133 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية بالجمع (قُتَيْبَةُ) أي كما في رواية، وقد مر في باب «السلام من الإيمان» [خ¦28] (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) إمام المصريين، وقد تقدم في أول «الوحي» [خ¦3] (قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ) هو ابن سرجس _ بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم آخره مهملة أخرى _.
(مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنهما أصله من المغرب، وقيل من نيسايور وقيل من سبي كابل، وقيل من جبال الطالقان، أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، وقال مالك (إذا سمعتُ من نافع يحدِّث عن ابن عمر فلا أبالي أن لا أسمعه من غيره) ، مات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة، روى له الجماعة.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد ما بين بلخي ومصري ومدني وكلهم أئمة أجلاء، وقد أخرج متنه المؤلف في «الحج» أيضًا [خ¦1522] ، وأخرجه النسائي في «العلم» و «الحج» جميعًا، وأخرجه مسلم أيضًا، وهو مروي عن ابن عباس وعن جابر رضي الله عنهما أيضًا، وأكمل الروايات رواية ابن عباس رضي الله عنهما فإنه ذكر المواقيت الأربعة، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما لم يحفظ فيه ميقات أهل اليمن [خ¦1525] ، وحديث جابر رضي الله عنه لم يجزم برفعه.
(أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ العسقلاني
ج 1 ص 739
لم أقفْ على اسم هذا الرجل (قَامَ فِي الْمَسْجِدِ) النبوي، (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟) أي بأن نهل من الإهلال وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل في مطلق رفع الصوت، ومنه قيل للصبي إذا فارق أمه أهلَّ واستهلَّ لرفعه صوته، والمراد هنا الإحرام ورفع الصوت بالتلبية، والمقصود من هذا السؤال هو السؤال عن موضع الإحرام؛ أي الميقات المكاني.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ) بضم الياء وكسر الهاء؛ أي يُحرِم؛ أي لِيُحرمَ، وكذا ما يليه لأنه وإن كان على صورة الخبر لكنه أمر معني (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) أيَ ابتداء إهلالهم (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) قال الكرماني (وهو موضع على عشرة مراحل من مكة) ، وقال الرافعي (على ميل من المدينة) ، وقال النووي (على ستة أميال منها) ، وقال ابن حزم (على أربعة أميال من المدينة وعلى مائتي ميل من مكة) .
وقال الكرماني (الحنفي في «مناسكه» بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل ثلاث فراسخ وهو أربعة آلاف ذراع، ومنها إلى مكة عشر مراحل، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس) ، وقال ابن التين (هي أبعد المواقيت من مكة تعظيمًا لأجر النبي صلى الله عليه وسلم) .
والحُلَيفة _ بضم المهملة وفتح اللام _مصغر الحَلَفة بفتحتين كالقصبة، وهي تنبت في الماء وجمعها حلفاء، وقيل لا تنبت إلا قريبًا من ماء أو بطن واد، وهي غليظة المسِّ لا يكاد أحد يقبض عليها مخافة أن تقطع يده.
(وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ) ؛ أي الإقليم المعروف وهو من العريش إلى الفرات ومن أيلة إلى بحر الروم، وقد مر في قصة هرقل [خ¦7] (مِنَ الْجُحْفَةِ) بضم الجيم وسكون المهملة، وهو موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الحليفة، وكان اسمها مَهْيَعة _ بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة التحتية _ فأجحف السيل بأهلها؛ أي أذهبه فسميت جحفة، وهي على ستة أو سبعة مراحل من مكة [1] .
وقال النووي (على ثلاثة مراحل منها وهي قريبة من البحر وكانت قرية كبيرة) ، وقال أبو عبيد (هي قرية جامعة بها منبر، بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خمٍّ على ثلاثة أميال منها وهي ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب وهي على ثلاث مراحل من مكة وأكثر وعلى ثمانية مراحل من المدينة) .
(وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ) هو مِن بلاد العرب ما ارتفعَ من أرض تهامة إلى أرض
ج 1 ص 740
العراق، وقال الكلبي في «أسماء البلدان» (النجد ما بين الحجاز والشام إلى العُذَيب إلى الطائف فالطائف من نجد وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان) .
(مِنْ قَرْنٍ) بفتح القاف وسكون الراء، هو جبل مدور أملس كأنه هضبة، مطل على عرفات، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، وقال ابن حزم (من جاء على طريق نجد من جميع البلاد فميقاته قرن المنازل وهو مشرف على مكة شرفها الله، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا) ، وقال ابن قُرْقُول هو قرن المنازل وقرن الثعالب، وقرن غير مضاف وهو على يوم وليلة من مكة.
وقال القابسي (من قال «قرن» بالإسكان أراد الجبل المشرف على جبل عرفات، ومن قال بالتحريك أراد الطريق الذي يعرف منه، فإنه موضع فيه طرق متفرقة) .
وقال ابن الأثير في «شرح المسند» وكثيرًا ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها وليس بصحيح، هذا وقد غلط الجوهري في «صحاحه» غلطين.
أحدهما أنه قال _ بفتح الراء _ والآخر أنه زعم أن أويسًا القرني منسوب إليه والصواب سكون الراء.، وأويس منسوب إلى قبيلة يقال له بنو قرن، وليس هو بمنسوب إلى موضع كما لا يخفى على من تتبع، (فالحق أحق أن يتبع) .
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ؛ عطف على قوله «عن عبد الله بن عمر» من حيث المعنى فكأنه قال قال نافع قال ابن عمر (أن رجلًا. .. إلى آخره) وقال (وَيَزْعُمُونَ) ؛ هو عطف على مقدر هو (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، ولا بد من التقدير لأن الواو لا تدخل على القول ومقوله، والمراد من الزعم القول المحقق؛ لأنه لا يريد من هؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم؛ لأن ذلك مما لا يُقال بالرأي، على أن في رواية مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال و (بلغني) [خ¦1525] .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ) ؛ بفتح الياء آخر الحروف وفتح اللامين، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم هو جنوب مكة ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا، وفي «شرح المهذب» يصرف ولا يصرف؛ وذلك لأنه إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة فغير منصرف البتة، بخلاف «قرن» فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه، ويقال ألملم أيضًا بقلب الياء همزة.
وفي «المحكم» يلملم وألملم جبلٌ، وقال البكري (أهله كنانة، وتنحدر أوديته إلى البحر، وهو في طريق اليمن، وهو من كبار جبال تهامة) ، وقال الزمخشري (هو وادٍ به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عسكر هوزان يوم حنين) .
قال الرافعي(اليمن يشتمل على نجد وتهامة، وكذلك الحجاز، وإذا أطلق ذكر
ج 1 ص 741
نجد كان المراد منه نجد الحجاز، وميقات النجدين جميعًا «قرن» وإذا قلنا ميقات اليمن يلملم، أردنا بها تهامتها لا كل اليمن).
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ؛ رضي الله عنهما؛ أي قال نافع وكان ابن عمر رضي الله عنهما، (يَقُولُ لَمْ أَفْقَهْ) ؛ بفتح القاف؛ أي لم أفهم ولم أعرف، وفي رواية أخرى للبخاري في «الحج» «لم أسمع» [2] .
(هَذِهِ) أي المقالة الأخيرة يعني قوله و «يهل أهل المدينة من يلملم» (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا يدل على شدة تحريه وورعه رضي الله عنه.
وفي الحديث بيان المواقيت الثلاثة بالقطع وهي ميقات أهل المدينة، وميقات أهل الشام، وميقات أهل نجد، وشك ابن عمر رضي الله عنهما في الرابع وهو أيضًا مبيَّنٌ بالقطع في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه الشيخان [خ¦1524] وآخرون.
وفي رواية مسلم عن جابر، وزاد مسلم فيه (( ويهل أهل العراق من ذات عرق ) )بكسر العين وهي أرض سبخة على ستة وأربعين ميلًا من مكة، سُمِّي بها؛ لأن فيها جبلًا صغيرًا يسمى بالعرف مراجعة لعلها بالعرق.
هذا واعلم أن هذه المواقيت لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجًا أو عمرة، فإن جاوزها بغير إحرام يلزمه الدم ويصح نسكه، وسيأتي بقية الكلام في ذلك في «الحج» إن شاء الله تعالى [خ¦1524 وما بعده] .
[1] لم تقع في روايتا انظر [خ¦1528] ففيها بلفظ «زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم»