فهرس الكتاب

الصفحة 2337 من 11127

1484 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ)

ج 7 ص 278

هو ابن مُسَرْهَد، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيدٍ القطَّان قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ) كلمة ما زائدة، وأقل مجرور بفي بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرف بدليل قوله بعد ولا في أقل، وقيَّده بعضهم بالرفع فتكون ما موصولة حُذِفَ صدرُ صلتها وهو هو؛ أي فيما هو أقل، وجاز الحذف لطول الصِّلة بذلك.

(مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلاَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلاَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ) بغير ياء كجوار، وفي رواية بالتاء في خمسة وبالياء المشدَّدة في أواقي (مِنَ الْوَرِقِ) بكسر الراء وسكونها؛ أي الفضَّة (صَدَقَةٌ) وقد مرَّ الحديث في باب ما أُدِّيَ زكاتُه فليس بكنزٍ [خ¦1405] (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ (هَذَا) الحديث، وهو حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (تَفْسِيرُ) الحديث (الأَوَّلِ) أي حديث ابن عمر رضي الله عنهما السَّابق في الباب الذي قبله [خ¦1483] .

(إِذَا) بألف بعد الذال، كذا في الفرع، وقال القسطلانيُّ وكذا وقع في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة (( إذا ) )بألف بعد معجمة، ولعلَّها سبق قلم، إذ المراد معنى إذ التَّعليلية ولم أطلع على أنَّ (إذا) تجيء بمعنى (إذ) التعليليَّة بعد الفحص التَّام.

(قَالَ) في حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيِّن) في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قدر النِّصاب (وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبْتِ) بسكون الموحدة، ويروى بفتحها (أَوْ بَيَّنُوا) وسقط قوله في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر.

ثمَّ إنَّه يرد عليه ما بيَّنه أبو حنيفة رحمه الله من استدلاله لعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما وهو من أهل العلم والمجتهدين الكبار وقد بيَّن هذا، فينبغي أن يؤخذَ به، والمكابرة مطروحةٌ، قاله العينيُّ.

وما قاله ابن بطَّال من أنَّ الأوسق الخمسة هي المقدارُ المأخوذ منه، وأوجب أبو حنيفة في قليلِ ما تخرجه الأرض وكثيره فخالف الإجماع. وأوجب أيضًا في البقول والرَّياحين وما لا يوسقُ كالرُّمان، والجمهورُ على خلافه، ففيه أنَّه مُتَعَقَّبٌ بما قاله العينيُّ من أنَّه ليت شعري

ج 7 ص 279

كيف يتلفَّظ بهذا الكلام، ومن أين الإجماع حتَّى خالفه أبو حنيفة رحمه الله.

وقد ذكر عن جماعةٍ أنَّهم ذهبوا إلى ما قاله أبو حنيفة رحمه الله، وأمَّا إيجابه في البقول فبعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور في الباب السَّابق.

وبعموم حديث جابرٍ رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( فيما سقت السَّماء والغيم العُشر وفيما سقي بالسَّانية نصف العشر ) ).

رواه مسلمٌ والنَّسائي وأبو داود وأحمد، وبعموم قوله تعالى {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} الآية [البقرة 267] ، فدلَّ عموم الآية والأحاديث على الوجوب في جميع ما أخرجته الأرض من غير قيدٍ وإخراجٍ لبعض الخارج عن الوجوب وإخلائه عن حقوق الفقراء.

وقد مرَّ أنَّ إجراء العامِّ على عمومه أولى من تخصيصه ما لم يؤدِّ إليه دليلٌ يقتضيه، والتَّحقيق في هذا المقام أنَّه إذا ورد حديثان عامٌّ وخاصٌّ، فإن عُلِمَ تَقَدُّم العامِّ على الخاصِّ خصَّ العام بالخاصِّ كمن يقول لعبده لا تعط لأحدٍ شيئًا ثمَّ يقول له أعط زيدًا درهمًا، فإنَّ هذا ناسخٌ للأوَّل، وإذا لم يُعْلَم فالعامُّ يجعل آخرًا احتياطًا على أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفى الصَّدقة ولم ينف العشر، وقد كان في المال الصَّدقات، نسختها آية الزَّكاة والعشر ليس بصدقةٍ مطلقةٍ؛ إذ فيه معنى المؤنة حتَّى وجب في أرض الوقف، ولا تجب الزَّكاة في الوقف.

وقد سبق أنَّ المراد بالصَّدقة المذكورة المنفيَّة في حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه هي زكاة التِّجارة، وهي عندنا كذلك أيضًا.

وقال ابن العربيِّ في «عارضة الأحوذي» وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة رحمه الله دليلًا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا بشكر النِّعمة، وعليه يدلُّ عموم الآية، والحديث.

وقد رام الجويني أن يخرج عموم الحديث من يدي أبي حنيفة رحمه الله بأن قال إنَّ هذا الحديث لم يأت للعموم، وإنَّما جاء لتفصيل الفرق بين ما تقلُّ مؤنته وتكثُر، وأبدى في ذلك وأعاد، وليس بممتنعٍ أن يقتضيَ الحديث الوجهين العموم والتَّفصيل، وذلك أكمل في الدَّليل، وأصحُّ في التَّأويل. انتهى.

وقال القرافيُّ في «الذخيرة المالكية» ، والظَّاهر أنَّه نقله من كلام الجوينيِّ إنَّ الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتجُّ به في غيره، وهذه قاعدةٌ أصوليَّة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 7 ص 280

(( إنَّما الماء من الماء ) )لا يستدلُّ به على جواز المستعمل؛ لأنَّه لم يرد إلَّا لبيان حصر الوجوب للغسل، فكذا قوله (( فيما سقت السَّماء العشر ) )ورد لبيان الجزء الواجب لا لبيان محلِّ الوجوب فلا يستدلٌّ به عليه. انتهى.

وقال العينيُّ اشتمل النَّص على جملتين شرط وجزاء، فالشَّرط لعموم محلِّ الواجب وإلغاء عمومها باطلٌ، والجزاء لبيان مقدار الواجب، ونظيره قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من قتل قتيلًا فله سَلَبه ) )فالشَّرط لبيان سبب استحقاق القاتل وعموم من فعل ذلك، والجزاء لبيان ما يستحقُّه وهو سَلَب المقتول، فلا يجوز إبطال مدلول الشَّرط، كما لا يجوز إبطال مدلول الجزاء، وليس هذا نظير ما استشهد به القرافيُّ كما لا يخفى.

وقد يساق الكلام لأمرٍ وله تعلُّقٌ بغيره وإيماء إليه ألا ترى إلى قوله تعالى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} الآية [البقرة 233] ، سيقتْ الآية لبيان وجوب نفقة المطلَّقات وكسوتهنَّ إذا أرضعنَ أولادهنَّ.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ للأب تأويلًا في نَفْس الولد ومَالِه، حتَّى لا يستوجب العقوبة بوطئ جاريته ولا بسببه، ذكره السَّرخسي في أصوله.

وقاعدة القرافيِّ هذه إن صحَّت أبطلتْ عليه قاعدة مذهبه؛ لأنَّ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا صدقة في حب ولا ثمرٍ حتَّى يبلغ خمسة أوسق ) )سيق لبيان تقدير النِّصاب ونفي الوجوب عمَّا دون الخمسة الأوسق، فلا يدلُّ حينئذٍ على عموم الحبِّ والثَّمر، وقد قال هو عامٌّ في الحبوب والثِّمار، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت