فهرس الكتاب

الصفحة 2335 من 11127

1483 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّد الجمحي بالولاء، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، القرشيُّ المصريُّ (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وفي رواية .

(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) أي المطر من باب ذكر المحل وإرادة الحال، قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} الآية [المؤمنون 18] .

(وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا) بفتح العين المهملة والمثلثة المخففة وكسر الراء وبياء النسبة، وحكي عن ابن الأعرابيِّ تشديد المثلثة، وردَّه ثعلب.

وفي «المثنى والمثلث» لابن عديس فيه ضم العين وفتحها وإسكان الثاء، فهو منسوبٌ إلى العثر، بسكون الثاء، والحركة من تغييرات النَّسب.

قال الخطَّابي هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى وهو المستنقع في بركةٍ ونحوها يُصَبُّ إليه ماء المطر، واشتقاقه من العاثور، وهي السَّاقية التي يجري فيها الماء؛ لأنَّ الماشي يعثر فيها، ومنه الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنةٍ أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبًا من وجهها فيصل إلى إليه عروق الشَّجر فيستغني عن السَّقي.

ج 7 ص 270

وهذا التَّفسير أولى من إطلاق أبي عبيدٍ أنَّ العثريَّ ما سقته السَّماء؛ لأنَّ سياق الحديث يدلُّ على المغايرة.

(الْعُشْرُ) مبتدأ خبره فيما سقت، تقديره العشر واجبٌ أو يجب فيما سقت السَّماء ... إلى آخره (وَمَا سُقِيَ) على البناء للمفعول (بِالنَّضْحِ) وهو بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وفي آخره حاء مهملة، وهو الرشُّ، والنَّاضح البعير يستقي عليه، وكذا البقرة؛ أي وفيما سُقِيَ بالسَّواقي؛ أي النَّواضح أو الدلاء العظيمة (نِصْفُ الْعُشْرِ) والحاصل أنَّ فيما سُقِيَ من الآبار بالغرب أو بالسانية يجب نصف العشر لثقل المؤنة فيه؛ بخلاف الأوَّل فإنَّ المؤنة فيه خفيفةٌ، وفي هذا رفقٌ بأرباب الأموال والفقراء ونظر لهم في الوجهين معًا.

وفي رواية مسلم عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّه سمع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سُقِيَ بالسَّانية نصف العشر ) ).

وفي رواية أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فيما سقت السَّماء والأنهار والعيون، أو كان بَعْلًا العشر، وفيما سُقِيَ بالسَّواقي أو النَّضْح نصفُ العشر ) ).

والبَعْل، بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وفي آخره لام، هو ما يشرب من النَّخيل بعروقه من الأرض من غير سقي سماءٍ ولا غيرها، والسَّواني جمع سانية. وهي النَّاقة التي يستقي عليها، وقيل السَّانية الدَّلو العظيمة وأداتها التي يُستقي بها.

والنضح قد مرَّ تفسيره، فإن قيل قد مرَّ أن النَّضح المراد به هو السَّانية فكيف تُوَجَّه رواية أبي داود بالسَّواني أو النَّضح؟ فالجواب أنَّ هذا شكٌّ من الرَّاوي يعني أنَّ لفظ الحديث إمَّا فيما سقي بالسَّواني، وإمَّا فيما سقي بالنَّضح.

وأمَّا العُشْر فهو بضم العين وسكون الشين هو اسم القدر المخرج.

وقال الطَّبري والحكمة في فرض العشر أنَّه يكتب الحسنة بعشرة أمثالها، فكأنَّ المخرج للعشر تصدَّق بكلِّ ماله.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاريُّ (هَذَا) أي حديث الباب (تَفْسِيرُ) الحديث (الأَوَّلِ) وهو حديث أبي سعيدٍ السَّابق في باب ما أُدِّيَ زكاتهُ فليس بكنزٍ [خ¦1405] ، وكذا يجيء في الباب الآتي [خ¦1484] ولفظه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.

(لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتُ) بكسر القاف، ويروى بفتحها (في) الحديث (الأَوَّلِ) يعني أنَّه لم يحدِّد فيه بالعشر ونصفه (يَعْنِي) أي البخاري بقوله هذا(حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ وفِيما سَقَتِ السَّماءُ

ج 7 ص 271

العُشْرُ)هذا الكلام جملة معترضة بين قوله؛ لأنَّه لم يؤقت في الأوَّل، وبين قوله (وبَيَّنَ فِي هَذَا) أي في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يجب فيه العشر أو نصفه.

(وَوَقَّتَ) أي حدَّد وعيَّن (وَالزِّيَادَةُ) وهي تعيين ما يجب من الثِّقة (مَقْبُولَةٌ وَالْمُفَسَّرُ) بفتح السين (يَقْضِي) أي يحكم ويغلب (عَلَى الْمُبْهَمِ) بفتح الهاء، وذلك لأنَّ قوله ليس فيما دون خمسة أوسق صدقةٌ، مبهمٌ لا تمييز فيه بين ما يجب فيما يسقى بمؤنةٍ وما يجب فيما يسقى بغير مؤنةٍ، وقوله فيما سقت السَّماء ... إلى آخره يميِّز بينهما ويفسِّر قدر الواجب في كلٍّ منهما.

هذا، وقال الكِرمانيُّ ومَن تبعه إنَّ المراد بهذا حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه الآتي في الباب الذي يلي هذا الباب [خ¦1484] ، والمراد بالأوَّل حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ يعني أنَّ حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه مفسِّرٌ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، فالمراد من التَّوقيت والزِّيادة هو تعيين النِّصاب، فإنه لم يعيِّن في حديث ابن عمر رضي الله عنهما مقدار النِّصاب وعيَّن في حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه.

لكن يعكِّر عليه أنَّه على هذا التَّقدير ينبغي أن يكون قوله قال أبو عبد الله إلى آخر ما في هذا الباب بعد حديث أبي سعيدٍ في الباب التَّالي، وأن يسقطَ في الباب التَّالي قوله بعد الحديث المذكور قال أبو عبد الله إلى قوله أو بينوا كما في نسخة الفربريِّ، وكما وقع عند الإسماعيليِّ.

وجزم أبو علي الصَّدفي بأن ذِكْرَه عقيب حديث ابن عمر رضي الله عنهما من قِبَلِ بعض نسَّاخ الكتاب، وكذا قال التَّيمي ونسبه إلى غلطٍ من الكاتب.

وليس الأمر كذلك فقد عرفت وجه ذِكْره عَقِيب حديث ابن عمر رضي الله عنهما لاسيَّما على تقدير ثبوت قوله قال أبو عبد الله، إلى قوله أو بينوا في الباب التَّالي بعد حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه.

وقد ثبت ذلك في الأصول المعتمدة في كلٍّ من البابين عقيب الحديثين، وإن اختلف بعض اللَّفظ فيهما، فليتأمَّل، وفي رواية فأسقط لفظ تفسير لكن في اليونينية ضبب على لفظ الأوَّل الأولى، وكتب

ج 7 ص 272

في الهامش صوابه أولى، أو المفسر للأول بفتح الهمزة وسكون الواو، والمفسِّر بكسر السين، ومعناه حديث الباب أولى من حديث أبي سعيد السَّابق لما فيه من زيادة التَّمييز بين ما يُسقى بمؤنةٍ، وما يُسقى بغير مؤنةٍ أو هو المفسِّر لحديث أبي سعيدٍ حيث ميَّز فيه، كما مرَّ.

(إِذَا رَوَاهُ) أي المفسِّر (أَهْلُ الثَّبْتِ) بسكون الموحدة بمعنى الحجَّة، وضبطه الكرمانيُّ بتحريك الموحدة، وكذا ضبطه الحافظ العسقلانيُّ والعينيُّ، وقالوا هو بمعنى الثَّبات والحجَّة (كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطَّلب ابن عمِّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روى له أربعة وعشرون حديثًا، للبخاريِّ منها اثنان، مات بالشَّام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة على الأصح رضي الله عنهما.

(أَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ) يوم فتح مكَّة، وحديث الفضل بن عبَّاس رضي الله عنه أخرجه أحمد وغيره (وَقَالَ بِلاَلٌ) المؤذِّن رضي الله عنه (قَدْ صَلَّى) أي في جوف الكعبة يومئذٍ، أخرجه المؤلِّف في الحجِّ [خ¦1599] (فَأُخِذَ) على البناء للمفعول (بِقَوْلِ بِلاَلٍ) رضي الله عنه لما فيه من الزِّيادة والإثبات (وَتُرِكَ) على البناء للمفعول (قَوْلُ الْفَضْلِ) ذكر المؤلِّف رحمه الله صورة اجتماع النَّفي والإثبات والعمل بالإثبات؛ لأنَّ الفضل ينفي صلاة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جوف الكعبة لمّا حجَّ عام الفتح، وبلال يثبت ذلك، فأخذ بقول بلالٍ لكونه يثبت أمرًا وترك قول الفضل؛ لأنَّه ينفيه، والأصل في ذلك أنَّ النَّفي متى عرف بدليلٍ يعارض المثبت يعمل به وإلَّا فلا، وهاهنا لم يعرف النَّفي بدليلٍ، كذلك فإنَّ معنى قوله لم يصلِّ، يجوز أن يكون لم يره يصلِّي؛ لاشتغاله بالدُّعاء ونحوه في ناحيةٍ من نواحي البيت غير التي صلَّى فيها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فإن قيل فعلى هذا، لا يكون مثل ما نحن فيه؛ إذ لا إبهام فيه.

فالجواب أنَّ التَّشبيه ليس إلَّا بمجرَّد العمل بالزِّيادة وقبولها، وليس في نسخة الفربري لفظ والمفسر يقضي على المبهم.

والحديث أخرجه أبو داود في الزَّكاة أيضًا، وكذا التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه، ثمَّ إنَّه بظاهر الحديث المذكور أخذ أبو حنيفة رحمه الله حيث إنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقدِّر فيه مقدارًا، فدلَّ على وجوب الزَّكاة في كلِّ ما يخرج من الأرض قلَّ أو كثر.

فإن قيل هذا الحديث مجملٌ يفسِّره قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقةٌ ) ).

فالجواب أنَّا لا نسلم أنَّه مجملٌ فإنَّ المجمل ما لا يعرف المراد منه بصيغته لا بالتأمُّل ولا بغيره، بل هذا الحديث عامٌّ فإنَّ كلمة (ما) من ألفاظ

ج 7 ص 273

العموم.

فإن قيل سلَّمنا أنَّه عام فالحديث المذكور يخصِّصه.

فالجواب أنَّ إجراء العامِّ على عمومه أولى من التَّخصيص؛ لأنَّ فيه إخراج بعض ما تناوله العامُّ، ولو صلح هذا الحديث أن يكون مخصصًا أو مفسرًا لحديث البَاب لَصَلُح حديث ماعز أن يكون مخصِّصًا أو مفسِّرًا لحديث أنيس في الإقرار بالزِّنا، بل يحمل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة ) )على أنَّ المراد بها زكاة التِّجارة بقرينة عطف زكاة الإبل والوَرِق عليه إذ الواجب في العروض والنُّقود واحد، وكانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة خمسة أوساقٍ كانت مائتي درهمٍ في ذلك الوقت غالبًا فأُدِيْرَ الحكمُ على ذلك.

واعلم أنَّ العلماء اختلفوا في هذا الباب على تسعة أقوالٍ

الأول قول أبي حنيفة رحمه الله، وقد ذُكِرَ واحْتَجَّ بظاهر الحديث كما مرَّ، وبعموم قوله تعالى {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} الآية [البقرة 267] ، وبقوله تعالى {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} الآية [الأنعام 141] .

واستثنى أبو حنيفة رحمه الله من ذلك الحطب والقصب والحشيش والتبن والسَّعف، وهذا لا خلاف فيه لأحدٍ، وذكر في «المبسوط» الطَّرفاء عوض الحطب، والسَّعف ورق جريد النَّخل الذي تُصْنَعُ منه المراوح ونحوها.

والمراد بالقصب الفارسيِّ الذي تُتَّخَذُ منه الأقلام، قيل هذا إذا كان القصب في الأرض نابتًا بنفسه، وأمَّا إذا اتَّخذ الأرض مقصبةً فإنَّه يجب فيه العشر، ذكره الإسبيجابيُّ والمرغيناني وغيرهما.

ويجب في قَصَبِ السُّكر والذريرة وقوائم الخِلاف، وقال ابن المنذر لا نعلم أحدًا قاله غير النعمان.

وقال السَّروجي لقد كذب في ذلك فإنَّه لا يخفى عليه من قاله غيره، وإنَّما عصبيَّته تحملُه على ارتكاب مثله.

فقول أبي حنيفة مذهب إبراهيم النَّخعي ومجاهد وحماد وزفر وعمر بن عبد العزيز، ذكره أبو عمر، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو قول داود وأصحابه فيما لا يوسق.

وحكاه يحيى بن آدم بسندٍ جيدٍ عن عطاء قال ما أخرجت الأرض ففيه العشر أو نصف العشر، وقاله أيضًا حفص بن غياثٍ، عن أشعث، عن الحكم، وعن أبي بردة في الرُّطبة صدقةٌ.

وعن الزُّهري ما كان سوى القمح والشَّعير والنَّخل والعِنَب والسَّلْتِ والزَّيتون، فإني أرى أن تُخْرَجَ صدقتُه،

ج 7 ص 274

رواه ابن المبارك، عن يونس، عن الزُّهري.

وقال ابن بطَّال وقول أبي حنيفة خلاف السُّنة والعلماء قال وقد تناقض فيه؛ لأنَّه استعمل المجمل والمفسر في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( في الرقة ربع العشر ) )مع قوله (( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) )، ولم يستعمله في حديث الباب مع ما بعده وكان يلزمه القول به. انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله خلاف السُّنة باطلٌ؛ لأنَّه احتجَّ فيما ذهب إليه بحديث الباب كما مرَّ، والذي ذهب إليه ابن بطَّال خلاف القرآن؛ لأنَّ قوله تعالى {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} الآية [الأنعام 141] بعمومه يتناول القليل والكثير.

وأنَّ قوله خلاف العلماء أيضًا باطلٌ؛ لأنَّ قول أبي حنيفة هو قول من ذكروا آنفًا فكيف يترك الأدب، ويقول خلاف العلماء وأنَّ قوله وقد تناقض، غير صحيحٍ؛ لأنَّ من نقل ذلك من أصحابه لم يقل أحد منهم أنَّه استعمل المجمل والمفسَّر، وأصحابُه أدرى بما قاله وبما ذهب إليه.

ولمَّا نقل صاحب «التوضيح» ما قاله ابن بطَّال أظهر النشاط بذلك، وقال وفي حديث جابرٍ رضي الله عنه (( لا زكاة في شيءٍ من الحرث حتَّى يبلغ خمسة أوسقٍ، فإذا بلغها ففيه الزَّكاة ) )ذكرها ابن التِّين، وقال هي زيادةٌ من ثقةٍ فقبلت.

وفي مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( وليس فيما دون خمسة أوساقٍ من التَّمر صدقة ) )، وفي رواية له من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( ليس فيما دون خمسة أوساقٍ من تمر ولا حب صدقة ) )، وفي رواية (( ليس في حب ولا تمرٍ صدقة حتَّى يبلغ خمسة أوساقٍ ) )انتهى.

وقد ذكر أنَّ المراد من الصَّدقة في هذه الأحاديث زكاة التِّجارة ونحن نقول به حينئذٍ.

وقال النَّووي لا خلاف بين المسلمين أنَّه لا زكاة فيما دون خمسة أوسقٍ إلَّا ما قال أبو حنيفة وبعض السَّلف إنَّه تجب الزَّكاة في قليل الحبِّ وكثيره، وهذا مذهب باطلٌ منابذٌ لصريح الأحاديث الصَّحيحة.

هذا، وقال العينيُّ ليت شعري كيف تلفَّظ بهذا الكلام السَّمج مع شهرته بالزَّهد والورع، والعجب كلُّ العجب أن يقول هذا مع اطِّلاعه على مستنداته من الكتاب والسُّنة.

القول الثَّاني يجب فيما له ثمرةٌ باقيةٌ إذ بلغ خمسة أوسقٍ، وهو قول أبي يوسف ومحمَّد، ولا يجب في الخضراوات ولا في البطِّيخ والخيار والقثَّاء، ونصَّ محمَّد على أنَّه لا عشر

ج 7 ص 275

في السَّفرجل ولا في التِّين والتُّفَّاح والكمَّثرى والخوخ والمشمش والإجاص.

وفي «الينابيع» ويجب في كلِّ ثمرةٍ تبقى سنة كالجوز واللَّوز والبُندق والفستق، وفي «المبسوط» وأوجبا في الجوز واللَّوز وفي الفستق على قول أبي يوسف، وعلى قول محمَّد لا يجب.

وفي المرغيناني عن محمَّد أنَّه لا عشر في التِّين والنبق والتُّوت والموز والخرنوب، وعنه يجب في التِّين، قال الكرخيُّ هو الصَّحيح عنه.

ولا في الإهليلجة وسائر الأدوية والسِّدر والأشنان، ويجب فيما يجيء منه ما يبقى سنة كالعنب والرطب، وعن محمَّد إن كان العنب لا يجيء منه الزَّبيب لوقته لا يجب فيه العشر، ولا يجب في السَّعتر والصَّنوبر والحلبة.

وعن أبي يوسف أنَّه أوجب في الحنَّاء، وقال محمَّد لا يجب فيه كالرَّياحين، وعن محمَّد روايتان في الثُّوم والبصل، ولا شيء في بزر البطِّيخ والقثَّاء والخيار والرُّطبة، وكلُّ بزرٍ لا يصلح إلَّا للزِّراعة، ذكره القدوريُّ ويجب في بزر القِنَّب دون عيدانه، ويجب في الكمون والكراويا والخردل؛ لأنَّ ذلك من جملة الحبوب.

وفي «المحيط» ولا عشر فيما هو تابعٌ للأرض كالنَّخل والأشجار، وأصله كلُّ شيءٍ يدخل في بيع الأرض تبعًا فهو كالجزء منها ولا شيء فيه، وما لا يدخل إلَّا بالشَّرط يجب فيه كالثِّمار والحبوب.

القول الثَّالث يجب فيما يُدَّخَرُ ويُقْتَات كالحنطة والشَّعير والدخن والذُّرة والأرز والعدس والحمص والباقلاء والجلبان والماش واللُّوبيا ونحوها، وهو قول الشَّافعي.

وفي «شرح الترمذي» أطلق القول في وجوب الزَّكاة في كلِّ شيءٍ يجري فيه الوسق والصَّاع، ولا شكَّ أنَّه أراد ممَّا يزرع ويستنبت وإلَّا فالملح يجري فيه الوسق والصَّاع، ولا زكاة فيه.

وإنَّما اختلف العلماء في أشياء ممَّا يستنبت، فمذهب الشَّافعي كما اتَّفق عليه الأصحاب أن يكون قوتًا في حال الاختيار، وأن يكون من جنس ما ينبته الآدميُّون، وشَرَطَ العراقيون أن يُدَّخَر وييَبْسَ.

قال الرَّافعي لا حاجة إليهما لأنَّهما لا زمان لكلِّ مقتاتٍ مستنبت وهو الحنطة والشَّعير، والسَّلت والذُّرة والدخن والأرز والجاوَرس، بالجيم وفتح الواو، وفُسِّر بأنَّه حب صغارٌ من جنس الذُّرة.

وكذلك القِطنية،

ج 7 ص 276

بكسر القاف، وجمعها القطاني، وهي العدس والحمص والماش والباقلاء، وهو الفول واللُّوبيا والهرطمان، وهو الجلبان، ويقال له الخُلَّر، بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام وفتحها وآخره راء، لأنَّها تصلح للاقتيات وتدَّخر للأكل.

واحترز الأصحاب بقولهم في حال الاختيار، عن الحنظل وعن القتّ وبه مثَّلَه الشَّافعي، وفسَّره المزنيُّ وغيره بحَبَّ الغاسول وهو الأشنان وسائر بزور البراريِّ.

قالوا ولا تجب الزَّكاة في الثفاء وهو حبُّ الرَّشاد، ولا في التِّرمس والسِّمسم والكمون والكراويا والكزبرة وبزر القطن وبزر الكتَّان وبزر الفجل، وما أشبه ذلك من البُزورات، ولا شيء في هذه عندنا بلا خلاف، وإن جرى فيه الكيل بالصَّاع ونحوه إلَّا ما حكاه العراقيون أنَّ الترمس قولًا قديمًا في وجوب الزَّكاة فيه، وإلَّا ما حكاه الرَّافعي عن ابن كج من حكاية قولٍ قديمٍ في بزر الفجل.

ولا زكاة عند الشَّافعي في التِّين والتُّفاح والسَّفرجل والرُّمان والخوخ والجوز واللَّوز والموز وسائر الثِّمار سوى الرَّطب والعنب ولا في الزيتون في الجديد، وفي الوَرْس في الجديد، وأوجبها في القديم من غير شرط النِّصاب في قليله وكثيره، ولا يجب في التُّرمس في الجديد.

القول الرابع قول مالك مثل قول الشَّافعي وزاد عليه وجوب العشر في التُّرمس والسِّمسم والزَّيتون، وأوجب المالكيَّة في غير رواية ابن القاسم في بزر الكتان وبزر السَّلْجم لعموم نفعهما بمصر والعراق مع أنَّه لا يؤكل بزرهما.

القول الخامس قول أحمد يجب فيما له البقاء واليبس والكيل من الحبوب والثِّمار، سواءٌ كان قوتًا كالحنطة ... أو من القطنيات كالباقلا .. أو من الأباريز كالكسفرة والشَّعير والسلت وهو نوعٌ من الشَّعير، وفي «المغرب» شعيرٌ لا قشر له يكون بالغور والحجاز، والأرز والدُّخْن والعَلَس، وهو نوعٌ من الحنطة يزعم أهله أنَّه إذا أخرج من قشره لا يبقى بقاء غيره من الحنطة، ويكون منه حبتان وثلاثٌ في كمام واحد، وهو طعام أهل صنعاء.

وفي «المغرب» هو بفتحتين؛ حبَّة سوداء إذا أحدب النَّاس خلطوها وأكلوها، وقال ابن القاسم المالكيِّ ليس هو من نوع الحنطة.

ويجب في الأرزِّ والذُّرة وفي القطنيَّات كالعدس والباقلاء والحمص والماش، وفي الأباريز كالكزبرة والكمون والكراويا،

ج 7 ص 277

وفي البزور كبزر الكتَّان والقثَّاء والخيار ونحوها، وفي البقول كالرَّشاد والفجل، وفي القرطم والتُّرمس والسِّمسم.

ويجب عنده في التَّمر والزَّبيب واللوز والبندق والفستق دون الجوز والتِّين والمشمش والتُّفاح والكمثرى والخوخ والإجاص دون القثاء والخيار والباذنجان واللِّفت والجزر، ولا يجب في ورق السدر والخطميِّ والأشنان والآس ولا في ثمر ذلك، ولا في الأزهار كالزَّعفران والعصفر ولا في القطن.

القول السَّادس يجب في الحبوب والبقول والثِّمار، وهو قول حمَّاد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة.

القول السَّابع ليس في شيءٍ من الزَّرع زكاة إلَّا في التَّمر والزَّبيب والحنطة والشَّعير، حكاه العبدريُّ عن الثَّوري وابن أبي ليلى، وحكاه ابن العربيِّ عن الأوزاعيِّ وزاد الزَّيتون.

القول الثَّامن يؤخذ من الخضراوات إذا بلغت مائتي درهمٍ، وهو قول الحسن والزُّهري.

القول التَّاسع أنَّ ما يوسق يجب في خمسة أوسقٍ منه، وما لا يوسق يجب في قليله وكثيره، وهو قول داود الظَّاهري وأصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت