134 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس التميمي، وقد مر في باب «المسلم من سلم المسلمون» [خ¦10] (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذال المعجمة وسكون الهمزة، هو محمد بن عبد الرحمن المدني من تابعي التابعين، لما حج المهدي دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد إلا قام سوى ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير قم هذا أمير المؤمنين
ج 1 ص 742
فقال إنما يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي، وقال أبو جعفر له سنة حج ما تقول في الحسن بن زيد بن الحسن بن فاطمة قال إنه ليتحرى العدل قال ما تقول فيَّ؟ مرتين أو ثلاثًا، قال ورب هذا البيت إنك لجائر، فأخذ الربيع بلحيته، فقال له أبو جعفر كف عنه وأمر له بثلاثمائة دينار، وقد سبق ذكره في باب «حفظ العلم» [خ¦119] .
(عَنْ نَافِعٍ) هو مولى ابن عمر رضي الله عنهما (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَ) روى ابن أبي ذئب (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم كما رُوِي عن نافع (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية بإسقاط حرف الجر فهما إسنادان أحدهما عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، والآخر عن آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفي بعض النسخ وقع قبل قوله (( وعن الزهري ) )إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون ما خلا آدم، وفيه رواية التابعي عن التابعي، وهما الزهري وسالم، وهو أصح الأسانيد على قول الإمام أحمد حيث قال (أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه) ، وقد أخرج متنه المؤلف في «الصلاة» [خ¦366] وفي «اللباس» أيضًا [خ¦5806] ، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه و «النسائي» أيضًا.
(أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ العسقلاني (لم أقف على اسمه) ، (سَأَلَهُ) ؛ أي سأل النبي صلى الله عليه وسلم (مَا) يجوز أن تكون استفهامية أو موصولة أو موصوفة (يَلْبَسُ) بفتح المثناة التحتية والموحدة مضارع لبِس _ بكسر الموحدة _ ومصدره اللُّبس _ بضم اللام _ وأما اللَّبس _ بالفتح _ فهو من باب ضرب يضرب، يقال لبست عليه الأمر ألبس بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر وهو اشتباهه.
(الْمُحْرِمُ) أي الداخل في الحج أو العمرة، وأصله الداخل في الحرمة، وهو قد حرم عليه ما كان حلالًا له قبله كالصيد (فَقَالَ) النبي صلى الله عليه وسلم (لاَ يَلْبَسِ) نفي كما في رواية أبي ذر، أو نهي كما في رواية غيره (الْقَمِيصَ) وهو معروف.
(وَلاَ الْعِمَامَةَ) ؛ بكسر العين واحدة العمائم، يقال عممته؛ أي ألبسته العمامة وعمم الرجل؛ أي سود؛ لأن العمائم
ج 1 ص 743
تيجان العرب كما قيل في العجم توج واعتم بالعمامة، وتعمم بها بمعنىً، وفلان حسن العِمَّة؛ أي الاعتمام.
(وَلاَ السَّرَاوِيلَ) ؛ قال الكرماني هي أعجمية عُرِّبت وجاءت على لفظ الجمع، وهي مفردة تذكر وتؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، وتجمع على السراويلات، وقد يقال جمع ومفرده سروالة قال الشاعر
~عليهِ مِن اللُّؤمِ سِرْوالة فليسَ يرقُّ المستضعَفُ
وهو غير منصرف على الأكثر، ويقال سرولته؛ أي ألبسته السراويل.
(وَلاَ الْبُرْنُسَ) بضم الموحدة وسكون الراء وضم النون، وهو ثوب رأسه منه ملتزق به، وقيل قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البِرس بكسر الباء وهو القطن والنون زائدة وقيل غير عربي، وقال ابن حزم (كل ما جُبَّ فيه موضع لإخراج الرأس منه فهو جبة في لغة العرب، وكل ما خيط أو نسج في طرفيه ليمتسك على اللابس، فهو برنس كالغفارة ونحوها، ويقال هو ثوب رأسه متصل به من ذراعه، أو جبة أو ممطر أو غير ذلك) .
(وَلاَ ثَوْبًا) ويروى بالرفع فوجهه تقدير فعل لم يسم فاعله؛ أي ولا يلبس ثوب، وإنما عدل فيه عن طريقة أخواته؛ لأن الطيب حرام على الرجل والمرأة معًا، فأراد أن يعمِّم الحكمَ للمحرم والمحرمة بخلاف الثياب المذكورة فإنها حرام على الرجل فقط، وأما على رواية النصب فيعلم الخصوص والعموم من الأدلة الخارجة من هذا الحديث فافهم.
(مَسَّهُ الْوَرْسُ) ؛ بفتح الواو وسكون الراء وفي آخره سين مهملة، وهو نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به الثياب ويتخذ منه الحمرة للوجه (أَوِ الزَّعْفَرَانُ) ؛ بفتح الزاي والفاء وسكون العين، وجمعه زعافر، وهو اسم أعجمي وقد صرفته العرب فقالوا ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة، وفي رواية .
ثم إنه قد أطلق حرمة الثوب المورَّس أو المزعفر جماعة منهم مجاهد، وهشام بن عروة، وعروة بن الزبير، ومالك في رواية عنه، فإنهم قالوا كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم سواء كان غسيلًا أو لم يكن لإطلاق الحديث.
وذهب إمامنا أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يجوز لبسه له إذا كان غسيلًا لا ينفض؛ لأنه ورد في روايةٍ للحديث المذكور «إلا أن يكون غسيلًا» .
(فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) ؛ تثنية نعل، وهي الحذاء _ بكسر الحاء المهملة وبالمد _ يقال احتذى إذا انتعل وهي مؤنثة (فَلْيَلْبَسِ) بفتح الموحدة (الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا) بكسر اللام أو سكونها والواو لا تدل على الترتيب فلا يلزم من التقدم الذكري التقدم الفعلي (حَتَّى) أن (يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ) ؛ تثنية كعب، والمراد به هاهنا هو المفصل الذي وسط القدم عند معقد الشراك لا العظم الناتئ عند مفصل الساق، فإنه في باب الوضوء فإذا فقد النعل يجب القطع بظاهر الأمر عند جمهور العلماء، وأوجب إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله الفدية على من لم يقطع، إلا أن الإمام أحمد جوَّز لبس الخف بدون القطع، وزعم أصحابه أن القطع إضاعة وهو القول بالرأي ومنازعة السنة به.
واعلم أنه صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 744
سُئل عما يجوز لبسه، فأجاب بما لا يلبس، وهذا من بديع كلامه صلى الله عليه وسلم لأن المتروك منحصر والملبوس غير منحصر؛ لأن الإباحة هي الأصل فحَصَرَ ما لا يلبس ليبين أن ما سواه مباح، وكذلك لو أجاب بما يلبس لتوهم أن غير المحرم لا يلبسه بطريق المفهوم، فانتقل إلى ما يلبس؛ لأن مفهومه مراد كمنطوقه فكان أفصح وأبلغ، وقيل إنما أجاب به إشارة إلى أن السؤال كان من حقه أن يكون عما لا يُلبس؛ لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان وهو الحرمة، وأما جواز ما يلبس فثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب.
قال القاضي عياض (أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم، ونبه صلى الله عليه وسلم بالقميص والسراويل على كل مخيط إزارًا كان أو رداءً، وبالعمائم والبرانس على كل ما يُغطَّى به الرأس مخيطًا أو غيره، سواء كان بالمعتاد أم بغيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وكذا نبه بالورس والزعفران على ما سواهما من أنواع الطيب) .
هذا وقال العلماء والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم أن يبعد من الترفُّه ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان والبعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداعي.
والحكمة في تحريم الطيب أن يبعد عن زينة الدنيا، ولأنه داع إلى الجماع، ولأنه ينافي الحاج فإنه أشعث أغبر، ومحصله أن يجمع همه لمقاصد الآخرة.
ويؤخذ من الحديث أن المفتي إذا سئل عن الشيء يجوز له أن يجيب بما فيه جواب سؤاله وزيادة عليه، فإنه صلى الله عليه وسلم سئل عن حالة الاختيار، فأجاب عنها، وزاد حالة الاضطرار بقوله «فإن لم يجد النعلين. .. إلى آخره» لعلمه بمشقة السفر وما يلحق الناس من الحفاء بالمشي رحمة لهم، وشفقة عليهم، وكذلك ينبغي للعالم أن ينبه الناس على ما ينتفعون به، ويتَّسعون فيه ما لم يكن ذريعة إلى ترخيص شيء من حدود الله تعالى.
خاتمة قد اشتمل كتاب العلم من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث وحديثين منها في المتابعات بصيغة التعليق وغيرها ثمانية عشر، والتعاليق التي لم يوصلها في مكان آخر أربعة، وهي «كَتَبَ لأمير السرية» [خ¦64] ، و «رحل جابر إلى عبد الله بن أُنيس» [خ¦78] ، وقصة ضمام في رجوعه إلى قومه [خ¦63] ، وحديث «إنما العلم بالتعلم» [خ¦68] وباقي
ج 1 ص 745
ذلك وهو ثمانون حديثًا كلها موصولة، فالمكرر منها ستة عشر حديثًا، وغير المكرر أربعة وستون حديثًا.
وقد وافقه مسلم في تخريجها إلا ستة عشر حديثًا، وهي الأربعة المعلقة المذكورة، وحديث أبي هريرة (( إذا وسِّد الأمر إلى غير أهله ) ) [خ¦59] ، وحديث ابن عباس (( اللهم علمه الكتاب ) ) [خ¦75] ، وحديث الذبح قبل الرمي [خ¦84] ولكن أخرجه مسلم أيضًا، وحديث عقبة بن الحارث في شهادة المرضعة [خ¦88] ، وحديث أنس في إعادة الكلمة ثلاثًا [خ¦94] ، وحديث أبي هريرة (( أسعد الناس بشفاعتي ) ) [خ¦99] ، وحديث الزبير (( من كذب علي ) ) [خ¦107] ، وحديث سلمة (( من يقول علي ) ) [خ¦109] ، وحديث علي في الصحيفة [خ¦111] ، وحديث أبي هريرة في كونه أكثر الصحابة حديثًا [خ¦113] ، وحديث أم سلمة ماذا أنزل الليلة من الفتن [خ¦115] ، وحديث أبي هريرة حفظت وعاءين [خ¦120] .
والمراد بموافقة مسلم موافقته على تخريج أصل الحديث عن صحابية، وإن وقعت بعض المخالفة في بعض السياقات.
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم اثنان وعشرون أثرًا أربعة منها موصولة والبقية معلقة.
قال ابن رُشَيد ختم البخاري كتاب العلم بباب «من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه» إشارة منه إلى أنه بلغ الغاية في البيان؛ عملًا بالنصيحة واعتمادًا على النية الصحيحة، وأشار قبل ذلك بقليل بترجمة من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه إلى أنه ربما صنع ذلك.
وهذا آخر القطعة الأولى من (( شرح صحيح الإمام البخاري ) )بخط جامعها الفقير إلى عناية ربه القدير [1] أبي محمد عبد الله بن محمد الشهير بيوسف أفندي زاده، كتب الله لهم الحسنى وزيادة.
وقد بدئ في جمعها وتأليفها ليلة البراءة من ليالي شهر شعبان المنسلك في سلك شهور السنة الثالثة والعشرين بعد المائة والألف، وختمت بعون الله وتوفيقه ومَنِّه وفضله ليلة الخميس بين العشائين، الليلة الثالثة والعشرين من ليالي شهر ربيع الآخر المنتظم في عقد شهور السنة الخامسة والعشرين بعد المائة والألف من هجرة من يأخذ العفو ويأمر بالعرف [2] ، ويتلوها القطعة الثانية المبتدأة بكتاب «الوضوء» إن شاء الله المعين.
اللهم يا منزل البركات، ويا مفيض الخيرات، افتح لنا بالخير، واختم لنا بالخير، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
ج 1 ص 746
[1] في (خ) البخاري عليه رحمة الباري، كتبت من خط المصنف.
[2] (( من قوله وقد بدئ في جمعها .. إلى قوله ويأمر بالعرف ) )ليس في (خ) .