1473 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (عَنْ سَالِمٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ سَمِعْتُ) أبي (عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) أي بسبب العِمالة لِأَمْنِ جِهَة الفَقْر،
ج 7 ص 237
فقد أخرجه مسلم عن ابن السَّاعدي، عن عمر رضي الله عنه، وزاد فيه أنَّ عطيَّة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر بسبب العمالة، ولهذا قال الطَّحاوي ليس معنى هذا الحديث في الصَّدقات، وإنَّما هو في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر، ولكن من الحقوق.
(فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي) عبَّر بأفقر ليفيد نكتةً حسنةً، وهي كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما؛ لأنَّه إنَّما يتحقَّق فقير وأفقر إذا كان الفقير له شيء يقلُّ أو يكثر، أمَّا لو كان الفقير هو الذي لا شيء له البتَّة لكان الفقراء كلُّهم سواء ليس فيهم أفقر.
(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خُذْهُ) أي بالشَّرط الذي يذكر بعد، يعني إنَّما أعطيته إيَّاك لمعنى غير الفقر، وزاد في رواية شعيب عن الزُّهري الآتية في الأحكام [خ¦7163] (( حتَّى أعطاني مرَّة مالًا، فقلت أعطهِ أفقر إليه منِّي فقال خذه فتموَّله وتصدَّق به ) )أي اقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدلُّ على أنَّه ليس من جهة الفقر؛ لأنَّ الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصَّدقات ما يتَّخذه مالًا، كذا قاله القسطلاني، فتأمَّل.
وذكر شعيب فيه عن الزُّهري بإسنادٍ آخر قال أخبرني السَّائب بن يزيد أنَّ حويطب بن عبد العزى أخبره أنَّ عبد الله بن السَّعدي أخبره أنَّه قدم على عمر رضي الله عنه في خلافته فذكر قصَّة فيها هذا الحديث، والسَّائب ومن فوقه صحابة ففيه أربعة من الصَّحابة في نسق.
(إِذَا جاءَكَ مِنْ) جنس (هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَ) الحال (أَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) على صيغة الفاعل من الإشراف؛ أي غير طامع ولا حريص (وَلَا سَائِلٍ) أي ولا طالب له (فَخُذْهُ) جواب الشَّرط أطلق الأخذ أوَّلًا وعلَّقه ثانيًا بالشرط، فحمل المطلق على المقيَّد (وَمَا لاَ) أي وما لا يكون على هذه الصِّفة بأن لم يجيء إليك ومالت نفسك إليه (فَلاَ تُتْبِعْهُ) بضم المثناة الفوقية، من الإتباع وقوله (نَفْسَكَ) بالنصب مفعوله؛ أي لا تطلبه واتركه.
قال الطَّبري اختلف العلماء في قوله فخذه، بعد إجماعهم على أنَّه أمر ندب وإرشاد فقال بعضُهم هو ندب لكلِّ من أُعْطِيَ عطيَّةً أن يقبلَها، سواء كان المُعْطِي سلطانًا أو غيره، صالحًا كان أو فاسقًا بعد أن كان ممَّن تجوز عطيَّته. روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «ما أحد يهدي إليَّ هديَّة إلَّا قبلتها فأمَّا أن أسأل فلا» . وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه مثله، وقبلت عائشة رضي الله
ج 7 ص 238
عنها من معاوية رضي الله عنه.
وقال حبيبُ بن أبي ثابت رأيتُ هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهما فيقبلانها. وقال عثمان بن عفَّان رضي الله عنه «جوائز السُّلطان لحم ظبي ذكيِّ» .
وبعث سعيد بن العاص إلى عليٍّ رضي الله عنه بهدايا فقبلها وقال خذْ ما أعطوك. وأجازَ معاويةُ الحسينَ رضي الله عنهما بأربعمائة ألف.
وسئل أبو جعفر محمَّد بن عليٍّ بن الحسين عن هدايا السُّلطان فقال إن علمت أنَّه من غصبٍ وسحتٍ فلا تقبله، وإن لم تعرفْ ذلك فاقبله، ثمَّ ذكر قصَّة بريرة وقول الشَّارع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( هو لنا هديَّة ) )وقال (( ما كان من مأثمٍ فهو عليهم، وما كان من مهنأ فهو لك ) ).
وقبلها علقمة والأسود والنَّخعي والحسن والشَّعبي رحمهم الله وقال آخرون بل ذلك ندب ندبَ أمَّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قبول عطيَّة غير ذي السُّلطان، فأمَّا السُّلطان فقال بعضهم حرام قبول عطيَّته، وكرهها بعضهم.
روي أنَّ خالد بن أسيد أعطى مسروقًا ثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها فقيل له لو أخذتها فوصلت بها رحمك فقال أرأيت لو أنَّ لصًّا نقب بيتًا فأخرج مالًا أخذت ذلك؟ ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن هرمز من السُّلطان. وقال هشام بن عروة بعث إليَّ عبد الله بن الزُّبير وإلى أخي بخمسمائة دينار قال أخي ردَّها، فما أكلها أحد وهو غنيٌّ عنها إلا أحوجه الله إليها.
وقال ابن المنذر كره جوائز السُّلطان محمَّد بن واسع والثَّوري وابن المبارك وأحمد. وقال آخرون بل ذلك ندب إلى قبول هدية السُّلطان دون غيره. وروي عن عكرمة قال إنَّا لا نقبل إلَّا من الأمراء.
وقال الطَّبري والصَّواب عندي أنَّه ندب منه إلى قبول عطيَّة كلِّ معطٍ جائزةً لسلطانٍ كانت أو غيره؛ لحديث عمر رضي الله عنه فندبه إلى قبول كلِّ ما أتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيصٍ سوى ما استثناه، وذلك ما جاء من وجه حرام عليه وعلم به.
ووجه من ردَّ أنَّه إنَّما كان على من كان الأغلب من أمره أنَّه لا يأخذ المال من وجهه فرأى أنَّ الأسلم لدينه والأبرأ لعرضه تركه، ولا يدخل في ذلك ما إذا عَلِمَ حرمته.
ووجه من قبل ممَّن لم يبال من أين أخذ المال، ولا فيما وضعه أنَّه ينقسم ثلاثة أقسام ما علم حلَّه يقينًا فلا يستحبُّ ردُّه، وعكسه فيحرم قبوله، وما لا فلا يكلَّف البحث عنه، وهو في الظَّاهر أولى به
ج 7 ص 239
من غيره ما لم يستحق، وأمَّا متابعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكَرِهَ ذلك قومٌ وأجازه آخرون. فممَّن كرهه عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم، وروي أنَّه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصر فترك ميراثها أيضًا.
وقال مالك قال عبد الله بن يزيد إنِّي لأعجب ممَّن يرزق الحلال ويرغب في الرِّبح فيه الشَّيء اليسير من الحرام فيفسد المال كله. وكره الثَّوري المال الذي يخالطه الحرام، وممَّن أجازه ابن مسعود رضي الله عنه.
روي عنه أنَّ رجلًا سأله فقال في جار لا يتورَّع من أكل الرِّبا، ولا من أخذ ما لا يصلح وهو يدعونا إلى طعامه، ويكون لنا الحاجة فنستقرضه فقال أجبه إلى طعامه، واستقرضه فذلك لك المهنأ وعليه المأثم.
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن رجل أكل طعام من يأكل الرِّبا فأجازه، وسئل النَّخعي عن الرَّجل يؤتى المال من الحلال والحرام قال لا يحرم عليه إلَّا حرام بعينه. وعن سعيد بن جُبير أنَّه مَرَّ بالعشَّارين وفي أيديهم شماريخ فقال ناولونيها من سحتكم هذا إنَّه حرام عليكم وعلينا حلال.
وأجاز البصري طعام العشَّار والضرَّاب والعامل. وعن مكحول والزُّهري إذا اختلط الحرام والحلال فلا بأس به، وإنَّما يكره من ذلك الشَّيء يُعرف بعينه، وأجازه ابن أبي ذئب أيضًا.
وقال ابن المنذر واحتج من رخَّص فيه بأنَّ الله تعالى ذكر اليهود، فقال {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} الآية [المائدة 42] ، وقد رهن الشَّارع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درعه عند يهودي.
وقال الطَّبري في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأنَّ أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير وهم يتعاملون بالرِّبا بيِّن الدَّلالة على أنَّ من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال، فإنَّه لا يحرم قبوله لمن أعطاه، وإن كان ممَّن لا يبالي إن اكتسبه من غير حلِّه بعد أن لا يعلم أنَّه حرام بعينه وبنحو ذلك قالت الأئمة من الصَّحابة والتَّابعين ومن كرهه فإنَّما ركب في ذلك طريق الورع وتجنب الشُّبهات والاستبراء لدينه.
ومن فوائد الحديث المذكور أنَّ للإمام أن يعطي الرَّجل وغيره أحوج إليه منه إذا رأى لذلك وجهًا. ومنها أنَّ ما جاء من
ج 7 ص 240
المال الحلال من غير سؤال، فإنَّ أخذه خير من تركه، وإن ردَّ عطاء الإمام ليس من الأدب.
وقال الثَّوري واختلفوا فيمن جاءه مال هل يجب قبوله؟ الصَّحيح المشهور أنَّه يستحبُّ في غير عطيَّة السُّلطان، وأمَّا عطيَّته فالصَّحيح أنَّه إنْ غلب الحرام في ما في يده حرم وإلَّا فمباح. وقالت طائفة الأخذ واجب من السُّلطان لقوله تعالى {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} الآية [الحشر 7] ، فإذا لم يأخذه فكأنَّه لم يَأْتَمِر.
وقال الطَّحاوي ليس معنى هذا الحديث في الصَّدقات، وإنَّما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء النَّاس وفقرائهم، فكانت تلك الأموال يعطاها النَّاس لا من جهة الفقر، ولكن من حقوقهم فيها، فكره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر رضي الله عنه حين أعطاه قوله أعطه من هو أفقر إليه منِّي؛ لأنَّه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثمَّ قال له خذه فتموَّله، على ما رواه شعيب عن الزُّهري كما تقدَّم، فدلَّ أنَّ ذلك ليس من أموال الصَّدقات؛ لأنَّ الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصَّدقات ما يتخذه مالًا، سواء كان عن مسألة أو غير مسألة.
والحديث أخرجه المؤلِّف في الأحكام أيضًا [خ¦7163] ، وأخرجه مسلم في الزَّكاة، وكذا النَّسائي.