ذكره لظهور المراد، ففسَّره الرَّاوي عنه توضيحًا. وقال يعني، وإنَّما غيَّر الأسلوب حيث لم يقل في أخواته مثل ذلك؛ إشعارًا بانتهاء أسنان الإبل فيه، وتَعدَّدَ الواجبُ عنده فغيَّر الأسلوب عند مغايرة الحكم.

(فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) كلمة إلى فيه وفيما قبله للغاية، وهي تقتضي أنَّ ما قبل الغاية اشتمل عليه الحكم بخلاف ما بعدها فلا يدخل إلَّا بدليلٍ، وقد دخل هنا بدليل قوله بعد ذلك فإذا بلغت ... إلى آخره، فعلم أنَّ حكمها حكم ما قبلها.

(فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ) إبله (عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) واحدةً فصاعدًا (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) فالواجب في مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة، والواجب في مائة وأربعين بنت لبونٍ وحقتان وهكذا، وسيجيء اختلاف المذاهب فيه.

(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي إلَّا أن يتبرَّع صاحبها ويتطوَّع، وهذا كما في حديث الأعرابي في الإيمان «إلَّا أن تطوع» (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ وَ) فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا) أي راعيتها لا المعلوفة، وذلك إمَّا من جهة اعتبار مفهوم الصِّفة، وإمَّا من جهة أنَّ قوله «في سائمتها» ، بدلٌ «من الغنم» ، بإعادة الجار، والمبدل في حكم الطرح؛ فلا يجب في مطلق الغنم شيءٌ، وهو أقوى في الدَّلالة من أن يقال ابتدأ في سائمة الغنم أو في الغنم السَّائمة، لأنَّ دَلالة البدل على المقصود بالمنطوق، ودَلالة غيره عليه بالمفهوم، وفي تكرار الجار إشارةٌ إلى أنَّ للسوم في هذا الجنس مدخلًا قويًا وأصلًا يُقاس عليه بخلاف جنسي الإبل والبقر، ذكره الطِّيبي في «شرح المشكاة» .

(إِذَا

ج 7 ص 169

كَانَتْ) وفي رواية الكُشْمِيْهني أي غنم الرَّجل (أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فزكاتها (شَاةٌ) أي جذعة ضأن تمَّ لها سنةٌ ودخلت في الثانية، وقيل ما تمَّ لها ستة أشهر أو ثنية معز لها سنتان ودخلت في الثَّالثة، وقيل ما تمَّ لها سنة.

فقوله شاة، رفعٌ على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، كما أشرنا إليه، أو بالعكس؛ أي ففيها شاةٌ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره قوله السَّابق «وفي صدقة الغنم» ، فافهم [1] .

(فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) واحدة فصاعدًا (إِلَى مِائَتَيْنِ) فزكاتها أو ففيها (شَاتَانِ) رفع على الخبرية أو الابتداء، كما مرَّ (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى مِائَتَيْنِ) ولو واحدةً (إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاَثٌ) بالتنوين، وللكُشْمِيْهني ، وقوله ففيها ثلاثٌ، ربَّما يؤيد تقدير الخبر، فتدبَّر.

(فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِمِائَةٍ) مائة أخرى لا دونها (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) ففي أربعمائة أربع شياه، وفي خمسمائة خمس شياهٍ، وهكذا (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً) نصب خبر كانت (مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً) منصوب بنزع الخافض؛ أي بواحدةٍ أو على أنَّه مفعول ناقصة هذا، ويُحتمل أن يكون شاة منصوبًا بنزع الخافض، أو على المفعوليَّة، وتمييز أربعين محذوفٌ لدَلالة السِّياق عليه، ويروى بالباء الجارة.

(فَلَيْسَ فِيهَا) أي النَّاقصة من الأربعين (صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي مالكها أن يتطوَّع (وَفِي الرِّقَةِ) بكسر الراء وتخفيف القاف، الورق، والهاء عوضٌ عن الواو، كالعِدة والوعد، وهي الفضة المضروبة وغيرها. وقيل المضروبة فقط، لكن المراد هنا أعمُّ؛ أي وفي مائتي درهم من الفضَّة.

(رُبْعُ الْعُشْرِ) خمسة دراهم، ثمَّ في كل أربعين درهمًا درهمٌ، على ما قاله أبو حنيفة رحمه الله من أنَّ لها وقصًا كالماشية. وقال غيره إذا زادت على المائتين فبحسابه فيجبُ ربع عشره، فيكون وجوب ربع العشر عامًّا في النِّصاب وما فوقه وإن لم يبلغ أربعين.

(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أي الرِّقة (إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ) قال الخطَّابي هذا؛ أي التَّعبير بالتسعين يوهم أنَّها إذا زاد عليها شيءٌ قبل أن تتمَّ

ج 7 ص 170

مائتين كان فيها الصَّدقة، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ نصابها المائتان، وإنَّما ذكر التَّسعين؛ لأنَّها آخر فصلٍ وعقد من فصول المائة وعقودها، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئات والألوف، فذَكر التسعين ليدلَّ بذلك على أنَّ لا صدقة في ما نقص عن كمال المائتين، يدلُّ على صحته حديث (( لا صدقة إلَّا في خمس أواقٍ ) ).

(إلَّا أنْ يَشاءَ رَبُّها) أن يتطوَّع، وهذا كقوله في حديث الأعرابي في الإيمان [خ¦46] (( إلَّا أن تطوع ) ).

وفي الحديث فوائد منها أنَّ في قوله فلا يعط، دَلالةٌ على أنَّ الإمام والحاكم إذا ظهر فسقهما سقطت إطاعتهما، قال الخطَّابي. ومنها أنَّ في قوله من المسلمين دلالةٌ على أنَّ الكافر لا يُخاطب بذلك. ومنها أنَّ في قوله فليعطها، دَلالةٌ على دفع الأموال الظَّاهرة إلى الإمام. ومنها أنَّ مِنْ أَوَّلِ الحديثِ إلى قوله فإذا زادت على عشرين ومائة، لا خلاف فيه بين الأئمة، وعليها اتَّفقت الأخبار عن كتب الصَّدقات التي كتبها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين، فعند الشَّافعي في كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حقَّة، واستدلَّ بهذا الحديث.

ومذهبه أنَّه إذا زادت على مائة وعشرين واحدةً، ففيها ثلاث بنات لبونٍ، فإذا صارت مائة وثلاثين، ففيها حقَّة وبنتا لبون، ثمَّ يدار الحساب على الأربعينيات والخمسينيات، فيجب في كلِّ أربعين بنت لبون، وفي كلِّ خمسين حقَّة، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد في رواية.

وقال محمَّد بن إسحاق وأبو عبيدة وأحمد في رواية لا يتغيَّر الفرض إلى ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقَّة وبنتا لبون، وعن مالك روايتان، روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم أنَّ السَّاعي بالخيار بين أن يأخذَ ثلاث بنات لبون أو حقتين، وهو قول مطرف وابن أبي حازم وابن دينار وأصبغ، وقال ابن القاسم فيها ثلاث بنات لبون [2] ، ولا يخير السَّاعي، إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون، وهو قول الزُّهري والأوزاعي وأبي ثورٍ.

وروى عبد الملك وأشهب وابن نافع عن مالك أنَّ الفريضة لا تتغيَّر بزيادة واحدةٍ حتَّى يزيد عشرًا فيكون فيها بنتا لبون وحقَّة، وهو مذهب أحمد. وعند أهل

ج 7 ص 171

الظَّاهر إذا زادت على عشرين ومائة رُبْعَ بعيرٍ أو ثُمنه أو عُشره، ففي كلِّ خمسين حقَّة، وفي كلِّ أربعين بنت لبون، وهو قول الاصطخري. وقال محمَّد بن جرير يتخيَّر بين الاستئناف وعدمه؛ لورود الأخبار بهما.

ووقع في «النهاية» للشَّافعية، وفي «الوسيط» أيضًا أنَّه قول ابن خيران بدل ابن جرير وهو تصحيفٌ. وحكى السَّفاقسي عن حمَّاد بن أبي سليمان والحكم بن عيينة أنَّ في مائة وخمس وعشرين حقتين وبنت مخاض. وعند أبي حنيفة وأصحابه تُسْتَأنف الفريضة فيكون في الخمس شاة مع الحقَّتين، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمسٍ وعشرين بنت مخاض، وفي ستٍّ وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مائة وستًا وتسعين، ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثمَّ تستأنف الفريضة كما تستأنف في الخمسين الَّتي بعد المائة والخمسين. وهذا قول ابن مسعود وإبراهيم النَّخعي وسفيان الثَّوري وأهل العراق، وحكى السفاقسي أنَّه قول عمر رضي الله عنه، لكنَّه غير مشهورٍ عنه.

واحتجَّ أصحابنا الحنفيَّة بما رواه أبو داود في «المراسيل» ، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ، والطَّحاوي في «مشكله» عن حمَّاد بن سلمة قلت لقيس بن سعد خُذْ لي كتاب محمَّد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا أخبر أنَّه من أبي بكرِ بن محمَّد بن عمرو بن حزم أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتبه لجدِّه، فقرأته فكان فيه ذِكْرُ ما يخرج من فرائض الإبل، فقصَّ الحديث «إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة، فإنَّه يُعاد إلى أوّلِ فريضة الإبل، وما كان أقلَّ من خمسٍ وعشرين، ففيه الغَنَم في كلِّ خمس ذود شاة» .

وأمَّا الذي استدلَّ به الشَّافعي، فنحن قد علمنا به، لأنَّا أوجبنا في الأربعين بنت لبون، فإنَّ الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست وثلاثين، وكذلك أوجبنا في خمسين حقَّة. وهذا الحديث لا يتعرَّض لنفي الواجب عمَّا دون المذكور، وإنَّما هو عملٌ بمفهوم النَّص فنحن عملنا بالنَّصين، لا يقال إنَّ هذا الحديث مرسل، قاله ابن الجوزي.

وقال هبةُ الله الطَّبري هذا الكتاب صحيفةٌ ليس بسماعٍ ولا يعرف أهل المدينة كلُّهم عن كتاب عَمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جدِّه مثل قولنا.

ثمَّ إذا تعارضت الرِّوايتان عن عَمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه، وهي في الصَّحيح،

ج 7 ص 172

وبها عمل الخلفاء الأربعة.

وقال البيهقي هذا حديثٌ منقطعٌ بين أبي بكرِ بن حزم إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيس بن سعد أخذه عن كتابٍ لا عن سَماع، وكذا حماد بن سلمة أخذه عن كتاب لا عن سماعٍ، وقيسُ بن سعد وحمَّاد بن سلمة وإن كانا من الثِّقات، فروايتهما هذه تخالف رواية الحفَّاظ عن كتاب عَمرو بن حزم وغيره، وحمَّادُ بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره؛ فالحفَّاظ لا يحتجُّون بما يخالِفُ فيه، ويتجنَّبون ما ينفرد به، وخاصَّةً عن قيس بن سعد وأمثاله؛ لأنا نقول الأخذُ من الكتاب حجَّة، صرَّح البيهقي في كتاب «المدخل» أنَّ الحجة تقوم بالكتاب، وإن كان السَّماع أولى منه بالقبول.

والعجب من البيهقي أنَّه صرح بمثل هذا القول ثم كيف ينفيه في الموضع الَّذي يقوم عليه الحجَّة، وقوله وبها عمل الخلفاء الأربعة، غير مُسَلَّم؛ لأنَّ ابن أبي شيبة روى في «مصنفه» بإسناده [3] عن عليٍّ رضي الله عنه قال «إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة» .

فإن قيل قال البيهقي في كتاب القديم راوي هذا الحديث عن علي رضي الله عنه مجهولٌ، وأكثر الرُّواة عن ذلك المجهول يزعم أنَّ الذي روى هذا الحديث عنه غلط عليه، وأنَّ هذا ليس في حديثه؟

فالجواب أنَّ الذي رواه عن عليٍّ رضي الله عنه هو عاصم بن ضمرة، وليس هو بمجهولٍ بل معروف؛ روى عنه الحاكم وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، ووثَّقه ابن المديني والعجلي، وأخرج له أصحاب السُّنن الأربعة، وإن أراد الشَّافعيُّ بقوله يزعم أنَّ الذي روى هذا الحديث عنه غلط عليه أبا إسحاق السَّبيعي، فلم يقل أحدٌ غيرهُ أنَّه غلط.

وأمَّا ما ذكره البيهقي من قوله حمَّاد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفَّاظ لا يحتجُّون بما يخالف فيه، فصادرٌ عن تَعَسُّفٍ وتمحُّل؛ لأنَّه لم يُرَ أحدٌ من أئمة هذا الشأن ذَكَرَ حمَّادًا بشيءٍ من ذلك.

والعجب منه أنَّه اقتصر فيه على هذا المقدار، لأنَّه ذكره في غير هذا الموضع بأسوء منه، وقوله وخاصَّة عن قيس بن سعد، باطل، وما لقيس بن سعد، فإنَّه وثَّقه كثيرون، وأخرج له مسلم، على أنَّ روايتهم الَّتي يستدلُّون بها غيرُ سَالمةٍ عن النِّزاع؛ فإنَّ الدراقطني ذكر في كتاب «التتبع على الصَّحيحين» أن ثُمامة لم يسمع من أنس رضي الله عنه، ولم يسمع عبد الله بن المثنى من ثُمامة. انتهى.

وفي «الأطراف» للمقدسي قيل لابن معينٍ كيف حديث ثُمامة عن أنسٍ في الصَّدقات؟ قال لا يصحُّ، ولا يصح في هذا حديث في الصَّدقات، وأمَّا عبد الله بن المثنى فقال

ج 7 ص 173

الساجي ضعيفٌ منكر الحديث. وقال أبو داود لا أخرج حديثه، وذكره ابن الجوزي في «الضعفاء» وقال قال أبو سلمة كان ضعيفًا في الحديث.

وأمَّا قول الظاهرية الذي قال به ابن حزم أيضًا، فباطلٌ بلا شُبهة؛ إذ لم يرد الشَّرع بجعل السَّائمة نصابًا بربع بعيرٍ أو ثُمْنه أو عُشره، وتعلَّقوا بقوله فإن زادت، وقالوا الزِّيادة تحصل بالثمن والعشر، وفيه ما لا يخفى.

ثمَّ إن قوله في كلِّ خمس شاة، قال مالك وأحمد تعيَّن إخراج الغنم في مثل ذلك؛ استدلالًا به، حتَّى لو أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه عندهما.

وعند الجمهور وهو قول الشَّافعي أنَّه يجزئه؛ لأنَّه يجزئ عن خمسٍ وعشرين، فما دونها أولى، ولأنَّ الأصل أن تجب من جنس المال، وإنَّما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه ففيه خلافٌ عند الشَّافعية وغيرهم، والأقيس أنَّه لا يجزئ، وفي قوله في أربع وعشرين، دلالةً على أنَّ الأربع مأخوذةٌ في الجميع وإن كانت الأربع الزَّائدة على العشرين وَقَصًَا.

وهو قول الشَّافعي في البُوَيطيِّ، وقال في غيره إنَّه عفوٌ، ويظهر أثر الخلاف فيمن له تسعٌ من الإبل فتلف منها أربعة بعد الحول وقبل التَّمكين، حيث قالوا إنَّه شرطٌ في الوجوب، وجبت عليه شاةٌ بلا خلاف.

وكذا بعد التَّمكين إن قالوا إنَّه شرط، والوقص عفو، وأمَّا إذا قالوا يتعلَّق به الفرض، فالواجب حينئذٍ خمسة أتساع شاة، والأوَّل قول الجمهور، كما نقله ابن المنذر ورواية عن مالك.

وفي الحديث أنَّ ما دون خمس من الإبل لا زكاةَ فيه وهذا بالإجماع، وفيه في قوله إلى خمس وثلاثين وأربعين إلى ستين، دلالةٌ على أنَّ الأوقاص ليست بعفوٍ، وأنَّ العفو يتعلَّق بالجميع، وهو أحد قولي الشَّافعي، قال صاحب «التوضيح» والأصحُّ خلافه، وفي الحديث أيضًا أنَّ زكاة الغنم في كلِّ أربعين شاة.

وقد أجمع العلماء على أنَّ لا شيء في أقل من أربعين من الغنم، وأنَّ في الأربعين شاة وفي مائة وعشرين شاتين، وفي ثلاثمائة ثلاث شياهٍ، فإذا زادت واحدة فليس فيها شيءٌ إلى أربع مائة ففيها أربع شياه، ثمَّ في كلِّ مائة شاة، وهو قول أبي حنيفة

ج 7 ص 174

ومالك والشَّافعي وأحمد في «الصحيح» عنه والثَّوري وإسحاق والأوزاعي وجماعة أهل الأثر، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما.

وقال الشَّعبي والنَّخعي والحسن بن حيٍّ إذا زادت على ثلاثمائة واحدةً ففيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا زادت واحدة تجب فيها خمس شياه، وهي روايةٌ عن أحمد، وهو مخالف للآثار.

وقيل إذا زادت على المائتين ففيها شاتان حتَّى تبلغَ أربعين ومائتين، حكاه ابن التِّين، وفقهاء الأمصار على خلافه. وفي الحديث أيضًا أنَّ شرط وجوب الزَّكاة في الغنم السَّوم عند أبي حنيفة رحمه الله، وكذا الشَّافعي رحمه الله وهي الرَّاعية في كلإٍ مباح.

وقال ابنُ حزم قال مالك واللَّيث وبعض أصحابنا تُزَكَّى السَّوائم والمعلوفة والمتخذة للرُّكوب وللحرث وغير ذلك من الإبل والغنم. وقال بعض أصحابنا أمَّا الإبل فنعم، وأمَّا البقر والغنم فلا زكاة إلَّا في سائمتها، وهو قول أبي الحسن بن المفلس.

وقال بعضهم أمَّا الإبل والغنم فتُزكَّى سائمتُها وغيرُ سائمتها، وأمَّا البقر فلا تُزَكَّى إلا سائمتها، وهو قول أبي بكر بن داود، ولم يختلف أحدٌ من أصحابنا في أنَّ سائمة الإبل وغير السائمة منها تزكَّى. وقال بعضهم يُزكِّي غيرَ السائمة عن كلِّ واحدةٍ مرة واحدة في الدهر، ثمَّ لا يُعِيْدُ الزَّكاةَ فيها.

وقال أصحابنا الحنفيَّة وليس في العوامل والحوامل والمعلوفة صدقةٌ، هذا قول أكثر أهل العلم كعطاء والحسن والنَّخعي وابن جبير والثَّوري واللَّيث والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وابن المنذر، ويُروى عن عمر بن عبد العزيز.

وقال قتادة ومكحول ومالك تجب الزَّكاة في المعلوفة والنَّواضح بالعمومات، وهو مذهب معاذ وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم. وكذا هو مذهب سعيد بن عبد العزيز والزُّهري، وروي عن عليٍّ ومعاذ رضي الله عنهما أنَّه لا زكاة فيهما، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وحجَّة من اشترطه كتاب الصِّدِّيق رضي الله عنه وحديث عمرو بن حزم. وفي الإبل حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا (( في كلِّ سائمة من كل أربعين من الإبل ابنة لبون ) )رواه أبو داود والنَّسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد. وقد ورد تقييدُ السوم وهو مفهوم الصِّفة، والمطلقَ يُحمَلُ على المقيَّد إذا كان في حادثةٍ واحدة، والصِّفة

ج 7 ص 175

إذا قرنت بالاسم العلم تُنَزَّلُ منزلة العلة لإيجاب الحكم.

وعن عليٍّ رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ليس في العوامل صدقةً ) )رواه الدَّارقطني، وصحَّحه ابن القطَّان. ورواه الدَّارقطني أيضًا من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وعَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه.

وعن جابر رضي الله عنه قال لا يؤخذ من البقرة الَّتي يُحْرَثُ عليها من الزَّكاة شيء، ورفعه حجَّاج، عن ابن جريج، عن زيَّاد بن سعيد، عن أبي الزُّبير عنه بلفظ (( ليس في المُثِيْرَة صدقة ) ).

وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة» من حديث ليثٍ، عن طاوس، عن معاذ رضي الله عنه «أنَّه كان لا يأخذ من البقر العوامل صدقة» . وحدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد قالا ليس في البقر العوامل صدقة.

ومن حديث حجَّاج، عن الحكم أنَّ عمر بن عبد العزيز، قال ليس في العوامل شيء، وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي والضَّحاك وعمرو بن دينار وعطاء.

وفي «الأسرار» للدَّبُوسي وعلي وجابر وابن عبَّاسٍ رضي الله عنهم، وحجَّة من منعه ما رواه إسماعيل القاضي في «مبسوطه» عن الليث، قال رأيت الإبل الَّتي تكرى للحج تزكَّى بالمدينة، ويحيى بن سعيد وربيعةُ وغيرهما من أهل المدينة حضورٌ لا ينكرونه.

ويروى عن طلحة بن أبي سعيدٍ أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب وهو خليفة أن تؤخذ الصَّدقة من الإبل الَّتي تعمل في الرِّيف قال طلحة حضرت ذلك وعاينته.

ثمَّ إن عند أبي حنيفة وأحمد أنَّ السَّائمة هي الَّتي تكتفي بالرَّعي في أكثر الحول لأنَّ اسم السوم لا يزوال عنها بالعلف اليسير، ولأنَّ العلف اليسير لا يمكن التحرز عنه لأنَّ الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان لعدم المرعى فيه. واعتبر الشَّافعي السوم في جميع الحول ولو علفت قدرًا تعيش بدونه بلا ضررٍ وجبت الزَّكاة.

وفي «البدائع» إن أُسِيْمَت الإبل أو البقر أو الغنم للحمل أو الرُّكوب أو اللحم فلا زكاة فيها، وإن أُسِيْمَت للتِّجارة ففيها زكاة التجارة حتَّى لو كانت أربعًا من الإبل أو أقل تساوي مائتي درهم تجب فيها خمسة دراهم، وإن كانت خمسًا لا تساوي مائتي درهم لا تجب فيها الزَّكاة.

وفي «الذَّخيرة» اشترى إبلًا سائمة بنيَّة التِّجارة، وحال عليها الحول وهي سائمة تجب فيها زكاة التِّجارة دون زكاة الماشية.

وفي الحديث أيضًا أنّ الزَّكاة في الفضَّة ربع عشرها مثلًا إذا كانت مائتي درهم

ج 7 ص 176

فزكاتها خمسة دراهم، وفي أربع مائة عشرة دراهم، وفي ألف خمسة وعشرون درهمًا، وفي عشرة آلاف مائتان وخمسون درهمًا، وفي عشرين ألفًا خمسمائة، وهلمَّ جرًا. وفيه أيضًا أنَّ الفضَّة إذا لم تكن مائتي درهم فليس فيها شيءٌ؛ لعدم النصاب إلَّا أن يَتَطوَّع صاحبُها.

[1] في هامش الأصل وجه الفهم أنَّ لفظ الصدقة تأباه عنه نوع إباء إذ الصَّدقة هي نفس الشاة، فيلزم ظرفية الشيء لنفسه، فتأمَّل.

[2] من قوله (( أو حقتين ... إلى قوله بنات لبون ) )ليس في (خ) .

[3] في هامش الأصل قال ثنا يحيى بن سعيدٍ عن سُفيان عن أبي إسحاقَ عن عاصم بن ضمرة عن عليٍّ رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت