1460 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالراء المكررة، وسُويد بضم السين مصغرًا، وقد مرَّ في باب المعاصي في كتاب الإيمان [خ¦30] .
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ) ويُروى يعني النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] (قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ) قال (وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ) يعني حلف بلا شكٍّ، ولكنَّ أبا ذر رضي الله عنه تردَّد بين هذه الألفاظ ولم يضبطها كما وقع.
وقال الحافظ العسقلاني هو يعني قوله «انتهيتُ إليه» هو مقول المعرور، وأنَّ الضمير يعود على أبي ذر وهو الحالف أ. هـ، وهذا غيرُ ظاهرٍ ولعله سَبْقُ قلم. وقد روى مسلم، عن المعرور، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال انتهيت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالس في ظلِّ الكعبة فلمَّا رآني قال (( هم الأخسرون، وربِّ الكعبة ) )الحديث. وفيه (( ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنم لا يؤدِّي زكاتها إلَّا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها، وتطأه بأخفافها كلمَّا نفذت أخراها عادت عليه أولاها حتَّى يُقضى بين الناس ) ).
وروى التِّرمذي أيضًا عن المعرور، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال جئت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالس في ظلِّ الكعبة، قال فرآني مقبلًا فقال (( هم الأخسرون وربِّ الكعبة يوم القيامة ) )الحديث. وفيه (( ثمَّ قال والذي نفسي بيده لا يموت رجلٌ فيدع إبلًا أو بقرًا لم يؤدِّ زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تطأه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كلمَّا نفذت أُخراها عادت عليه أولاها حتَّى يُقضى بين الناس ) ).
وهاتان الروايتان كما ترى تُظْهِران سَهْوَ قَوْلِ الحافظ العسقلاني، والله أعلم.
(مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا) أي زكاتها، كما في رواية مسلم (إِلاَّ أُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حال كونها (أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ) وإنَّما كانت أعظم وأسمن لتكون أثقل في وطئها زيادةً في العقوبة، كما أنَّ النطح بالقرون ليكون أنكأ في طعنها.
(تَطَؤُهُ) ذوات الأخفاف منها
ج 7 ص 185
(بِأَخْفَافِهَا) جمع خفٍّ، فالضمير في كلِّ قسم عائد إلى بعض الجملة لا إلى الكلِّ (وَتَنْطِحُهُ) بكسر الطاء على ما اختاره ثعلب وتفتح، وماضيه نطَح، بفتح الطاء؛ أي ذوات القرون (بِقُرُونِهَا) قال القزَّاز النطح ضرب الكبش برأسه، وحكى ابن قتيبة نطح الكبش والثَّور.
وفي «المنتهى» لأبي المعالي ومنه تناطحت الأمواج.
وقال ابن درستويه في كتابه «شرح الفصيح» النَّطح بالقرنين أو الرأسين، ويخصُّ بذلك الكباش؛ لأنَّها مولعة به حتَّى إنَّ الأقران في الحرب تشبَّه بها، فيقال تناطحوا وانتطحوا ونطح فلان قرنه فصرعه.
واعلم أنَّ الخف للإبل، والقرن للبقر والغنم، وكذا الظلف للغنم والبقر، وفي حديث أبي هريرة السَّابق في باب إثم مانع الزَّكاة [خ¦1402] (( وتأتي الغنم على صاحبها على خيرِ ما كانت إذا لم يعطِ فيها حقَّها، تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها ) )الحديث.
(كُلَّمَا جَازَتْ) بالجيم والزاي؛ أي مرَّت (أُخْرَاهَا رُدَّتْ) على البناء للمفعول (عَلَيْهِ أُولاَهَا) والضَّمير في عليه للرَّجل؛ أي فهو معاقبٌ بذلك (حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ) أي إلى أن يفرغ عن الحساب.
(رَوَاهُ) أي روى هذا الحديث (بُكَيْرٌ) هو ابن عبد الله الأشج، وقد مرَّ في باب من تمضمض من السُّويق [خ¦210] (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
وقد أخرجه مسلم من طريق بُكَير، فقال حدَّثني هارون بن سعيد الأيلي، قال حدَّثنا ابن وهيبٍ، قال أخبرني عمرو بن الحارث أنَّ بكيرًا حدَّثه، عن ذكوان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال (( إذا لم يؤدِّ المرء حقَّ الله أو الصَّدقة في إبله ) )وساق الحديث.
ومراد المؤلِّف بذكر هذا الطَّريق موافقة هذه الرِّواية لحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه في ذكر البقر، لا أنَّ الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه.
وقد مرَّ أن المؤلِّف رحمه الله لم يذكر شيئًا مما يتعلَّق بنصاب زكاة البقر لكونه لم يقع له شيءٌ على شرطه.
نعم روى التِّرمذي وحسَّنه، وروى الحاكم، وقال صحيحٌ على شرط الشَّيخين ولم يخرجاه عن معاذ رضي الله عنه «بعثني النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنَّة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعًا» . وروى الحاكم أيضًا من حديث عَمرو بن حزم عن كتاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وفي كلِّ أربعين باقُورة بقرة» ، وقد حكم بعضُهم بتصحيح حديث معاذ واتِّصاله، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ مسروقًا راويه عن معاذ لم يلْقَه، وإنما حسَّنه التِّرمذي لشواهده.
ثمَّ إنَّ
ج 7 ص 186
نصاب زكاة البقر قد اختلفوا فيه، فقالت الظَّاهرية لا زكاة في أقلَّ من خمسين من البقر، فإذا ملك خمسين بقرةً ففيها بقرةٌ وفي المائة بقرتان، ثمَّ في كلِّ خمسين بقرة بقرة ولا شيء في الزِّيادة حتى تبلغ خمسين.
وقالت طائفةٌ ليس فيما دون ثلاثين شيء فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع وهو ما تمَّ عليه الحول، وسمِّي به لأنه يتبع أمَّه ويجزئ عنه تبيعة بل أولى للأنوثة، ثمَّ لا شيء فيها حتَّى تبلغ خمسين، فإذا بَلَغَتْها فيها بقرةٌ وربع بقرة، ثمَّ لا شيء فيها حتَّى تبلغ سبعين، فإذا بلغتها ففيها تبيع ومسنَّة وهي ما تمَّ عليه الحولان، وسمِّيت بها لتكامل أسنانها ويجزئ عنها تبيعان. ورُوِيَ ذلك عن إبراهيم وهي روايةٌ غير مشهورة عن أبي حنيفة.
والرِّواية المشهورة عنه أنَّه ليس فيما دون ثلاثين صدقة وفيها تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مُسن أو مسنَّة، وما بين النِّصابين عفوٌ. وفي الزَّائد على الأربعين بحسابه إلى ستِّين عند أبي حنيفة رحمه الله؛ ففي الواحدة الزَّائدة على الأربعين ربع عشر مسنَّة، وفي الثنتين نصف عشر مسنَّة. وهذه رواية الأصل؛ لأنَّ العفو ثبت نصًا بخلاف القياس ولا نصَّ هاهنا.
وقال أبو يوسف ومحمَّد رحمهما الله لا شيءَ في الزِّيادة حتى تبلغ ستِّين، وفيها ضعف ما في ثلاثين؛ أي تبيعان ثمَّ في كلِّ ثلاثين تبيع وفي كلِّ أربعين مسنَّة، ففي سبعين تبيع ومسنة، وفي ثمانين مسنَّتان، وفي تسعين ثلاث أتبعة، ثمَّ في مائة تبيعان ومسنة، وفي مائة وعشرة تبيع ومسنَّتان، وفي مائة وعشرين أربع أتبعة أو ثلاث مسنَّات، كذا إلى غير النهاية.
ومذهبنا هذا مذهب علي بن أبي طالب، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، والشَّعبي، وطاوس، وشهر بن حَوْشَب، وعُمر بن عبد العزيز، والحسن، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، رحمهم الله تعالى.
[1] قوله (( ويروى انتهيت إليه يعني النَّبي ) )ليس في (خ) .