1513 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ كَانَ الْفَضْلُ) بسكون الضاد المعجمة، هو ابن العبَّاس بن عبد المطَّلب الهاشمي أبو عبد الله، ويقال أبو محمَّد، ويقال أبو العبَّاس المدني، وأمه أمُّ الفضل، لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية، وكان شقيق عبد الله بن عبَّاس، قيل لم يسمع منه سوى أخيه عبد الله وأبي هريرة رضي الله عنهما، ومن عداهما فروايته عنه مرسلة، قتل يوم اليرموك في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وقيل قتل بدمشق.
وقال ابن سعد كان أسن ولد عبَّاس خرج إلى الشَّام مجاهدًا، فمات بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، في خلافة عمر رضي الله عنه. وقال الواقدي مات بالشَّام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة.
(رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) غداة النَّحر من المزدلفة إلى منى، وعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما قدَّمه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ضَعَفة أهله من جمع بليل،
ج 7 ص 368
فقد دلَّ ذلك على أنَّ عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما لم يحضر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك الحال، وإنَّما سمع ذلك من الفضل كما جاء في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال «وأخبرني الفضل أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة» .
وكذلك روى مسلم قال حدَّثني علي بن خشرم قال أخبرنا عيسى، عن ابن جريج، عن ابن شهاب قال حدَّثنا سليمان بن يسار، عن ابن عبَّاس، عن الفضل أنَّ امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إنَّ أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحجِّ، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعير، فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فحجِّي عنه ) ).
وأخرج مسلم أيضًا عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحو رواية البخاري قال التِّرمذي فسألت محمَّدًا عن هذه الرِّوايات فقال أصحُّ شيء في هذا ما روي عن ابن عبَّاس، عن الفضل بن عبَّاس، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال محمَّد؛ يعني البخاري ويحتمل أن يكون ابن عبَّاس رضي الله عنهما سمعه من الفضل أو غيره عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثمَّ روى هذا فأرسله، ولم يذكر الذي سمعه منه، ثمَّ إنَّ الرَّديف هو الذي يركب وراء الراكب.
وقد جمع ابن منده الأصبهاني كتابًا فيه أسماء من أردفه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معه على الدَّابة فبلغ نيفًا وثلاثين رجلًا.
(فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة، هي قبيلة باليمن، وفي رواية . وهاتان القبيلتان لا تجتمعان؛ لأنَّ جهينة هو ابن زيد بن ليث بن أسود بن أسلم بن الحارث بن قضاعة. وخثعم هو ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان.
وفي «التَّوضيح» هذه المرأة يجوز أن تكون غايثة أو غاثية، بالغين المعجمة، فيهما. ثمَّ إنَّه قد اختلفت طرق الأحاديث في ذلك هل السَّائل امرأة أو رجل، وهل المسئول عنه أيضًا أن يُحَجَّ عنه أب أو أم أو أخ، فأكثر طرق الأحاديث الصَّحيحة دالَّة على أنَّ السَّائل امرأة، وأنَّها سألت عن أبيها، كما هو في أكثر طرق حديث الفضل، وأكثر طرق عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم.
وكذلك في حديث عليٍّ رضي الله عنه قال «وقف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرفة» الحديث وفيه
ج 7 ص 369
«فاستفتته جارية شابَّة من خثعم فقالت إنَّ أبي شيخ كبير» . الحديث. وفي رواية للنَّسائي في حديث الفضل أنَّ السَّائل رجل سأل عن أمِّه.
وفي «صحيح ابن حبَّان» في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ السائل رجل سأل عن أبيه. وعند النَّسائي أيضًا أنَّ امرأة سألته عن أبيها مات ولم يحج.
وفي حديث بريرة أنَّ امرأة سألت عن أمِّها، أخرجه التِّرمذي، وفي حديث حصين بن عوف رواه ابن ماجه، وكذا في حديث أبي رزين العقيلي، أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وكذا في حديث سودة رواه أحمد في «مسنده» ، وكذا في حديث عبد الله بن الزُّبير أخرجه النَّسائي أنَّ السَّائل رجل سأله عن أبيه، وفي حديث سنان بن عبد الله أنَّ عمَّته حدَّثته. الحديث، رواه الطَّبراني، وفيه «أنَّها أتت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت يا رسول الله! توفِّيت أمِّي» . الحديث.
والجمع بين هذه الرِّوايات ما قاله الشَّيخ زين الدِّين أنَّ السُّؤال وقع مرات مرَّة من امرأة عن أبيها، ومرَّة من امرأة عن أمِّها. فأمَّا اسم السَّائل من الرِّجال فقد سمِّي منهم حصين بن عوف كما ذكره ابن ماجه، وأبو رزين لقيط بن عامر كما هو عند أصحاب السُّنن.
وأمَّا من النِّساء فلم يسم منهن واحدة إلَّا أن في رواية سنان بن عبد الله أنَّ عمته حدَّثته أنَّها أتت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يسمِّ عمته. والمرأتان اللَّتان ذكرتا في الحجِّ سألتا عن الميِّت لا عن المعضوب، وهو، بالعين المهملة و_الضاد المعجمة _ الزَّمِنِ الذي لا حراك به.
(فَجَعَلَ) من أفعال المقاربة التي وضعت لدنو الخبر على وجه الشُّروع فيه، والأخذ في فعله (الْفَضْلُ) بالرفع اسم جَعَل، وخبره قوله (يَنْظُرُ إِلَيْهَا) أي إلى المرأة المذكورة (وَتَنْظُرُ) أي المرأة المذكورة (إِلَيْهِ) أي إلى الفضل، وكان جميلًا، ففيه مغالبة طباع البشر على بني آدم وضعفهم عمَّا ركب فيهم من الشَّهوات.
(وَجَعَلَ النَّبِيُّ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ) بكسر الشين وتشديد القاف؛ أي الجنب الآخر، وفيه أن العَالِم يُغَيِّر ما أمكنه إذا رآه، واستدل ابن المنذر من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كان الفضل رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرفة، فجعل الفضل يلاحظ النِّساء وينظر إليهنَّ فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يا ابن أخي هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ) )،
ج 7 ص 370
ولم ينقل أنَّه نهى المرأة عن النَّظر إليه.
ويحتمل أن يكون الشَّارع اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنَّها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛ لأنَّ حكمهما واحد، أو كان ذلك الموضع محل النَّظر إلى وجهه الكريم فلم يصرف نظرها.
وقال الدَّاودي فيه احتمال أن ليس على النِّساء غضُّ أبصارهن عن وجوه الرِّجال إنَّما يغضضنَ عن عورتهم، وذهب ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم إلى أنَّ المراد في قوله تعالى {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الآية [النور 31] الوجه والكفان. وقال بعض المالكيَّة ليس على المرأة تغطية وجهها؛ لأنَّه محل إحرامها.
أقول بل على المرأة كشف وجهها في الإحرام، وهو إجماع، كما حكاه أبو عمر إلَّا أنَّها لو سدلت ثوبًا على وجهها جاز. ثمَّ إنَّ صرف وجه الفضل بالفعل أقوى من الأمر، وفيه أنَّ العالم إذا رأى منكرًا يغيِّره حسبما أمكنه، والله أعلم.
(فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا) نصب على الحال، وقوله (كَبِيرًا) صفته، وقوله (لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) في محل النصب على الحال أيضًا، ويجوز أن يكون صفة لشيخًا أيضًا؛ يعني أنَّه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ، وله مال في هذه الحال (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ) بهمزة الاستفهام والفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة؛ أي أأنوب عنه فأحج.
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الحاء وكسرها، وسمِّيت بذلك؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودَّع النَّاس فيها وليست هذه الإضافة للتَّقييد؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحجَّ بعد الهجرة إلَّا حجَّة واحدة وهي هذه الحجة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة بأنَّه يدلُّ على تأكيد الأمر بالحجِّ حتَّى إنَّ المكلَّف لا يعذر بتركه عند عجزه عن المباشرة بنفسه، بل يلزمه أن يستنيبَ غيره، وهذا يدلُّ على أنَّ في مباشرته فضلًا عظيمًا، وسيأتي باب مستقل في فضل الحجِّ إن شاء الله تعالى [خ¦1519] ، ثمَّ إنَّه يجوز الحج عن الغير إذا كان معضوبًا كما دلَّ عليه هذا الحديث، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثَّوري والشَّافعي وأحمد وإسحاق.
وقال مالك واللَّيث والحسن بن صالح لا يحجُّ أحد عن أحد إلَّا عن ميِّت لم يحج حجة الإسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال مشهورها وهو أنَّه لا يجوز، وثانيها يجوز من الولد، وثالثها يجوز إن أوصى به. وعن النَّخعي وبعض السَّلف لا يصحُّ الحج عن ميِّت،
ج 7 ص 371
ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك وإن أوصى به.
وفي «مصنَّف» ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال لا يحجُّ أحد عن أحد، وكذا قال إبراهيم النَّخعي، وقال الشَّافعي والجمهور يجوز الحج عن الميِّت عن فرضه ونذره، سواء أوصى به أو لم يوص، وهو واجب في تركته.
وقال صاحب «التَّوضيح» وعندنا يجوز الاستنابة في حجَّة التطوُّع على أصحِّ القولين، والحديث حجَّة على الحسن بن حي في قوله إنَّ المرأة لا تجوز أن تحجَّ عن الرَّجل، وهو حُجَّة لمن أجازه.
وقال الخطَّابي فيه جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا ولم يجزه مالك، وهو راوي الحديث وهو حجَّة عليه.
وقال «صاحب الهداية» الأصل أنَّ الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صدقة أو صومًا أو غيرها عند أهل السنَّة والجماعة لما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أنَّه ضحَّى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمَّته» ، والعبادات أنواع ماليَّة محضة كالزَّكاة، وبدنيَّة محضة كالصَّلاة، ومركَّبة منهما كالحجِّ.
والنِّيابة تجري في النَّوع الأوَّل، ولا تجري في الثَّاني بحال، وتجري في النَّوع الثَّالث عند العجز ولا تجري عند القدرة، والشَّرط العجز الدَّائم إلى وقت الموت، وظاهر المذهب أنَّ الحج يقع عن المحجوج عنه لحديث الخثعمية.
وعند محمَّد أنَّ الحج يقع عن الحاج، وللآخِر ثواب النَّفقة. وقال ابن بطَّال اختلفوا في المريض يأمر بمن يحجَّ عنه ثمَّ يَصحُّ بعد ذلك، فقال الكوفيُّون والشَّافعي وأبو ثور لا يجزئه وعليه أن يحج. وقال أحمد وإسحاق يجزئه الحج عنه، وكذا من مات من مرضه وقد حجَّ عنه، فقال الكوفيُّون وأبو ثور يجزئه عن حجَّة الإسلام. وللشَّافعي قولان أحدهما هذا، والآخر لا يجزئ عنه، وهو أصح القولين.
وقال ابن عبد البر اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، فإنَّ جماعة منهم ذهبوا إلى أنَّ الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن يتعدَّى به إلى غيره، بدليل قوله تعالى {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} الآية [آل عمران 97] ، وكان أبوها ممَّن لا يستطيع، فلم يكن عليه الحج، فلمَّا لم يكن عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواز. وممَّن قال بذلك مالك وأصحابه؛ لأنَّ الحج عندهم كما مرَّ
ج 7 ص 372
من عمل البدن فلا ينوب فيه أحد قياسًا على الصَّلاة.
وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمَّد العدوي أنَّ امرأة قالت إنَّ أبي شيخ كبير فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( حجِّي عنه وليس بعده ) )، وكذا رواه محمَّد بن حبَّان الأنصاري أنَّ امرأة قالت الحديث، وفيه (( ليس لأحدٍ بعده ) )وضعَّفهما بالإرسال وغيره.
وقال ابن التِّين الاستطاعة أن يقدر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة فمن كان عادته السَّفر ماشيًا لزمه أن يمشيَ، وإن لم يجد راحلة، ومن كان عادته تكفُّف النَّاس وأمكنه التوصُّل به لزمه، وإن لم يجد زادًا، ومن كان عادته الرُّكوب والغنى عن النَّاس لم يلزمه حج إلَّا أن يوجد ذلك.
وقال ابن بطَّال وإلى هذا ذهب ابن الزُّبير وعكرمة والضَّحاك، وعند أبي حنيفة والشَّافعي لا يلزم إلَّا ومن وجد زادًا وراحلة، وهو قول الحسن ومجاهد وابن المسيَّب وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون، وظاهر قول ابن حبيب.
وقال القرطبي مالك وأصحابه رأوا أنَّ ظاهر حديث الخثعمية مخالف لقوله تعالى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} الآية [آل عمران 97] وأنَّ الأصل في الاستطاعة هي القوة بالبدن قال تعالى {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} الآية [الكهف 97] ؛ أي ما قدروا ولا قووا.
وإذا قال القائل فلان يستطيع أو مستطيع، فالظَّاهر منه السَّابق إلى الفهم هي القدرة، فلمَّا عارض ظاهر الحديث القرآن العزيز رجَّح مالك ظاهر القرآن.
والجواب عنه أنَّ حديث الزَّاد والرَّاحلة، روي عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير وجه منها صحيح ومنها حسن. وما قاله ابن حزم من أنَّ الأخبار في ذلك في أحدها إبراهيم الجوزي، وهو ساقط مطروح، وفي الثَّاني الحارث الأعور وهو مذكور بالكذب، والثَّالث مرسل ولا حجَّة فيه، والرِّوايات في ذلك عن الصَّحابة واهية كلها.
وتبعه على ذلك ابن العربي وغيره ففيه أنَّ حديث أنس رضي الله عنه الذي مضى ذكره في أوَّل باب وجوب الحجِّ قبل رقم [خ¦1513] أخرجه الحاكم على شرط مسلم، وهو حديث صحيح ومتَّصل.
وقد ذكره الدَّارقطني من حديث حصين بن مخارق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس رضي الله عنه مسندًا بلفظ
ج 7 ص 373
يا رسول الله ما السَّبيل؟ قال (( الزَّاد والرَّاحلة ) )، فإذا فَسَّر الحديثُ الاستطاعةَ في الآية وهو مبيِّن عن الله تعالى سقط عدم اعتبار الزَّاد والرَّاحلة في الاستطاعة، لا يقال إنَّ المراد بالحديث وما نقل عن السَّلف في ذلك محمول على التَّغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحجَّ؛ لأنَّ المراد به التَّشريع ما لم يصرف عنه صارف، ولا صارف هنا، كما لا يخفى على من تأمَّل.
وفي الحديث أيضًا أنَّه يجوز للرَّجل أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج؛ لإطلاق الحديث؛ إذ لم يسألها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه هل حَجَجْتِ أولًا، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية. ويحكى ذلك عن الحسن وإبراهيم وأيُّوب وجعفر بن محمَّد.
وقال الأوزاعي والشَّافعي وإسحاق ليس لمن لم يحجَّ حجة الإسلام أن يحج عن غيره، فإن فعل وقع إحرامه عن حجَّة الإسلام.
وقال عبد العزيز يقع الحج باطلًا، ولا يصحُّ عنه ولا عن غيره، وروي ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وفي مسند الشَّافعي «بسنده» إلى عبد الله بن أبي أوفى قال «سألته عن الرَّجل لم يحجَّ أيستقرض الحج؟ قال لا» .
واحتجُّوا بما رواه أبو داود عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع رجلًا يقول لبَّيك عن شبرمة فقال (( من شبرمة؟ ) )قال أخ لي أو قريب لي، فقال (( حججت عن نفسك؟ ) )قال لا، قال (( حجَّ عن نفسك وحجَّ عن شبرمة ) ).
وروي أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا صَرُورة في الإسلام ) ).
والجواب عنه ما قاله الطَّحاوي أنَّ حديث شبرمة مطول، والصَّحيح أنَّه موقوف على ابن عبَّاس رضي الله عنهما، والذي يصح في هذا المعنى عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه سئل عن رجل لم يحجَّ أيحج عن غيره؟ فقال (( دين الله عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يقضيه ) )، وليس فيه أنَّه لو أحرم عن غيره كان ذلك الإحرام عن نفسه.
وقال بعضهم إنَّه محمول على النَّدب؛ كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ابدأ بنفسك ثمَّ بمن تعول ) )ويكون حديث شبرمة موقوفًا.
قال جمع كثير من المحدِّثين منهم البخاري على ما قاله الأثرم إنَّه قال رفعه عبدة بن سليمان وهو خطأ، وما قاله ابن قطَّان بأنَّ الرَّافعين له ثقات فلا يضرُّهم وقف الواقفين
ج 7 ص 374
له إمَّا لأنَّهم حفظوا ما لم يحفظوه، وإمَّا لأن الواقفين رووا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وأولئك رواته أيضًا.
ففيه أنَّ هذا الحديث ممَّا يعلم بالضَّرورة توقيفه؛ لأنَّ الحجَّ إنَّما كان في سنة عشر سنة حجة الوداع، وقد سمع الرَّجل لبَّى عن غيره في تلك الحجَّة، فكيف يسوغ قوله (( أحججت عن نفسك ) )أيحج أحد إلى غير البيت، وفي غير ذلك الوقت، فليتأمَّل.
وأمَّا قوله (( لا صَرُورة في الإسلام ) )فقال الخطَّابي إنَّ الصرورة هو الذي أقلع عن النِّكاح بالكليَّة، وأعرض عنه كرهبان النَّصارى، وله معنى آخر وهو أنَّه الذي لم يحج، فيكون معناه أنَّ سنة الدين أن لا يبقى من النَّاس من يستطيع الحج إلا ويحجَّ، وهذا ليس فيه دلالة على أنَّ من لم يحجَّ عن نفسه لا يحجَّ عن غيره.
وقال النَّووي هذا مبنيٌّ على أنَّ الحج على الفور أو التَّراخي؟ فذهب الشَّافعي إلى أنَّه على التَّراخي، وبه قال الأوزاعي والثَّوري ومحمَّد بن الحسن وهو المروي عن ابن عبَّاس وأنس وجابر رضي الله عنهم، وكذا عن عطاء وطاوس.
وقال مالك وأبو يوسف هو على الفور، وهو قولُ المزني وقول جمهور أصحاب أبي حنيفة ولا نصَّ لأبي حنيفة رحمه الله في ذلك.
وقال أبو يوسف مذهبه يقتضي أنَّه على الفور وهو الصَّحيح، ذكره الطَّرطوشي واحتج له بما رواه الحاكم من حديث مهران بن صفوان، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما يرفعه (( من أراد الحج فليعجِّل ) ). وقال أبو زرعة مهران لم يعرف. وقال الحاكم كان مولى لقريش ولا يعرف بجرح. وذكره ابن حبَّان في «الثقات» ، وصحَّح حديثه أيضًا أبو محمَّد الإشبيلي، وفي لفظ لأبي داود من حديث إسماعيل بن إسحاق بن أبي إسحاق الملائي، وفيه لين، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله أو عن الفضل أو أحدهما عن الآخر، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من أراد الحج فليعجِّل، فإنَّه قد يمرض المريض وتضلُّ الضَّالة وتعرض الحاجة ) ).
وفي «مسند أحمد» تعجَّلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإنَّ أحدكم لا يدري ما يعرض له. واحتجَّ للشَّافعي وأصحابه بأنَّ فريضة الحج نزلت بعد الهجرة، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان، فأقام عتاب للنَّاس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقيمًا بالمدينة ومعه عامة أصحابه، ثمَّ غزا تبوك سنة تسع ولم يحج، وكان انصرافه عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر رضي الله عنه، فأقام للنَّاس الحج تلك السَّنة، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 7 ص 375
معتمر هو وأصحابه مع القدرة على الحجِّ، ثم حج سنة عشر فدلَّ على جواز التَّأخير.
وفي الحديث دليل أيضًا على أنَّ المرأة يجوز لها أن تحجَّ عن الرَّجل، وهو حجَّةٌ على الحسن بن حي في منعه ذلك. وفيه برُّ الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء الدُّيون وغيره.
وفيه جواز أن يقال حجَّة الوداع بدون كراهة، وفيه أيضًا جواز الإرداف إذا كانت الدَّابة مطيقة، والإرداف للسَّادة والرؤساء سائغ، ولاسيَّما في الحجِّ لتزاحم النَّاس، ولأنَّ الرُّكوب فيه أفضل، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه المؤلِّف في المغازي [خ¦4399] ، وفي الاستئذان أيضًا [خ¦6228] ، وأخرجه مسلم في الحج وكذا أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي وابن ماجه.