فهرس الكتاب

الصفحة 2311 من 11127

1465 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بضم الميم في الأوَّل وفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة في الثاني، وقد مرَّ في باب مَن اتَّخذ ثياب الحيض [خ¦323] ، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) ويقال هلال بن أبي هلالٍ، وهو هلال بن عليٍّ، ويقال ابن أسامة الفهري المدني، من صغار التَّابعين، ومَن قال هلال بن أبي ميمونة، نسبه إلى جدِّ أبيه، وقد ذُكر في أول كتاب العلم [خ¦59] .

قال(حَدَّثَنَا

ج 7 ص 204

عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ)بالتحتية والسين المخففة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ) أي قطعة من الزَّمان ذات يوم، فذات يومٍ صفة للقطعة المقدرة ولم ينصرف؛ لأنَّ إضافتها من قبيل إضافة المسمَّى إلى الاسم، وليس له تمكن في الظَّرفية الزمانية؛ لأنَّه ليس من أسماء الزَّمان.

(عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ إِنَّ) وفي رواية (مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي) وكلمة ما يجوز أن تكون موصولة؛ أي من الَّذي أخاف، ويجوز أن تكون مصدريَّة؛ أي من خوفي عليكم (مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ) في محل النَّصب؛ لأنه اسم إنَّ، وممَّا أخاف خبرها و (ما يفتح عليكم) مبتدأ مؤخر، و (ممَّا أخاف) خبره المقدَّم، والجملة خبر إنَّ على رواية إنِّي، وكلمة ما يحتمل الوجهين أيضًا.

(مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) أي من حُسنها وبهجتها مأخوذٌ من زهرة الأشجار، وهو ما يصفر من أنوارها. وقال ابن الأعرابي هو الأبيض منها، وقال أبو حنيفة الدِّينوري الزهر والنور سواءٌ.

وفي «مجمع الغرائب» هو ما يزهر منها من مال الغنائم وأنواع المتاع والعين والثِّياب والزروع وغيرها تُغرِ الخلق بحسنها مع قلَّة بقائها.

وفي «المحكم» زهْرة الدُّنيا وزهَرتها؛ يعني بتسكين الهاء وفتحها.

وقوله (وَزِينَتِهَا) عطف تفسير لها (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي أتقول ذلك ويأتي الخير بالشَّر، والباء في بالشر للتَّعدية والمعنى هل يَستجلب الخير الشر.

وقال التَّيمي أي أتصير النَّعمة عقوبة؛ أي إنَّ زهرة الدُّنيا نعمة من الله تعالى على الخلق؛ أتعود هذه النِّعمة وبالًا عليهم، وقد سمَّاه الله عز وجل خيرًا في قوله {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} الآية [العاديات 8] ، وفي قوله {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} [فصلت 49] فيكون هذا السُّؤال استبعادًا لما قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وحاصل الجواب الآتي أنَّ هذا الخير قد يعرض له ما يجعله شرًا إذا أسرف فيه ومنع حقَّه؛ ففيه إنكار على مَن توهَّم أنَّه لا يحصل من الخير شرٌّ أصلًا لا بالذَّات ولا بالعرض.

قال النَّووي لمَّا قال الرَّجل أيكون الشَّيء كمال الغنائم المفتوح علينا خيرًا ثمَّ يترتَّب عليه الشَّر، أجابه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ الخير الحقيقي لا يأتي إلَّا بالخير، لكنَّ هذه الزَّهرة ليست خيرًا حقيقيًا؛ لما فيه من الفتنة والمنافسة والاشتغال عن كمال الإقبال والحضور إلى الآخرة، ثمَّ ضرب مثلًا ومختصره أنَّ من استكثر منه غير صارفٍ له في وجههٍ فهو ضار له، ومَن لم يأخذ إلَّا يسيرًا أو أخذ كثيرًا أو فرَّقه في مصارفه، كما تثلط الدَّابة فلا يضره.

(فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) انتظارًا للوحي (فَقِيلَ لَهُ) أي للسَّائل؛ أي لامَ القومُ هذا السَّائل، وقالوا (مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلاَ يُكَلِّمُكَ) ظنًّا منهم أنَّه

ج 7 ص 205

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنكر سؤاله، قال أبو سعيد رضي الله عنه (فَرَأَيْنَا) بفتح الراء ثم الهمزة، من رؤية العين، وفي رواية بضم الهمزة وكسر الراء، وفي أخرى بضم الراء وكسر الهمزة، وكلاهما من الرؤية بمعنى الظَّن والحسبان؛ أي فظننَّا.

(أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بضم التَّحتية وفتح الزاي، على البناء للمفعول؛ أي ينزل عليه الوحي (قَالَ) أي أبو سعيد رضي الله عنه (فَمَسَحَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الرُّحَضَاءَ) بضم الراء وفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة وبالمد، هو عَرَق يغسلُ الجلد لكثرته، وكثيرًا ما يُستعمل في عَرَق الحُمَّى والمرض.

وقال الأصمعيُّ الرُّحضاء العَرَق حتى كأنَّه رحض جسده من العرق؛ أي غسل، ووزنه فُعَلاء، بضم الفاء وفتح العين، وجاءت أمثلة على وزنه منها العدواء من العدو، والرُّعداء من الرِّعدة، والخُيلاء من الاختيال والتكبُّر، والصُّعداء من قولهم هو يتنفَّس الصُّعداء؛ أي يصاعد بنفسه.

(فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ، وَكَأَنَّهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَمِدَهُ) أي السائل، وكان الناس ظنُّوا أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنكر مسألته، فلمَّا رأوه يسألُ عنه سؤالَ راضٍ علموا أنَّه حَمِدَه لما رأوا فيه من البُشرى؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا سُرَّ استنارَ وجْهُه الكريم كأنَّه فلقة القمر.

(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّهُ) أي الشَّأن (لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) أي إنَّ ما قدَّر الله وقضى أن يكون خيرًا يكون خيرًا، وما قضاه شرًّا يكون شرًّا وإنَّ الذي خفت عليكم تضييعكم نعمة الله وصرفكم إيَّاها في غير ما أمر الله به، ولا يتعلَّق ذلك بنفس النِّعمة ولا ينسب إليها ثمَّ ضرب لذلك مثلًا فقال (وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضم المثناة التحتية، من الإنبات، والرَّبيع فاعله، وهو من الفصول الأربعة المعلومة، ويقال للجدول الذي يُسْتَقَى به ربيع أيضًا (يَقْتُلُ) قال القزَّاز هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف؛ حيث حذف كلمة «ما» قبل يقتل وحذف «حبطًا» بعده. والحديث (( إنَّ ممَّا ينبت الرَّبيع ما يقتل حبطًا ) ).

وقال الخطَّابي سقط في الكلام من الرواية ما وتقديره ما يقتل.

وفي نسخة صاحب «التلويح» لفظ حبطًا، موجود فلفظ يقتل صلة أو صفة لما المقدَّرة، وما المقدَّرة يجوز أن تكون عبارة عن الشَّيء النابت، وأن تكون عبارة عن الإنبات على التَّقديرين في كلمة ما في ما ينبت فإنها يجوز أن تكون موصولة أو مصدريَّة.

والمعنى أنَّ

ج 7 ص 206

ممَّا ينبته الربيع النَّابت الذي يقتل أو إنَّ من إنبات الرَّبيع إنباتًا يقتل.

وقوله حَبَطًا، بفتح الحاء المهملة والموحدة وبالطاء المهملة، نصب على التَّمييز، وهو داءٌ يصيبُ الإبل من أحرار العشب من أكل الذَّرق، وهو نبتٌ إذا أكَلَتْهُ الإبل انتفخَ بطنها أو من كلأ طيِّب تستحليه فتكثر منه، فينتفخُ بطنها فتهلك، أو تقارب الهلاك.

وقال ابن سيده هو وجعٌ يأخذُ البعير في بطنه من كلإٍ يَسْتَوْبِلُه، ويقال حبطت الشَّاة حبطًا، انتفخَ بطنها من أكل الذَّرق وذلك الدَّاء الحباط، وقد حَبِطَ حَبَطًا فهي حَبْطى وحَبْطاء، وإبل حَبَاطَى.

(أَوْ يُلِمُّ) أي أو يقربُ ويدنو من الهلاك، وهو بضم المثناة التحتية وكسر اللام، من الإلمام.

ثم إنَّ إسناد الإنبات إلى الرَّبيع مجازٌ على رأي الشِّيخ عبد القاهر الجُرْجاني؛ إذ المسند إليه ملابسٌ للفعل وليس فاعلًا حقيقيًا له إذ الفاعل هو الله تعالى، والسَّكاكي يرى أنَّ الإسناد ليس مجازيًا وأنَّ التجوُّز في الرَّبيع فجعله استعارة بالكناية على أنَّ المراد به الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإسناد.

(إِلاَّ آكِلَةَ) بمدِّ الهمزة (الْخَضْرَاءِ) فتح الخاء المعجمة وسكون الضاد المعجمة وبالألف ممدودة بعد الراء. وفي رواية الكُشْمِيْهني والمستملي بكسر الضاد المعجمة، وفي رواية بالتاء في آخره، وعند الطبراني (( الخُضْرة ) )بضم الخاء وسكون الضاد، والاستثناء مفرَّغ، والأصل ممَّا ينبت الرَّبيع ما يقتل آكله إلَّا آكل الخضر، وإنما صحَّ الاستثناء المفرَّغ لقصد التَّعميم في المستثنى منه، أو لإرادة بعض مُعين يدخل فيه المستثنى قطعًا، فإن ما يقتل حبطًا بعض ما ينبت الرَّبيع لدَلالة من التَّبعيضيَّة عليه، فافهم.

ونظيره قرأتُ إلَّا يوم كذا، وقال الطِّيبي والأظهر أنَّ الاستثناء منقطعٌ؛ لوقوعه في الكلام المثبت، ويجوز أن يكون متَّصلًا لكن يجب التَّأويل في المستثنى.

والمعنى حينئذٍ أنَّ من جملة ما يُنبت الرَّبيع شيئًا يقتل آكله إلَّا الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرَّى دفع ما يؤدِّيه إلى الهلاك.

وفي بعض النَّسخ بفتح الهمزة وتخفيف اللام، على أنها استفتاحيَّة، كأنَّه قال ألا انظروا آكلةَ الخضر واعتبروا شأنها.

(أَكَلَتْ) في موضع البيان لما قبلها ويؤيِّده ما في بعض النسخ من قوله ؛ أي فإنَّ آكلة الخضر أكلتْ (حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا) أي جنباها؛ أي امتلأتْ شبعًا وعظم جنباها، ثمَّ أقلعتْ عنه سريعًا (اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ) وجاءت وذهبتْ تستمري بذلك ما أكلتْ (فَثَلَطَتْ) بفتح المثلثة واللام؛ أي ألقتْ السَّرقين سهلًا رقيقًا.

وقال ابن التِّين ضبطه بعضُهم بفتح اللام وبعضهم بكسرها.

ج 7 ص 207

وفي «المحكم» ثَلَط الثَّور والبعير والصَّبي يَثْلِط ثَلْطًا، سَلَح سَلْحًا رقيقًا.

وفي «مجمع الغرائب» خرج رَجِيعها عفوًا من غير مشقَّة لاسترخاءِ ذات بطنهَا، فيبقى نفعها ويخرج فضولها ولا يتأذَّى بها.

وفي «العباب» و «المغيث» وأكثر ما يقال للبعير والفيل.

(وَبَالَتْ) فيزول عنها الحَبَط، وإنما تحبط الماشية؛ لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تَثْلط ولا تَبُول، فتنتفخ بُطونها فيعرض لها المرض فتهلك (وَرَتَعَتْ) أي رعتْ واتَّسعت في المرعى، ويقال أرتع إبله رعاها.

قال الخطَّابي الخضراءُ ليس من أحرارِ البقول التي تستكثر الماشية منها بعد هَيْج العُشْب ويُبْسه حيث لا يجد سواها، وأكثر ما تَقُوْلُه العرب لِمَا اخضرَّ من الكلأ الذي لم يصفر، وهو من كلأ الصَّيف، والماشية من الإبل ترتعُ منها شيئًا فشيئًا، فلا تستكثرُ منها فلا تحبط بطونها.

(وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ) أي زهرة الدُّنيا (خَضِرَةٌ) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين؛ أي حسنة من حيث المنظر مؤنقة تُعْجب النَّاظر، والخُضرة، بضم الخاء عبارة عن الحسن، وهي من أحسنِ الألوان، ولذا خصَّ من بين الألوان، والعربُ تسمي الشَّيء المشرق خضرًا تشبيهًا له بالنَّبات الأخضر، وقيل سمِّي الخضر خضرًا لحسنه ولإشراق وجهه.

(حُلْوَةٌ) بضم المهملة وسكون اللام؛ أي من حيث الذَّوق والتَّأنيث فيهما مع أنَّ المال مذكَّر باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، أو باعتبار تأنيث المشبَّه به؛ أي إنَّ هذا المال كالبقلة الخضرة، وكالفاكهة الحلوة، أو باعتبار فائدة المال؛ أي الحياة به والمعيشة به خضرة حلوةٌ.

وقال الطِّيبي يمكن أن يعبَّر عن الدُّنيا بالمال؛ لأنَّه أعظم زينة الحياة الدُّنيا قال تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [الكهف 46] .

وقال الخطَّابي يريد أنَّ صورة الدنيا حسنة المنظر حلوةُ الذَّوق ولذلك أنَّث اللَّفظين.

وقال الكِرماني وله وجه آخر، وهو أن تكون التاء للمبالغة نحو رجل راوية وعلامة، ولما ذكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يخاف عليهم من فِتنة الدنيا والمال أَخَذَ يعرِّفهم دواء تلك الفتنة، فقال (فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ. أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) شكٌّ من يحيى. وفي الجهاد من طريق فُليح [خ¦2842] بلفظ (( فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السبيل ) )، يعني أنَّ من أُعْطِيَ مالًا وسُلِّطَ على هلكتهِ في الحقِّ، فأعطى من فَضْلِه المسكينَ وغيرَه، فهذا المال المرغوب فيه وصاحبُه الممدوح.

(وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ) أي وإنَّ المال من يأخذه (بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن يجمعَه من الحرام، أو من غير احتياجٍ إليه ولم يخرج منه حقه الواجب فيه فهو

ج 7 ص 208

(كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا ازدادتْ رغبتُه واستقلَّ ما في يده ونظرَ إلى ما فوقه فينافسه (وَيَكُونُ) أي ماله (شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يحتملُ البقاء على ظاهره، وهو أنَّه يجاءُ بماله يوم القيامة فينطقُ الله الصَّامت منه بما فعلَ به أو يمثَّل له بمثال حيوانٍ، أو يشهدُ عليه الموكَّلون بكتب الكسبِ والإنفاق.

وقيل معنى قوله (( ويكون عليه شهيدًا ) )يكون حجَّة عليه يشهد على حرصه وإسرافهِ وإنفاقه فيما لا يرضاهُ الله تعالى ولم يؤدِّ زكاته.

وقال الكرمانيُّ معناه، والله أعلم، أنَّه يمثَّل له شجاعًا أقرع، ويأتيه في صورة من يشهد عليه بالجناية؛ لأنه آية معجزةٌ، ولا أكبر من شهادة المعجزات.

فاعلم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب مثلين أحدُهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها حقَّه، والآخر للمقتصد في طلب الدنيا وأخذها القانع بقدر الكفاية، فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( وإنَّ ممَّا ينبتُ الربيعُ يقتلُ أو يُلِمُّ ) )مثل المفرط الذي يأخذها بغير حقٍّ وذلك أنَّ الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منها الماشية حتى تنتفخَ بطونها لما قد جاوزت حدَّ الاحتمال، فتنشق أمعاؤها منها فتهلك، كذلك الذي يجمعُ الدنيا من غير حلِّها ويمنع ذا الحقِّ حقَّه يهلك في الآخرة بدخوله النار.

وقوله (( إلَّا آكلة الخضراء ) )مثل المقتصد، وذلك أنَّ الخضر الذي هو من كلأ الصَّيف ليس من أحرارِ البقول التي ينبتها الرَّبيع ولكنَّها الجَنَبة التي ترعاها المواشي بعد هَيْج البقول ويَبْسها، فضربه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدُّنيا وجمعها ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقِّها فهو ناجٍ من وبالها، كما نجتْ آكلةُ الخضر.

وقيل الرَّبيع قد ينبت أحرارَ العشب والكلأ؛ فهي كلها خير في نفسها، وإنما يأتي الشرُّ من قبل آكِلٍ مُسْتلِذٍّ مُفْرِطٍ مُنهَمكٍ فيها بحيث تنتفخ أضلاعُه منها وتمتلئ خاصرتاه، ولا يُقْلِعُ عنه فيُهْلِكُه سريعًا، وهو مثال الكافر الذي يُحْبِطُ أعمالَه ولهذا أكد القتل بالحبط [1] .

أو فيشرف إلى الهلاك، وهو مثال المؤمن الظَّالم لنفسه المنهمك في المعاصي. ومَن أَكَلَ مسرفًا حتى تنتفخَ خاصرتاه ولكنَّه يتوخى إزالة ذلك ويتحيَّل في دفع مضرَّتها حتى يهضمَ ما أكل، وهذا مثال المقتصد ومَنْ أَكَلَ غيرَ مفرطٍ ولا مُسرفٍ؛ يأكل منها ما يسدُّ جوعه ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال السَّابق الزاهد في الدنيا الرَّاغب في الآخرة، لكن هذا ليس صريحًا في الحديث، لكنه ربَّما فهم منه، وفي كلام النووي إشعار بهذا.

ج 7 ص 209

وفي الحديث جواز ضرب الأمثال بالأشياء التَّافهة والكلام الوضيع كالبول ونحوه.

وفيه جواز عرض التِّلميذ على العالم الأشياءَ المجملة، وأن للعالم إذا سُئل عن شيءٍ أن يؤخِّر الجواب حتى يتيقَّن.

وفيه أنَّ السؤال إذا لم يكن في موضعه يُنْكَرُ على سائله.

وفيه أنَّ العالم إذا سُئل عن شيءٍ ولم يستحضر جوابه، أو أشكل عليه يؤخِّر الجواب حتى يكشف المسألة ممَّن فوقه من العلماء، كما فعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سكوته حتى استطلعها من قبل الوحي.

وفيه أنَّ كسب المال من غير حلِّه غير مبارك فيه، والله تعالى يرفع عنه البركةَ، كما قال تعالى {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} الآية [البقرة 276] .

وقال الشيخ أبو حامد مثال المال مثال الحيَّة التي فيها ترياقٌ نافع وسمٌّ ناقعٌ، فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن شرِّها وطريق استخراج ترياقها النَّافع كانت نعمة، وإن أصابها السَّوادي الغرُّ فهي عليه بلاء مهلك.

وفيه أنَّ للعالم أن يحذِّر من يجالسه من فتنة المال وينبِّههم على مواضع الخوف، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنما أخاف عليكم ) )فوصف لهم ما يخاف عليهم ثمَّ عرَّفهم بمداواة تلك الفتنة، وهي إطعامُ المسكين ونحوه.

وفيه الحضُّ على الاقتصاد في المال، والحثُّ على الصَّدقة، وترك الإمساك.

وفيه جلوسُ الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس النَّاس حوله.

وفيه مسح الرُّحضاء، وفيه دعاء السَّائل بقوله أين السائل؟

وفيه ظهور البُشرى في البَشَرة؛ لقوله وكأنَّه حمده، كما مرَّ.

قال الكِرماني وفيه حجَّة لمن يرجِّح الغنى على الفقر. وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا الكلام عكس ما نقل عن المهلَّب فإنه قال احتج قوم بهذا الحديث في تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأوَّلوه؛ لأنَّ النّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يخشَ عليهم ما يفتح الله عليهم من زهرة الدُّنيا إلَّا إذا ضيَّعوا ما أمرهم الله تعالى به في انفاقهِ، وجمعُ المال غيرُ محرَّمٍ ولكن الاستكثار منه والخروج عن حدِّ الاقتصار فيه ضارٌّ، كما أنَّ الاستكثار من الأكل مُسْقم من غير تحريم الأكل إذا لم يكن فوق الشِّبع، والاقتصاد فيه هو المحمود.

وهذا الحديث أخرجه المؤلف في الجهاد [خ¦2842] والرِّقاق أيضًا [خ¦6427] .

وأخرجه مسلم في الزَّكاة، وكذا النسائيُّ.

[1] من قوله (( وهو مثال الكافر ... إلى قوله بالحبط ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت