فهرس الكتاب

الصفحة 2362 من 11127

1499 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح لام سلمة كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبالمد؛ أي البهيمة سمِّيت بها؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وعن أبي حاتم يقال لكلِّ من لم يبيِّن الكلام من العرب والعجم والصِّغار أعجم ومستعجم، وكذلك من الطَّير والبهائم كلها، والاسم العجمة.

(جُبَارٌ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة

ج 7 ص 325

آخره راء، هو الهدر؛ يعني ليس فيه ضمان. وفي «التَّلويح» الجبار الهَدْر الذي لا قَوَدَ فيه ولا ديَة، وكل ما أفسد وأهلك جبار، ذكره ابن سيده.

ولمسلم (( جرحها جبار ) )، ولا بدَّ في رواية البخاري من تقدير، إذ من المعلوم أنَّ نفس العجماء لا يقال لها هدر، وقد دلَّت رواية مسلم على أنَّ المقدر هو الجرح، لكن الحكم غير مختصٍّ به بل هو مثال نبَّه به على غيره، وظاهر الحديث مطلق، ولكنَّه محمول على ما إذا أتلفت شيئًا بالنَّهار أو أتلفت باللَّيل من غير تفريط من مالكها، أو أتلفت ولم يكن معها أحد.

والحديث محتمل أيضًا أن تكون الجناية على الأبدان أو على الأموال، فالأول أقرب إلى الحقيقة؛ لأنَّه ورد في «صحيح مسلم» ، وفي البخاري أيضًا في الدِّيات [خ¦6912] (( جرحها جبار ) )، وفي لفظ [خ¦6913] (( عَقْلُها جبار ) )، وعلى كلِّ تقدير لم يقولوا بالعموم في إهدار كلِّ متلف من بدن أو مال على ما بين في كتب الفروع، والمراد بجرح العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو غيره.

وقال القاضي عياض أجمع العلماء على أنَّ جناية البهائم بالنَّهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت.

وقال داود وأهل الظَّاهر لا ضمان بكلِّ حال برجل أو بقدم لإطلاق النَّص إلا أن يحملها الذي فوقها على ذلك أو يقصده فيكون حينئذٍ كالآلة، وكذا إذا تعدى في ربطها أو إرسالها في موضع يجب ربطها فيه.

وقالت الشَّافعية بالإطلاق سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا وسواء كان معها سائقها أو راكبها أو قائدها، وسواء كانت في يد مالكها أو مستأجرها أو مستعيرها أو غاصبها أو مودعًا أو وكيلًا أو غير ذلك، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو عضَّها إلَّا أنْ تُتْلِفَ آدميًا فتجبُ ديَّتهُ على عاقلة الذي معها، والكفَّارة في ماله.

وقال مالك القائد والرَّاكب والسَّائق كلهم ضامنون لما أصابت الدَّابة إلَّا أن ترمح الدَّابة من غير أن يُفْعل بها شيءٌ تَرمح له. وقال مالك واللَّيث والأوزاعي لا ضمان فيما إذا أصابته بيدها أو رجلها.

وعند أبي حنيفة رحمه الله لا ضمان فيما رمحت برجلها دون يدها؛ لإمكان التحفُّظ من اليد دون الرِّجل، وأمَّا إذا أتلفت بالنَّهار، وكانت معروفةً بالإفساد، ولم يكن معها أحد، فإنَّ مالكها يضمن؛ لأنَّ عليه ربطها والحالة هذه.

وقال بعض الحنفيَّة إنَّ الرَّاكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدَّابة

ج 7 ص 326

برجلها أو ذنبها إلا إن أوقفها في الطَّريق. واختلفوا في السَّائق فقال القدوري وآخرون إنَّه ضامن لما أصابت بيدها ورجلها؛ لأنَّ النَّفحة بمرأى من عينه فأمكنه الاحتراز عنها، وقال أكثرهم لا يضمن النَّفحة أيضًا وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرُّز عنه، بخلاف الكدم؛ لإمكانه كبحها بلجامها.

وصحَّحه صاحب «الهداية» وكذا قالت الحنابلة إنَّ الرَّاكب لا يضمن ما تتلفه البهيمة برجلها. وأمَّا جنايتها على المزارع بالليل فقال مالك يضمن صاحبها ما أتلفته. وقال الشَّافعي وأصحابه إن فرَّط في حفظها ضمن وإلَّا فلا، وقال أبو حنيفة لا ضمان فيما رعته نهارًا، وقال اللَّيث وسحنون يضمن، وقد ورد حديث صحيح مرفوع في إتلافها باللَّيل دون النَّهار في المزارع، وأنَّه يضمن. أخرجه أبو داود والنَّسائي من حديث حرام بن محيصة عن البراء أنَّ ناقة للبراء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أهل الأموال حفظها بالنَّهار، وعلى أهل المواشي حفظها باللَّيل، والله أعلم.

(وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) معناه أنَّ الرَّجل إذا حفر بئرًا في ملكه أو في موات فسقط فيها رجل، أو استأجر من يحفر له بئرًا فانهار عليه فلا شيء عليه، أمَّا إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه فتلف فيها إنسان، وجب ديَته على عاقلة حافرها، والكفَّارة في ماله، وإن تلف فيها غير الآدمي وجب ضمانه في مال الحافر. والبِئْر بكسر الموحدة بعدها همزة ساكنة ويجوز تخفيفها.

وقال ابن العربي رواه بعضهم «النَّار جبار» وقالوا أهل اليمن يكتبون النَّار بالباء، ومعناه عندهم أنَّ من استوقد نارًا بما يجوز له فَتَعَدَّت إلى ما لا يجوز فلا شيء عليه.

وروي في حديث جابر رضي الله عنه «والجبُّ جبار» ، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد البئر لا النَّار، كما هو في الكتب الستَّة المشهورة.

(وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) يعني إذا حفره في ملكه أو بفلاة لاستخراج ما فيه فوقع فيه إنسان أو انهار على حافره لا ضمان فيه أيضًا، وفي كلتا الجملتين تقدير؛ أي سقوط البئر أو المعدن على الشَّخص أو سقوط الشَّخص في البئر أو المعدن جبار.

وورد في بعض طرق الحديث «الرِّجل جبار» ، فاستدلَّ

ج 7 ص 327

به من فرق في حال كون راكبها معها بين أن تضرب بيدها أو ترمح برجلها، فإن أفسدت بيدها ضمنه وإن رمحتْ برجلها لا يضمن.

(وَفِي الرِّكَازِ) يجب أو واجب (الْخُمُسُ) وقد مرَّ أنَّ المراد من الرِّكاز قطع من الذَّهب تخرج من المعادن وغيرها. وقال الكرمانيُّ فإن قلت هل في الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ المعدن ليس بركاز؟

قلت نعم حيث عطف الرِّكاز على المعدن، وفرَّق بينهما، فدلَّ على تغايرهما وأنَّ الخمس في الرِّكاز لا فيه.

وتعقَّبه العيني بأنَّه حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء، فروى البيهقي في كتاب «المعرفة» من حديث حبَّان بن عليٍّ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي عروبة، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الرِّكاز الذَّهب الذي ينبت بالأرض ) )ثمَّ قال وروي عن أبي يوسف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( في الرِّكاز الخمس قيل وما الرِّكاز يا رسول الله؟ قال الذهبُ الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلقت ) )انتهى. وهذا ينادي بأعلى صوته أنَّ الرِّكاز هو المعدن.

وأصرح منه ما رواه الدَّارقطني في «العلل» وإن كان تكلَّم فيه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الرِّكاز الذي ينبتُ على وجه الأرض ) )وذكر حميد بن زنجويه، والنَّسائي في كتاب «الأموال» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه جعل المعدن ركازًا، وأوجب فيه الخمس. ومثله عن الزُّهري.

وروى البيهقي من حديث مكحول أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه جعل المعدن بمنزلة الرِّكاز وأوجب فيه الخمس.

هذا، واعلم أنَّ المعدن أنواع ثلاثة ما يذوب بالنَّار وينطبع كالذهب والفضة والنحاس والرَّصاص ونحوهما، ولا ينطبع كالجصِّ والنَّورة والكحل والزَّرنيخ والمغرة، وما يوجد في الجبال كالياقوت والزمرُّد والبلخش والفيروزج ونحوها، وما يكون مائعًا كالقار والنفط والملح المائيِّ ونحوها.

فالوجوب يختصُّ بالنوع الأول دون النوعين الأخيرين عندنا، وأوجب أحمد في الجميع، ومالك والشَّافعي في الذهب والفضة خاصَّة. وعموم الحديث حجَّة عليه، ثمَّ إنَّه يجب في قليله وكثيره، ولا يشترط فيه النِّصاب عندنا.

واشترط مالك والشَّافعي وأحمد أن يكون الموجود نصابًا ولم يشترطوا الحول وقالوا كم من حول قد مضى عليه،

ج 7 ص 328

وضَعْف هذا الكلام ظاهر؛ لأنَّ الأحوال التي مضتْ عليه مضَتْ في غير ملك الواجد، فكيف يحسب عليه؟!

وأغرب ابن العربي في «شرح التِّرمذي» فحكى عن الشَّافعي اشتراط الحول، ولا نعرف ذلك في شيء من كتبه ولا من كتب أصحابه، قاله الحافظ العسقلاني.

وقال العيني واختار داود وإسحاق وابن المنذر وأحمد والمزني والشَّافعي في البويطي اشتراط النِّصاب والحول في ذلك، ولنا أنَّ النُّصوص خالية عن اشتراط النِّصاب، ولا يجوز اشتراطه بغير دليل سمعي.

ثمَّ إنَّه إن وجد المسلم أو الذمِّي في داره معدنًا فهو له ولا شيء فيه عند أبي حنيفة وأحمد، إلا إذا حال عليه الحول وهو نصاب ففيه الزَّكاة. وعند أبي يوسف ومحمَّد يجب الخمس في الحال. وعند مالك والشَّافعي الزَّكاة في الحال. والحانوت والمنزل كالدَّار والذَّهب والفضَّة والعنبر واللُّؤلؤ تستخرج من البحر لا خمس فيها ولا زكاة عند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله بل جميعها للواجد، وبه قال مالك كذا في «الجواهر» لابن الشاس.

وعن أبي يوسف رحمه الله يجب فيها الخمس. وعند الشَّافعي وأحمد يجب الزَّكاة لكن عند الشَّافعي في الذَّهب والفضَّة خاصَّة، وإن وجده في الفلاة والجبال والموات ففيه الخمس وباقيه للواجد، وإن كان في العامر وكان الإمام اختطَّه للغازي ففيه الخمس وأربعة أخماسه لصاحب الخطة، ولورثته إن عُرِفوا، وإلَّا يُعْطِي أقصى مالك الأرض أو ورثته، وإن لم يُعْرَفوا فلبيت المال، وقال أبو يوسف للواجد، وهو استحسان وإن وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة.

ثمَّ إنَّه يستوي عندنا أن يكون الواجد مسلمًا أو ذمِّيًا أو مستأمنًا أو امرأة أو مكاتبًا أو عبدًا إلا الحربي. قال ابن المنذر أجمع كلُّ من أحفظ عنه على وجوب الخمس فيما وجده ذمِّي منهم الشَّافعي وردَّه أصحابه بأنَّ الكافر لا يؤخذ منه الزَّكاة نصُّوا على هذا في كتبهم.

وأمَّا مصرفه فمصرف خمس الغنيمة والفيء عندنا، وبه قال مالك وأحمد في رواية والمزني وأبو حفص بن الوكيل من الشَّافعية. وعن محمَّد يصرف منه إلى حملة القرآن ودواء المرضى، وكتبة الأمراء. وعند الشَّافعي يصرف في مصارف الزَّكاة. وإن تصدَّق بنفسه أمضاه الإمام؛ لأنَّه لم يدخل في جبايته، وبه قال أحمد وابن المنذر. وقال أبو ثور يُضَمِّنُه الإمام لو فعل، وللمحتاج أن يصرفَه إلى نفسه، وقال في «التُّحفة» إذا لم يُغْنِه أربعة أخماسه، وردَّه عمر وعلي رضي الله عنهما على واجده رواه

ج 7 ص 329

أحمد وابن المنذر، واختاره القاضي وابن عقيل من الحنابلة، ولم يجوِّزه الشَّافعي لكونه زكاة على أصله، ويجوز صرفه إلى من شاء من أولاده وآبائه المحتاجين؛ بخلاف الزَّكاة والعشر وصدقة الفطر والكفَّارات والنُّذور، ذكرها الاسبيجابي.

وفي «المبسوط» ولا يسقط الخمس عن الرِّكاز والمعدن، وإن كان الواجد مديونًا أو فقيرًا لإطلاق النَّص، ولا فرق بين أرض العنوة وأرض الصُّلح وأرض الحرب، وهو قول الشَّافعي وأحمد، وقال مالك الرِّكاز في أرض الحرب للواجد بعد الخمس، وفي أرض الصُّلح لأهل تلك البلاد، ولا شيء فيه للواجد، وما وجد في أرض العنوة لمن افتتحها بعد الخمس، وأما ما يوجد من الجوهر والحديد والرصاص ونحوها فإنَّه كان يقول فيه الخمس، ثم رجع عنه فقال لا شيء فيه.

وبالجملة اتَّفق الأئمة الأربعة وجمهور العلماء على أنَّه سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب خلافًا للحسن حيث فرَّق بينهما كما مرَّ، وشرطوا النِّصاب والنقدين إلَّا أبا حنيفة رحمه الله فإنه لم يشترط النِّصاب، وإلَّا أحمد فإنَّه لم يشترط النقدين وجعل غيرهما كذلك كالنُّحاس والحديد والجواهر لظاهر هذا الحديث، وكذا أبو حنيفة إلَّا أنَّه أوجب الخمس.

وأمَّا أحمد فأوجب ربع العشر وجعله زكاة على أحد قوليه، وكذا الشَّافعي في أصحِّ قوليه. وعن مالك روايتان كالقولين، وحُكِيَ كلٌّ منهما عن ابن القاسم.

وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحدود، والنَّسائي في الزَّكاة، وأورده البخاري في الأحكام أيضًا [خ¦6912] والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت