1481 - 1482 - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ) بفتح الموحدة
ج 7 ص 255
وتشديد الكاف، أبو بشر الدَّارمي البصري، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغرًا، هو ابن خالد (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عمارة المدني المازني، وقد مرَّ في باب تفاضل أهل الإيمان [خ¦22] (عَنْ عَبَّاسٍ) بتشديد الموحدة آخره سين مهملة، هو ابن سهل بن سعدٍ (السَّاعِدِيِّ) مات زمن الوليد بالمدينة.
(عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم المهملة وفتح الميم، المنذر أو عبد الرَّحمن بن سعد (السَّاعِدِيِّ) رضي الله عنه (قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ غَزْوَةَ تَبُوكَ) بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة المخففة وفي آخره كاف غير منصرف، بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة من طرف الشَّام، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وفي «المحكم» تبوك اسم أرض.
وزعم ابن قتيبة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء غزوة تبوك وهم يَبُوكُون حِسْيَها بقدح فقال (( ما زلتُم تبوكونها بعد ) )فسمِّيت تبوك، ومعنى يبوكون حِسيها بقدح؛ أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، والحِسْي البئر القريبة العمق التي في أرض الرمل، والجمع أحساء، فوزن تبوك تفْعُل من البَوك.
وهذه الغزوة تسمَّى العسرة والفاضحة، وكانت في رجب يوم الخميس سنة تسع.
وقال ابن التِّين خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أوَّل رجب إليها ورجع في سلخ شوال، وقيل في شهر رمضان.
وقال الدَّاودي هي آخر غزواته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقدر أحدٌ أن يتخلَّف عنها، وكانت في شدَّة الحرِّ وإقبال الثِّمار، ولم تكنْ غزوة إلَّا ورى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها إلا غزوة تبوك [1] .
(فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى) بضم القاف مدينة بالحجاز ممَّا يلي الشَّام، وذكر ابن قُرْقول أنَّها من أعمال المدينة (إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا) مبتدأ وخبر.
قال ابن مالك في «التوضيح» لا يمتنع الابتداء بالنكرة المحضة على الإطلاق بل إذا لم تحصل فائدة نحو رجلٌ يتكلَّم إذ لا تخلو الدُّنيا من رجلٍ يتكلَّم، فلو اقترن بالنكرة قرينةٌ تحصل بها الفائدة جاز الابتداء بها، ومن تلك القرائن الاعتماد على إذا المفاجأة نحو انطلقتُ فإذا سَبُعٌ في الطَّريق، والحديقة بفتح المهملة، قال ابن سيده هي من الرِّياض كلُّ أرضٍ استدارت، وقيل الحديقة كلُّ أرضٍ ذات شجر مثمر ونخل، وقيل البستان والحائط.
وسيجيء من المؤلِّف تفسيرها في آخر الباب إن شاء الله تعالى، وأمَّا تلك المرأة فقال
ج 7 ص 256
الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمها.
(فَقَالَ النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ اخْرُصُوا) بضم الراء، زاد سليمان بن بلال عند مسلم (( فخرصنا ) )، قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على أسماء من خرص منهم (وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) جمع وَسق، بفتح الواو، وهو ستُّون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصَّاع والمدِّ، وفي رواية سليمان (( وخرصها ) )بالهاء.
(فَقَالَ لَهَا أَحْصِي) بفتح الهمزة من الإحصاء وهو العدُّ، وأصل الإحصاء العد بالحصا؛ لأنَّهم كانوا لا يحسنون الكتابة، فكانوا يضبطون العدد بالحصا؛ أي احفظي قدر (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أي عدد كيلها، وفي رواية سليمان (( أحصيها ) )حتَّى نرجع إليك إن شاء الله تعالى (فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَا) بتخفيف الميم، وهي حرف استفتاح بمنزلة ألا أو هو بمعنى حقًّا (إِنَّهَا) بكسر الهمزة على الأول وفتحها على الثاني.
(سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ) بضم الهاء، وأصله هبَّ يَهبُّ مثل كبَّ يكبُّ، وزاد سليمان (( عليكم ) ) (رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلاَ يَقُومَنَّ أَحَدٌ) منكم (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ) أي فليشدَّه بالعقال وهو الحبل، وفي رواية سليمان (( فليشدَّ عقاله ) )، وفي رواية ابن إسحاق في «المغازي» (( ولا يخرجنَّ أحدٌ منكم الليلة إلَّا ومعه صاحبٌ له ) ).
(فَعَقَلْنَاهَا) وفي رواية من الفعل (وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ) أي الرِّيح (بِجَبَلِ طَيِّئٍ) بتشديد الياء بعدها همزة، وفي رواية الكُشْمِيْهني بالتثنية، وفي رواية سليمان (( فحملته الرِّيح حتَّى ألقته بجبل طيء ) ).
وفي رواية الإسماعيلي من طريق عفَّان، عن وُهَيب فلم يقم فيها أحدٌ غير رجلين ألقتهما بجبل طيء، وفيه نظرٌ بينته رواية إسحاق (( ففعل النَّاس ما أمرهم إلَّا رجلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له ) ).
فأمَّا الذي ذهب لحاجته فإنَّه خُنِقَ على مَذْهَبِه، وأمَّا الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الرِّيح حتَّى طرحته بجبلي طيء فأخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (( ألم أنهكُم أن يخرجَ رجلٌ إلَّا ومعه صاحبٌ له ) )، ثمَّ دعا للذي أصيب على مذهبهِ فشُفِي، وأمَّا الآخر فإنَّه وصل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدم من تبوك.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على الرَّجلين المذكورين، والمراد بجبلي طيء المكان الذي كانت القبيلة المذكورة تنزله، واسم الجبلين
ج 7 ص 257
المذكورين أَجَأ، بفتح الهمزة والجيم ثم بالهمزة مقصورًا على وزن فعل، وسلمى، ذكر الكلبيُّ في كتابه «أسماء البلدان» أنَّ سلمى بنت حام بن حمى، من بني عمليق كانت لها حاضنة يقال لها العوجاء، وكانت الرَّسول بينها وبين أجأ بن عبد الحيِّ من العماليق، فعشقها فهرب بها وبحاضنتها إلى موضع جبلي طيء.
وبالجبلين قومٌ من عاد، وكان لسلمى أخوةٌ فجاءوا في طلبها، فلحقوهم بموضع الجبلين، فأخذوا سلمى فنزعوا عينها ووضعوها على الجبل وكتَّفوا أَجَأ، وكان أوَّل من كُتِّفَ ووُضِعَ على الجبل الآخر فسُمِّي بهما الجبلان أَجَأ وسلمى والله أعلم.
(وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ) بفتح الهمزة وسكون الياء وباللام على وزن فَعْلَة، مدينةٌ قديمةٌ بساحل البحر، آخر الحجاز وأوَّل الشَّام، منتصف ما بين مصر ومكَّة، سمِّيت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم عليه السَّلام، وقد روي أنَّ أيلة هي القرية التي كانت حاضنة البحر.
وفي «التلويح» وملك أيلة اسمه يُوْحَنَّا، بضم المثناة التحتية وسكون الواو وفتح الحاء المهملة وتشديد النون مقصور، هو ابن رُوْبَة، بضم الراء وسكون الواو وفتح الموحدة وآخرها هاء، واسم أمِّه العَلْماء بفتح العين وسكون اللام وبالمدِّ.
وفي رواية سليمان عند مسلم (( وجاء رسول الله ابن العَلْمَاء صاحب أيلة إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكتاب وأَهدى له بغلةً بيضاء ) ).
وفي «مغازي» ابن إسحاق ولمَّا انتهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تبوك أتاه يوحنا بن رُوْبَة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعطاه الجزية، وكذا رواه إبراهيم الحربي في «الهدايا» من حديث عليٍّ رضي الله عنه.
(لِلنَّبِيِّ بَغْلَةً بَيْضَاءَ) واسمها دُلدُل، جزم به النووي، وقال لكن ظاهر اللَّفظ هنا أنَّه أهداها للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك وكانت سنة تسعٍ من الهجرة، وقد كانت هذه البغلة عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل ذلك، وحضر عليها غزوة حنين كما هو مشهور في الحديث، وكانت حنين عقب فتح مكة سنة ثمان.
قال القاضي ولم يرو أنَّه كان له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلةٌ غيرها، فيحمل على أنَّه أهداها له قبل ذلك، وقد عطف الإهداء على المجيء بالواو وهي لا تقتضي التَّرتيب. انتهى كلام النَّووي.
وتعقَّبه الإمام جلال الدين البُلقيني بأنَّ البغلة التي كان عليها يوم حنين غير هذه، ففي مسلم أنَّه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بغلةٍ بيضاء أهداها له فروة الجذامي، وهذا يدلُّ على المغايرة قال وفيما قاله القاضي من التَّوحيد نظرٌ، فقد قيل إنَّه كان له من البِغال دُلدُل،
ج 7 ص 258
وفِضَّة والتي أهداها ابن العَلْماء، والأَيْلِيَّة، وبغلةٌ أهداها كسرى، وأخرى من دومة الجندل، وأخرى من عند النَّجاشي، كذا في «السيرة» لمغُلطاي.
قال وقد وهم في تفريقه بين بغلة ابن العَلْماء والأيلية، فإنَّ ابن العَلْماء هو صاحب أيلة، ونقص ذكر البغلة التي أهداها له فروة الجذامي.
ذكر الحافظ العسقلانيُّ أنَّ دُلدُلًا إنَّما أهداها له المقوقس، وذكر السُّهيلي أنَّ التي كانت تحته يوم حنين تسمَّى فِضَّة، وكانت شهباء.
(وَكَسَاهُ) النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بُرْدًا) الضمير المنصوب عائد إلى ملك أيلة وهو المَكْسُوّ (وَكَتَبَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَهُ) أي لملك أيلة (بِبَحْرِهِمْ) أي ببلدهم، والمراد أهل بحرهم؛ لأنَّهم كانوا سكَّانًا بساحل البحر، ويروى أي بلدتهم.
وقيل البحرة الأرض، والمعنى أنَّه أقرَّه عليهم بما التزمه من الجِزْيةَ وأقطعه من بلاده قطائع وفوَّض إليه حكومتها، وذكر ابن إسحاق لفظ الكتاب وهو بعد البسملة هذه أَمَنَةٌ من الله ومحمَّد النَّبي رسول الله ليوحنَّا بن رُوْبة وأهلِ أَيلة أساقفتهم وسائرهم في البرِّ والبحر لهم ذمَّة الله، وذمَّة النَّبي ومن كان معه من أهل الشَّام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثًا، فإنَّه لا يحول ماله دون نفسه، وإنَّه طيب لمن أخذه من النَّاس وإنَّه لا يحلُّ أن يمنعوه ما يَرِدُونه من برٍّ أو بحرٍ، هذا كتاب جُهَيم بن الصَّلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(فَلَمَّا أَتَى) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَادِيَ الْقُرَى) المدينة السَّابق ذكرها قريبًا (قَالَ لِلْمَرْأَةِ) المذكورة (كَمْ جَاءَت) وفي نسخة بإسقاط تاء التأنيث (حَدِيقَتُكِ) أي قدر تمرها، وفي رواية مسلم (( فسأل المرأة عن حديقتها كم بلغ تمرها ) ) (قَالَتْ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) بنصب عشرة على نزع الخافض؛ أي جاءت بمقدار عشرة أوسق أو على الحال.
وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس المعنى على أنَّ تمر الحديقة جاء في حال كونه عشرة أوسق بل لا معنى له أصلًا. انتهى.
ويجوز أن يكون (جاء) بمعنى كان من الأفعال النَّاقصة فيكون عشرة خبرًا له؛ أي جاءت عشرةَ أوسق.
(خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالنصب على أنَّه بدل من قوله عشرة أوسق أو عطف بيان له؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قد خرصها عشرة أوسق حين جاء وادي القرى، ويروى بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي خرص، وجوَّز رفع عشرة وخرص على تقدير الحاصل عشرة أوسق خرص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(فَقَالَ النَّبِيُّ إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى
ج 7 ص 259
الْمَدِينَةِ فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ) إليها (مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ) وفي تعليق سليمان بن بلال الآتي قريبًا [خ¦1482] الذي وصله أبو علي ابن خزيمة في «فوائده» أقبلنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى إذا دنا من المدينة أخذ طريق غُراب؛ لأنَّها أقرب إلى المدينة وترك الأخرى، ففيه بيان قوله إنِّي متعجِّل إلى المدينة؛ أي إنِّي سالك الطَّريق القريبة فمن أراد فليأت معي، يعني ممَّن له اقتدار على ذلك دون بقيَّة الجيش.
(فَلَمَّا) هذا مقول ابن بكَّار شيخ البخاري، وقوله (قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا) مقول البخاريِّ، وكأنَّ البخاريَّ شكَّ في ابن بكَّار أية كلمة قال بعد قوله فلمَّا فقال إنَّه قال كلمةً؛ معنى هذه الكلمة (أَشْرَفَ) أي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَلَى الْمَدِينَةِ) أي قرب منها واطَّلع عليها، وقد رواه أبو نعيم في «المستخرج» فذكره بهذا اللفظ؛ أعني قوله أشرف.
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَذِهِ طَابَةُ) غير منصرف إشارة إلى المدينة، ومعناها الطيبة سمَّاها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الاسم، وكان اسمها يثرب (فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا) أي الجبل المسمَّى بأحد (قَالَ هَذَا جُبَيْلٌ) بضم الجيم وفتح الموحَّدة مصغرًا، وفي رواية مكبرًا (يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) يعني أهل الجبل وهم الأنصار؛ لأنَّه لهم فيكون مجازًا كقوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} الآية [يوسف 82] ، ولا مانع من حمله على الحقيقة إذ لا يُنْكَر وصفُ الجماد بحبِّ الرَّسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد ثبت أنَّه ارتجَّ تحته فقال له (( اثبت أُحُد، فليس عليك إلَّا نبيٌّ وصديق وشهيدان ) ).
وقد حنَّت الاسطوانة على مفارقته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى سمع القوم حنينها فنزل فضمَّها وسكن حنينها، وقال (( لو لم أضمَّه لحنَّ إلى يوم القيامة ) )، وكلَّمه الذئب، وسجد له البعير.
وقد روي أنَّ حجرًا كان يسلِّم عليه قبل الوحي، وكلَّمه اللحم المسموم أنَّه مسمومٌ فلا يُنْكَر حبُّ الجبل له وحبُّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاه؛ لأنَّ به قبور الشُّهداء أو لأنَّهم لجأوا إليه يوم أحد وامتنعوا.
ثمَّ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن كان معه من أصحابه (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ) ألا للتنبيه، ودور جمع دار يراد به القبائل الذين يسكنون تلك الدُّور (قَالُوا بَلَى) أخبرنا (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيرهم (دُورُ بَنِي النَّجَّارِ) بفتح النون وتشديد الجيم، تيم ابن ثعلبة، وسمِّي بالنَّجار؛ لأنَّه اختتن
ج 7 ص 260
بقدوم، وقيل نحت وجه رجلٍ بالقدوم فسمِّي النَّجار.
(ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الهاء آخره لام، جُشَم بن الحارث بن الخزرج أو هو النَّبِيْتُ بنُ مالكِ بن الأوس، والأوس والخزرج جدَّان للأنصار وهما أخوان وأمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة، وقيل قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن قضاعة.
(ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ) بكسر العين المهملة، هو ساعدة بن كعب بن الخزرج (أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء آخره جيم (وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ؛ يَعْنِي خَيْرًا) يعني أنَّ لفظ خير كان محذوفًا من كلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مراد، ويروى بالرَّفع على طريق الحكاية.
(وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو أيُّوب، ويقال أبو محمَّد القرشيِّ التَّيمي، مولى عبد الله بن أبي عتيق، واسم أبي عتيق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّديق.
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) هو ابن يحيى المازني (ثُمَّ دَارُ بَنِي الْحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ) فقدَّم بني الحارث على بني ساعدة، وهذا التَّعليق موصولٌ في فضائل الأنصار [خ¦3778] .
(وَقَالَ سُلَيْمَانُ) أي بلال المذكور (عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ) بسكون العين في الأول وكسرها في الثّاني مع الياء، الأنصاري أخي يحيى بن سعيد (عَنْ عُمَارَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم وبالراء (ابْنِ غَزِيَّةَ) بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد المثناة التحتية، المازني الأنصاري.
(عَنْ عَبَّاسٍ) بالموحدة والسين المهملة (عَنْ أَبِيهِ) سهل بن سعد، وهو آخر من مات من الصَّحابة بالمدينة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) فخالف عمارة بن غزيَّة عمرو بن يحيى في إسناده الحديث، فقال عمرو عن عبَّاس، عن أبي حميد. كما سبق أولًا وقال عمارة عن عبَّاس، عن أبيه.
ويمكن الجمع بأن يكون عبَّاس أخذ القدر المذكور، وهو (( أحد جبل يحبُّنا ونحبُّه ) )عن أبيه وعن أبي حميد معًا، أو حمل الحديث عنهما معًا، أو كله عن أبي حميد، ومُعْظَمَه عن أبيه، وكان يحدِّث به تارةً عن هذا، وتارةً عن هذا، ولذلك كان لا يجمعهما.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاريُّ،
ج 7 ص 261
وفي نسخة بضم العين وفتح الموحدة مُصَغَّرًا، وهو القاسم بن سلام، الإمام المشهور، صاحب «الغريب» ، وعليه شرح الحافظ العسقلانيِّ.
(كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ) على البناء للمجهول (حَدِيقَةٌ) وفي «القاموس» الحديقة الرَّوضة ذات الشَّجر، أو القطعة من النَّخل، وقيل هي حفرةٌ تكون في الوادي يحتبس فيها الماء إذا لم يكن فيها ماء، وأمَّا إذا كان فيها ماءٌ فلا يقال حديقة، ويقال الحديقة أعمق من الغدير، والحديقة القطعة من الزَّرع، فالحاصل أنَّه من الألفاظ المشتركة، ثمَّ إنَّ في الحديث مشروعيَّة الخرص.
واختلف العلماء فيه فذهب الزُّهري وعطاء والحسن وعَمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق ومروان والقاسم بن محمَّد ومالك والشَّافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عُبيد إلى جواز الخَرْص في النَّخيل وفي الأعناب حين يبدو صلاحها.
وقال ابنُ راشدٍ جمهور العلماء على إجازة الخرص فيهما ويخلى بينهما وبين أهلهما يأكلونه رطبًا، وقال داود لا خرص إلَّا في النَّخيل فقط، وقال الشَّافعي إذا بدا صلاح ثمار النَّخيل والكرم، فقد تعلَّق وجوب الزَّكاة بهما، ووجب خَرْصُهما للعلم بمقدار زكاتهما فيخْرصُهما رُطَبًا، وينظرُ الخارص كم يصير تمرًا فيثبتها تمرًا، ثمَّ يخيِّر ربَّ المال فيها، فإن شاء كانت مضمونةً في يده وله التصرُّف فيها، فإذا تصرَّف فيها ضمنها.
ويستفاد بالخرص العلم بقدر الزَّكاة فيها، واستباحة تصرُّف ربِّ المال في الثَّمرة بشرط الضَّمان، قال الماورديُّ وبه قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
واختلف مذهب مالك هل يخرص الزَّيتون أو لا؟ فيه قولان الجواز قياسًا على الكرم والمنع لوجهين الأوَّل أنَّ أوراقه تستره، والثَّاني أنَّ أهله لا يحتاجون إلى أن يأكلوه رطبًا فلا معنى لخرصه.
وقد اختلفوا هل هو واجب أو مستحب؟ فحكى الصَّيمري عن الشَّافعية وجهًا بوجوبه، وقال الجمهور هو مستحبٌّ إلَّا إنْ تعلَّق به حقُّ المحجور مثلًا أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير.
واختلفوا أيضًا هل يختصُّ بالنَّخل أو يلحق به العنب أو يعم كلَّ ما ينتفع به رطبًا وجافًّا؟
وبالأوَّل قال شريح القاضي وبعض الظَّاهرية، وبالثَّاني قال الجمهور،
ج 7 ص 262
وإلى الثالث نحا البخاريُّ، وهل يكفي خارص واحد أهل للشَّهادات عارف بالخرص أو لا بدَّ من اثنين؟ قولان للشَّافعي، والجمهور على الأوَّل؛ لحديث أبي داود بإسنادٍ حسنٍ عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يبعث عبد الله بن رواحة على خيبرٍ خارصًا فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، وفائدته جواز التَّصرف في الثَّمر، ولو أتلفَ المالك الثمرة بعد الخرص أخذت منه الزَّكاة بِحِسَاب ما خَرَص.
واختلفوا فيما إذا غلط الخارص، ومحصَّل الأمر فيه أنَّه إن لم يكن من أهل المعرفة بالخرص فالرُّجوع إلى الخارج لا إلى قوله، وإن كان من أهل المعرفة، ثمَّ تبين أنَّه أخطأ فهل يؤخذ بقوله أو بما تبيَّن؛ فيه خلاف؛ على حسب اختلافهم في المجتهد يخطئ هل يُنْقَضُ حُكْمُه أو لا.
وقال ابنُ قدامة ويلزم الخارص أن يتركَ الثُّلث أو الربع في الخرص توسعة على أربابِ الأموال، وبه قال إسحاق واللَّيث؛ لحديث سهل بن أبي خيثمة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا خرصتُم فجدوا ودعوا الثُّلث فإن لم تدعوا الثُّلث فدعوا الرُّبع ) ).
واستدلَّ من يرى الخرص في النَّخل والكرم بما رواه ابن المسيَّب عن عتاب بن أسيد قال أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُخْرصَ العِنَبُ كما يُخْرصُ النَّخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النَّخل تمرًا. رواه التِّرمذي، وقال حسنٌ غريبٌ.
وقال الماورديُّ الدَّليل على جواز الخرص ورود السُّنة قولًا وفعلًا وامتثالًا، أمَّا القول فحديث عتَّاب رضي الله عنه، وأمَّا الفعل فحديث البخاريِّ في هذا الباب، وأمَّا الامتثال فما روي أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له خرَّاصون كأنَّه يعني ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، وقد تقدَّم آنفًا.
وما رواه ابن حبَّان في «صحيحه» عن عمر رضي الله عنه «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلب أهل خيبر على الأرض والزَّرع والنَّخل فصالحوه» ، وفيه «فكان ابن رواحة يأتيهم فيخرصها عليهم ثمَّ يضمنهم الشَّطر» .
وما رواه ابنُ أبي شيبة في «المصنف» عن جابر رضي الله عنه قال خرصها عليهم ابن رواحة؛ يعني أهل خيبر أربعين ألف وسقٍ، وقال الشَّعبي والثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد الخرص مكروه حتَّى قال الشَّعبي الخرص بدعة.
وقال الثَّوري خرص الثّمار لا يجوز، وفي «أحكام ابن بزيزة» قال أبو حنيفة وصاحباه الخرص باطلٌ، وقال الماوردي احتجَّ أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعًا (( نهى عن الخرص ) )وبما
ج 7 ص 263
رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن بيع كلِّ ثمرةٍ بخرص» ، وبأنَّه تخمينٌ، وقد يخطئ، ولو جوَّزنا لجوزنا خَرْصَ الزَّرع، وخَرْصُ الثِّمار بعد جذاذها أقربُ إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلمَّا لم يجز في القريب لم يجز في البعيد، ولأنَّ تضمين رب المال بقدر الصَّدقة، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّه بيع رطبٍ بتمر نسيئة وبيع حاضرٍ بغائب.
وأيضًا فهو من المزابنة المنهيِّ عنها، وهو بيع التَّمر في رؤوس النَّخل بالتَّمر كيلًا، وقالوا الخرص منسوخ بالرِّبا.
وقال الخطَّابي أنكر أصحاب الرَّأي الخرص، وقال بعضُهم إنَّما كان يفعل تخويفًا للمزارعين لئلَّا يخونوا لا ليلزم به الحكم؛ لأنَّه تخمين وغرورٌ، أو كان يجوز قبل تحريم الرِّبا والقمار.
وتعقَّبه الخطَّابي بأنَّ تحريم الرِّبا والميسر متقدِّم، والخرص عُمِلَ به في حياة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى مات ثمَّ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فمَن بعدهم، ولم يُنْقَل عن أحدٍ منهم ولا من التَّابعين تركه إلَّا الشَّعبي.
قال وأمَّا قولهم إنَّه تخمين وغرورٌ فليس كذلك، بل هو اجتهادٌ في معرفة مقدار التَّمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوعٌ من المقادير.
وقال العينيُّ كون تحريم الرِّبا والميسر متقدِّمًا يحتاج إلى معرفة التَّاريخ وعندنا ما يدلُّ على صحَّة النَّسخ، وهو ما رواه الطَّحاوي من حديث جابرٍ أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الخرص، وقال (( أرأيتُم إن هلك التَّمر أيحبُّ أحدكم أن يأكلَ مال أخيه بالباطل ) )، والحظر بعد الإباحة علامة النَّسخ.
وقوله والخرص عمل به إلى قوله إلَّا الشَّعبي، مسلم لكن ليس على الوجه الذي ذكروه، وإنَّما وجهه هو أنَّهم فعلوا ذلك ليُعْلَم مقدار ما في أيدي النَّاس من الثِّمار، فيُؤْخَذ مثله بقدره في أيَّام الصِّرام لا أنَّهم يملكون شيئًا ما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل.
وقوله وأمَّا قولهم إنَّه تخمينٌ وغرورٌ إلى آخره، ليس بكلامٍ موجهٍ؛ لأنَّه لا يشكُّ أنَّه تخمين، وليس بتحقيق وعيان، وكيف يقال له هو اجتهاد والمجتهد في الأمور الشَّرعية قد يخطئ ففي مثل هذا أجدر بالخطأ.
ثمَّ الجواب عن حديث الباب أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد بذلك معرفة مقدار ما في نخل تلك المرأة خاصَّة ثمَّ يأخذ منها الزَّكاة وقت الصِّرام على حسب ما تجب فيها.
وأيضًا فقد خرصَ حديقتها وأمرها أن تحصيَ،
ج 7 ص 264
وليس فيه أنَّه جعل زكاتها في ذمَّتها وأمرها أن تتصرَّف في ثمرها كيف شاءت، وإنَّما كان يفعل ذلك تخويفًا لئلَّا يخونوا، ولأن يعرفوا مقدار ما في النَّخل ليأخذوا الزَّكاة وقت الصِّرام، هذا معنى الخرص لا أنَّه يلزم به الحكم الشَّرعي.
وأمَّا حديث عتَّاب بن أسيد فإنَّ الذي رواه عنه سعيد بن المسيَّب، وعتَّاب توفي سنة ثلاث عشرة، وسعيد ولد سنة خمس عشرة، وقيل سنة عشرين فهو مرسلٌ، ومع هذا قال أبو بكر بن العربي لم يصحَّ حديث سعيدٍ ولا حديث سهل بن أبي خيثمة، ولا في الخرص حديثٌ صحيحٌ إلَّا حديث البخاريِّ، قال ويليه حديث ابن رواحة.
هذا، وقد مرَّ الجواب عن حديث البخاريِّ، وأمَّا حديث ابن رواحة الذي رواه أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها ففي إسناده رجلٌ مجهولٌ؛ لأنَّ أبا داود قال حدَّثنا يحيى بن معين حدَّثنا حجَّاج، عن ابن جُريج قال أُخْبِرْتُ عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها. الحديث.
وقد يقال إنَّ قصَّة خيبر مخصوصةٌ بهذا؛ لأنَّ الأرض أرضه والعبيد عبيده فأراد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعلم ما بأيديهم من الثِّمار فيترك لهم منها قدر نفقاتهم، ولأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرَّهم ما أقرَّهم الله، فلو كان على وجه المساقاة لوجب ضرب الأجل، والتَّقدير بالزَّمان؛ لأنَّ الإجارة المجهولة محرَّمة.
وحكى أبو عبيد عن قومٍ منهم أنَّ الخرص كان خاصًّا بالنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكونه كان يوفق من الصَّواب ما لا يوفق له غيره، وفيه أنَّه لا يلزم من كون غيره لا يُسدَّد لما كان يُسَدَّد له أن يثبت بذلك الخصوصيَّة، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتِّباع إلَّا فيما يعلم أنَّه يُسَدَّد فيه تَسديد الأنبياء لسقط الاتِّباع، وترد هذه الحجَّة أيضًا بإرسال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخراص في زمانه.
هذا، وقال الطَّحاوي يجوز أن تصيبَ الثَّمرةَ آفةٌ بعد ذلك فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها بدلًا من حقِّ الله مأخوذًا منه بدلًا ممَّا لم يسلم له.
وأُجيب بأنَّ القائلين به لا يضمنون أرباب الأموال ما تلفَ بعد الخرص.
قال ابنُ المنذر أجمع من يحفظ عنه العلم أنَّ المخروص إذا أصابته جائحةٌ قبل الجذاذ فلا ضمان.
وقال العينيُّ إذا لم يكن ضمان بعد تلفِ المخروض فلا فائدة في الخرص حينئذٍ، والأظهر عند
ج 7 ص 265
الشَّافعي أنَّ الخرص تضمين حتَّى لو أتلفَ المالك الثَّمرة بعد الخرص أُخِذَتْ منه الزَّكاة بحساب ما خرص فإذا كان نفس الخرص تضمينًا ينبغي أن لا يفارق الأمر بين التَّلف والإتلاف.
وقال ابن العربيِّ لم يثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرص النَّخل إلَّا على اليهود؛ لأنَّهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأمَّا المسلمون فلم يخرصْ عليهم.
وفي الحديث ظهور معجزة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إخباره عن الرِّيح التي تهبُّ، وما ذكر في تلك القضيَّة.
وفيه أيضًا تدريب الأتباع وتعليمهم لأمور الدُّنيا كتعليم أمور الآخرة، وأخذ الحذر ممَّا يتوقَّع الخوف منه.
وفيه فضل المدينة وفضل أُحدٍ وفضل الأنصار رضي الله عنهم، وفيه قبول هديَّة الكفار، وفيه جواز الإهداء لملك الكفَّار، وجواز إقطاع أرض لهم.
وفيه أنَّ المخالفة لما قاله الرَّسول تُورِثُ شِدَّة وبلاءً، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في المغازي أيضًا [خ¦4422] وفي فضل الأنصار ببعضه [خ¦3791] ، وأخرجه مسلم في فضل النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والحج وأبو داود في الخراج.
[1] في الأصل ألا غزوة تبوك.