فهرس الكتاب

الصفحة 2376 من 11127

1506 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنس الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) بسكون عين سعْد وراء سرْح (الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ) أي صدقة الفطر، ويستعمل كل منهما في موضع الآخر (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) هو البر بدليل قوله (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قال التُّوربشتي والبرُّ أعلى ما كانوا يقتاتون به في الحضر والسَّفر، فلولا أنَّه أراد بالطَّعام البر لذكره عند التَّفصيل.

وحكى المنذري في «حواشي السُّنن» عن بعضهم اتِّفاق

ج 7 ص 346

العلماء على أنَّه المراد هنا، وسيأتي التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى، وقيل أراد به التَّمر؛ لأنَّ البر كان قليلًا عندهم لا يتَّسع لإخراج زكاة الفطر، وفيه نظر؛ لأنَّه لا يتأتى إلَّا في الرِّواية التي ليس فيها ذكر التَّمر، وهي رواية الطَّحاوي عن علي بن شيبة، عن قَبيصة، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال «كنَّا نعطي زكاة الفطر من رمضان صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أقط» ، وهذا ليس فيه ذكر التَّمر، والطَّعام في الأصل عام في كلِّ ما يقتات به من الحنطة والشَّعير والتَّمر وغير ذلك، وسيجيء التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى.

(أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) بفتح الهمزة وكسر القاف وفي آخره طاء مهملة، وهو لبن مجفَّف يابس مستحجر يُطبخ به، وربَّما يسكن قافه في الشعر يقال ائتقطت؛ أي اتَّخذت الأقط، وهو افتعلت، وأقِطَ طعامه يأقطه أقطًا عمله بالأقط، وهو مَأْقوط.

(أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) وبهذا الحديث احتجَّ الشَّافعي على أنَّ صدقة الفطر من القمحِ صاع وقال المراد بالطَّعام البر في العرف، وقال أصحابه، لاسيَّما في رواية الحاكم صاعًا من حنطة أخرجها في «مستدركه» من طريق أحمد بن حنبل، عن ابن عليَّة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم حزام، عن عياض بن عبد الله قال قال أبو سعيد رضي الله عنه وذكر عنده صدقة الفطر فقال «لا أخرج إلَّا ما كنت أخرجها في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاعًا من تمر، أو صاعًا من حنطة أو صاعًا من شعير» فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح فقال «تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها» . وصحَّحه الحاكم.

ورواه الدَّارقطني في «سننه» من حديث يعقوب الدَّورقي، عن ابن عليَّة سندًا ومتنًا كما ذكر، ومن الشَّافعية من جعل هذا الحديث؛ أي حديث معاوية رضي الله عنه. وسيجيء إن شاء الله تعالى حجَّة للحنفيَّة من جهة أنَّ معاوية جعل نصف صاع من الحنطة عدل صاع من التَّمر والزَّبيب.

وقال النَّووي هذا الحديث معتمد أبي حنيفة رحمه الله، ثمَّ أجاب عنه بأنَّه فعل صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره من الصَّحابة ممَّن هو أطول صحبة منه، وأعلم بحال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أخبر معاوية بأنَّه رأي رآه لا قول سمعه من النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال كما سيجيء في باب صاع من زبيب (( أرى مدًا من هذا يعدل مدَّين ) ) [خ¦1508] .

قال العيني قلنا أمَّا قولهم أنَّ الطَّعام في العرف هو البر فممنوع، بل الطَّعام يطلق على كل مأكول، بل أريد به هاهنا غير الحنطة، والدَّليل عليه ما وقع في رواية أبي داود (( صاعًا من طعام صاعًا من أقط ) )فإنَّ قوله

ج 7 ص 347

صاعًا من أقط بدل من قوله صاعًا من طعام أو بيان له، ولو كان المراد من قوله صاعًا من طعام هو البر لقال أو صاعًا من أقط بحرف أو الفاصلة.

فإن قلت في رواية الطَّحاوي بأو الفاصلة قلت كفى لنا حجَّة رواية أبي داود، وممَّا يؤيِّده ما جاء عند البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه (( وكان طعامنا الشَّعير والزَّبيب والأقط والتَّمر ) ).

وأمَّا ما رواه الحاكم فيه «أو صاعًا من حنطة» فقد قال أبو داود إنَّ هذا ليس بمحفوظ، وقال ابن خزيمة فيه وذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممَّن الوهم، وقوله فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح، دالٌّ على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم، إذ لو كان صحيحًا لم يكن لقوله أو مدين من قمح، معنى. وقد عرف تساهل الحاكم في تصحيح الأحاديث المدخولة.

وأمَّا قول النَّووي إنَّه فِعْل صحابي، قلنا قد وافقه غيره من الصَّحابة الجمُّ الغفير، بدليل قوله في الحديث (( فأخذ النَّاس بذلك ) )ولفظ النَّاس للعموم، فكان إجماعًا.

واعلم أنَّ مذهب مالك وأحمد وإسحاق مثل مذهب الشَّافعي في تقديره بالصاع في البر، وقال الأوزاعي يؤدِّي كل إنسان مدين من قمح بمد أهل بلده. وقال اللَّيث مدين من قمح بمد هشام وأربعة أمداد من التَّمر والشَّعير والأقط.

وقال أبو ثور الذي يخرج في زكاة الفطر صاع من تمر أو شعير أو طعام أو زبيب أو أقط إن كان بدويًّا، ولا يعطي قيمة شيء من هذه الأصناف.

وقال أبو عمر سكت أبو ثور عن ذكر البرِّ، وكان أحمد يستحبُّ إخراج التَّمر. والأصل في هذا الباب اعتبار القوت، وأنَّه لا يجوز إلَّا الصَّاع منه، والوجه الآخر اعتبار التَّمر والشَّعير والزَّبيب أو قيمتها على ما قاله الكوفيُّون.

وقال صاحب «الهداية» الفطرة نصف صاع من برٍ أو دقيقٍ أو سويقٍ أو زبيبٍ أو صاع من تمرٍ أو شعيرٍ. وقال أبو يوسف ومحمَّد الزَّبيب بمنزلة الشَّعير، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، والأوَّل رواية محمَّد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وهي رواية «الجامع الصَّغير» .

ونصف صاع من بر مذهب أبي بكر الصِّدِّيق وعمر بن الخطَّاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن الزُّبير وابن عبَّاس ومعاوية وأسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم.

ج 7 ص 348

وكذا قول سعيد بن المسيَّب وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وطاوس والنَّخعي والشَّعبي وعلقمة والأسود وعروة وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف، وأبي قلابة عبد الملك بن محمَّد التَّابعي والأوزاعي والثَّوري وابن المبارك وعبد الله بن راشد ومصعب بن سعد.

قال الطَّحاوي وهو قول القاسم، وسالم، وعبد الرَّحمن بن قاسم، والحاكم، وحمَّاد، ورواية عن مالك ذكرها في «الذخيرة» .

واحتجَّ أصحابنا في هذا بما رواه أبو داود من حديث ثعلبة بن أبي صُعَيْر، عن أبيه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نصف صاع من برٍ أو قمح ٍعلى كلِّ اثنين صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى أمَّا غنيكم فيزكيه الله، وأمَّا فقيركم فيردُّ الله عليه أكثر مما أعطاه ) ).

وأبو صُعَيْر بضم الصاد وفتح العين المهملتين وسكون المثناة التحتية وفي آخره راء، ويقال ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعَير العذري حليف بني زهرة. وقال ابن معين ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير [1] ، وثعلبة بن أبي مالك جميعًا رَأَيَا النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وممَّا احتجوا به حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، رواه أبو داود من حديث حميد أخبرنا عن الحسن قال «خطب ابن عبَّاس رضي الله عنهما في آخر رمضان على منبر البصرة فقال أخرجوا صدقة صومكم ثمَّ قال فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الصَّدقة صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو نصف صاع من قمح» الحديث.

قالوا لم يسمع الحسن من ابن عبَّاس رضي الله عنه، فإن سلَّمنا ذلك فالحديث مرسل، وهو حجَّة عندنا. ويؤيِّده طريق آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، رواه الحاكم في «المستدرك» من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث صارخًا بمكَّة صاح إنَّ صدقة الفطر حقٌّ واجب مدَّان من قمح أو صاع من شعير أو تمر» . وصحَّحه الحاكم. ورواه البزَّار بلفظ «أو صاع ممَّا سوى ذلك من الطَّعام» .

وطريق آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أخرجه الدَّارقطني، عن الواقدي من حديث أبي سلمة بن عبد الرَّحمن،

ج 7 ص 349

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بزكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو مدَّين من قمح» ، ومن أعلَّه بأنَّ في إسناده الواقدي فما للواقدي؟ وهو إمام مشهور أحد مشايخ الشَّافعي رحمه الله، ذكره العيني.

وممَّا احتجُّوا به ما رواه التِّرمذي، عن سالم بن نوح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مناديًا ينادي في فجاج مكَّة ألا إنَّ صدقة الفطر واجبة على كلِّ مسلم» وفيه «مدَّان من قمح» ، وقال حسن غريب.

وأعلَّه ابن الجوزي بسالم بن نوح قال قال ابن معين ليس بشيء، وتعقَّبه صاحب «التَّنقيح» فقال صدوق، روى له مسلم في «صحيحه» .

وقال أبو زرعة صدوق ثقة، ووثَّقه ابن حبَّان، وله طريق آخر أخرجه الدَّارقطني عن علي بن صالح، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر صائحًا فصاح أنَّ صدقة الفطر حق واجب على كلِّ مسلم مدَّان من قمح» . قال ابن الجوزي علي بن صالح ضعَّفوه.

وقال صاحب «التَّنقيح» هذا خطأ منه، ولا نعلم أحدًا ضعَّفه، لكنه غير مشهور الحال. وقيل هو مكِّي معروف، وهو أحد العُبَّاد، وكنيته أبو الحسن. وممَّا احتجُّوا به حديث آخر رواه أحمد في «مسنده» من طريق ابن المبارك أخبرنا ابن لهيعة، عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن نوفل، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت «كنا نؤدِّي زكاة الفطر على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مدَّين من قمح بالمد الذي تقتاتون به» ، وضعَّفه ابن الجوزي بابن لهيعة.

وقال صاحب «التَّنقيح» وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة سيَّما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه. وممَّا احتجُّوا به حديث أخرجه الدَّارقطني عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليِّ رضي الله عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال في صدقة الفطر (( نصف صاع من برٍّ أو صاعٍ من تمر ) )، والحارث معروف.

وقال الدَّارقطني والصَّحيح أنَّه موقوف، وممَّا احتجُّوا به حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (( من كان عنده شيء فليتصدَّق بنصف صاع من بر ) )الحديث، رواه الدَّارقطني،

ج 7 ص 350

وفيه سليمان بن الأرقم، وهو متروك الحديث.

وممَّا احتجُّوا به حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، رواه الطَّبراني في «الأوسط» قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( صدقة الفطر على كلِّ إنسان مدَّان من دقيق أو قمح، ومن الشَّعير صاع، ومن الحلواء زبيب أو تمر صاع ) )وفيه اللَّيث بن حمَّاد وهو ضعيف. وسيجيء بقيَّة الكلام فيه في باب صاع من زبيب إن شاء الله تعالى [خ¦1508] .

وأمَّا الشَّعير والتَّمر فلا خلاف فيه أنَّه صاع، غير أنَّ ابن حزم لم يجوِّز صدقة الفطر إلَّا من الشَّعير والتَّمر، والحديث حجَّة عليه، وأمَّا الأقط فقال النَّووي اختلفوا في الأقط قيل لا يجزئه؛ لأنه لا يجب فيه العشر.

وقال الماوردي الخلاف فيه في أهل البادية، وأمَّا أهل الحضر فلا يجزئهم قولًا واحدًا، وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وقد اختلف قول الشَّافعي في الأقط.

وقال الشَّيخ تقي الدين في «شرح العمدة» قد صحَّ الحديث به، وهو يردُّ قول الشَّافعي، وقال النَّووي في «شرح مسلم» ويجزئ الأقط على المذهب. وعندنا تجوز صدقة الفطر بالأقط، وفي «التحفة» في الأقط تعتبر القيمة.

وقال مالك تجب صدقة الفطر من تسعة أشياء، وهي القمح والشَّعير والسلت والذُّرة والدخن والأرز والتَّمر والزبيب والأقط، وزاد ابن حبيب العدس، فصارتْ عشرة.

وأمَّا الزَّبيب ففيه خلاف في أنَّه صاع أو نصف صاع، قيل هذا الحديث حجَّة على أبي حنيفة حيث اكتفى في إخراج الزَّبيب بنصف صاع كما قال في القمح، وهذا رواية عن أبي حنيفة، والرِّواية الأخرى صاع، وقد تقدَّم.

فائدة وفي «الإمام» كان عثمان رضي الله عنه يعطي صدقة رمضان عن الخيل، وقال أبو قلابة كانوا يعطون حتَّى عن الخيل.

وقال الوبري لا تجب عن فرسه ولا عن غيره من الحيوانات غير الرَّقيق، وما روي عن عثمان رضي الله عنه وغيره فمحمول على التطوُّع، والله أعلم.

[1] من قوله (( العذري حليف. .. إلى قوله أبي صعير ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت