1508 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم
ج 7 ص 353
الميم وكسر النون وبالراء، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦195] (سَمِعَ يَزِيدَ) من الزيادة هو ابن أبي حَكيم بفتح المهملة (الْعَدَنِيَّ) بالمهملتين المفتوحتين وبالنون، مات سنة ست وأربعين ومائة (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية مالك بلفظ (( أنَّه سمع أبا سعيد رضي الله عنه ) ).
(قَالَ كُنَّا نُعْطِيهَا) أي صدقة الفطر (فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذا حكمُه حُكْمُ الرفع؛ لإضافته إلى زمنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه إشعار بأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطلع على ذلك وقرَّره، خصوصًا في هذه الصُّورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها وتفريقها.
(صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) قال الخطَّابي المراد بالطَّعام هنا الحنطة، وأنَّه اسم خاصٌّ له، ويدلُّ على ذلك ذكر الشَّعير وغيره من الأقوات والحنطة أعلاها، فلولا أنَّه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات، ولاسيَّما حيث عطف عليه بحرف أو الفاصلة.
وقال هو وغيره وقد كانت لفظة الطَّعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتَّى إذا قيل اذهب إلى سوق الطَّعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللَّفظ عليه؛ لأنَّ ما غلب استعمال اللَّفظ فيه كان خُطُوْرُه عند الإطلاق أغلب. انتهى.
وردَّ عليه ابن المنذر بأنَّ هذا غلط منه، وقال ظنَّ بعض أصحابنا أنَّ قوله في حديث أبي سعيد رضي الله عنه صاعًا من طعام، حجَّة لمن قال صاع من حنطة، وهذا غلط منه، وذلك أنَّ أبا سعيد رضي الله عنه أجمل الطَّعام، ثم فسَّره، ثم أكَّد كلامه بما رواه حفص بن ميسرة، عن زيد، عن عياض على ما يأتي في الباب الذي يلي هذا الباب [خ¦1510] ، وفيه «وكان طعامنا الشَّعير والزَّبيب والأقط والتَّمر» .
ويؤيِّد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال «لم تكن الصَّدقة على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا التَّمر والزَّبيب والشَّعير ولم تكن الحنطة» ، وأخرج الطَّحاوي نحوه من طريق أخرى عن عياض وقال فيه ولا يخرج غيره.
وفي قوله «فلمَّا جاء معاوية، وجاءت السَّمراء» دلالة على أنَّها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدلَّ على أنَّها لم تكن كثيرة ولا قوتًا، فكيف يتوهَّم أنَّهم أخرجوا
ج 7 ص 354
ما لم يكن موجودًا عندهم. انتهى.
ولمسلمٍ من وجه آخر عن عياض، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال «كنَّا نخرج من ثلاثة أصناف صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير» ، وكأنَّه سكت عن الزَّبيب في هذه الرِّواية لقلَّته بالنِّسبة إلى الثَّلاثة المذكورة، وهذه الطُّرق كلها تدلُّ على أنَّ المراد بالطَّعام في حديث أبي سعيد رضي الله عنه غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذُّرة، فإنَّه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهو قوت غالب لهم.
وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان، عن عياض في حديث أبي سعيد رضي الله عنه «صاعًا من تمر، صاعًا من سلت أو ذرة» .
وقال الكِرماني يحتمل أن يكون قوله صاعًا من شعير إلى آخره بعد قوله صاعًا من طعام، من باب عطف الخاص على العام، لكن محلُّ العطف أن يكون الخاصُّ أشرف، وليس الأمر هنا كذلك. وقال ابن المنذر أيضًا لا نعلم في القمح [1] خبرًا ثابتًا عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتمد عليه ولم يكن البرُّ بالمدينة في ذلك الوقت إلَّا الشَّيء اليسير منه، فلمَّا كثر في زمن الصَّحابة رضي الله عنهم رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمَّة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثمَّ أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عبَّاس وابن الزُّبير وأمُّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم بأسانيد صحيحةٍ أنَّهم رأوا في زكاة الفطر نصف صاع من قمح. انتهى. وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيَّة.
هذا، وقال الحافظ العسقلاني لكن حديث أبي سعيد رضي الله عنه دالٌّ على أنَّه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما، فلا إجماع في المسألة، خلافًا للطَّحاوي.
هذا، وتعقَّبه العيني بأنَّ الطَّحاوي روى أحاديث كثيرة عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أصحابه من بعده وعن تابعيهم في أنَّ صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع، وممَّا سوى الحنطة صاع، ثمَّ قال ما علمنا أحدًا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا من التَّابعين روي عنه خلاف ذلك، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك إذا كان قد صار إجماعًا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم إلى زمن التَّابعين كالنَّخعي ومجاهد وسعيد بن المسيَّب وغيرهم.
وقوله فلا إجماع في المسألة، سندُه في هذا أنَّ أبا سعيد وابن عمر رضي الله عنهم لم يوافقا على ذلك، ففيه أنَّ أبا سعيد رضي الله عنه لم يكن يعرف في الفطرة إلَّا التَّمر والشَّعير والأقط والزَّبيب.
والدَّليل
ج 7 ص 355
عليه ما روي عنه في رواية (( كنَّا نخرج على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ) )الحديث «لا نخرج غيره» .
وأمَّا ما في روايته الأخرى من قوله «صاعًا من طعام» ، فقد مرَّ أنَّه يتناول الأصناف التي ذكرناها في حديثه.
وجواب آخر أنَّ أبا سعيد رضي الله عنه إنَّما أنكر على معاوية على إخراجه المدين من قمح؛ لأنَّه ما كان يعرف القمح في الفطرة، وكذلك ما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وجواب آخر أنَّ أبا سعيد رضي الله عنه كان يخرج النِّصف الآخر تطوُّعًا.
وقال الحافظ العسقلاني أيضًا وكأنَّ الأشياء التي ثبتَ ذِكْرُها في حديث أبي سعيد رضي الله عنه لمَّا كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع تخالفها في القيمة، دلَّ على أنَّ المراد إخراج هذا المقدار من أيِّ جنس كان، بلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجَّة الشَّافعي ومن تبعه، وأمَّا من جعل نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناء منه على أنَّ قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثَّمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلِّ زمان مختلف الحال ولا تنضبط، وربَّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة.
ويدلُّ على أنَّهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابي في كتاب (( صدقة الفطر ) )أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما لمَّا كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيَّن لهم أنَّها صاع من تمر. إلى أن قال أو نصف صاع من بر قال فلمَّا جاء علي رضي الله عنه ورأى رخص أسعارهم قال اجعلوها صاعًا من كلٍّ. فدلَّ على أنَّه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل.
وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه ما كان عليه من شدَّة الاتباع والتمسُّك بالآثار وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النَّص.
هذا، وقال العيني مع وجود الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة في أنَّ الصَّدقة من الحنطة نصف صاع، كما سبقت، كيف يكون ذلك بالاجتهاد، وأبو سعيد رضي الله عنه هو الذي اجتهد حيث جعل الطَّعام برًا مع قوله «كنَّا نخرج على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير» . الحديث، «ولا نخرج غيره» ، ومع مخالفته الآثار التي فيها نصف صاع من بر كيف ترك العدول إلى الاجتهاد.
وقوله
ج 7 ص 356
مع وجود النَّص غير مسلم؛ لأنَّه لم يكن عنده نَصٌّ غير صاع من طعام، ولم يكن عنده نصٌّ صريح على أنَّ الصَّدقة من البر صاع.
فإن قيل كيف ذلك، وقد روى الحاكم حديثه وفيه «أو صاعًا من حنطة» ؟
فالجواب أنَّه ذكر ابن خزيمة أنَّ ذِكْرَ الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ، ولا أدري ممَّن الوهم، وقول الرَّجل له أو مدَّين من قمح، دال على أنَّ ذِكْرَ الحنطة في أوَّل الخبر خطأ ووهم، إذ لو كان صحيحًا لم يكن لقوله أو مدَّين من قمح، معنى.
(أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ) زاد مسلم في روايته (( فلم نزل نخرجه حتَّى قدم معاوية حاجًّا أو معتمرًا، فكلم النَّاس على المنبر ) )وزاد ابن خزيمة (( وهو يومئذٍ خليفة ) ) (وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ) بفتح السين المهملة وسكون الميم وبالراء الممدودة؛ أي القمح الشَّامي، وينطلق على كلِّ بر (قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ) وفي رواية مسلم (( أرى مدين من سمراء الشَّام ) )يعدل صاعًا من تمر، وزاد (( وقال أبو سعيد أمَّا أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت ) )، وله من طريق ابن عجلان عن عياض فأنكر ذلك أبو سعيد وقال لا أخرج [2] أبدًا إلا صاعًا )) والله أعلم.
[1] من قوله (( لكن محلُّ. .. إلى قوله في القمح ) )ليس في (خ) .
[2] من قوله (( وله من طريق. .. إلى قوله لا أخرج ) )ليس في (خ) .