1514 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) أبو عبد الله التُّستري، المصري الأصل، ولكنَّه كان يتجر إلى تستر فنسب إليها، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ بنسبته إلى أبيه، ووافقه أبو عليٍّ الشَّبوي وأهمله الباقون، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله بن وهب المصري (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يزيد الأيلي.
وقال صاحب «التَّلويح» والذي رأيتُ في مسند عبد الله بن وهب رواية يونس بن عبد الأعلى عنه أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال «سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يهلُّ مُلَبِّدًا» .
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ) والرَّاحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار ذكرًا أو أنثى، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرَّجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرِفَت.
(بِذِي الْحُلَيْفَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتانية وبالفاء، هي شجرة وذو الحليفة موضعها يُحرِمُ منها أهل المدينة، وهي من المدينة على أربعة أميال، أو على ستَّة أميال، ومن مكَّة على مائتي ميل غير ميلين.
وقيل بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل ثلث فرسخ؛ أربعة آلاف ذراع، وبذي الحليفة عدَّة آبار ومسجدان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد الكبير الذي يحرم النَّاس منه، والمسجد الآخر مسجد المُعَرَّس.
وقال ابن التِّين هي أبعد المواقيت من مكَّة تعظيمًا لأجر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(ثُمَّ يُهِلُّ) بضم الياء وكسر الهاء، من الإهلال، وهو رفع الصَّوت بالتَّلبية
ج 7 ص 379
(حَتَّى تَسْتَوِيَ) أي الرَّاحلة (بِهِ قَائِمَةً) نصب على الحال.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ فيه ذِكْر الركوب وذِكْرَ الفج؛ أمَّا الرُّكوب فظاهر، وأمَّا الفج فإنَّه لا شكَّ أنَّ بين ذي الحليفة ومكَّة عشر مراحل، وهو فجٌّ عميق، وبهذا سقط اعتراض الإسماعيلي بأنَّه ليس في الحديث شيء ممَّا ترجم الباب به.
وفي الحديث جواز الرُّكوب في سفر الحجِّ، والرُّكوب فيه والمشي سواء في الإباحة، وفي الأفضليَّة خلاف؛ فقال قوم الرُّكوب أفضل اتباعًا للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولفضل النَّفقة فيه كالنَّفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد من حديث بريدة، وصحَّح جماعة أنَّ المشي أفضل، وبه قال إسحاق؛ لأنَّه أشدُّ على النَّفس.
وفي حديثٍ صحَّحه الحاكم من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا (( من حجَّ إلى مكَّة ماشيًا حتَّى رجع كُتِبَ له بكلِّ خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل وما حسنات الحرم؟ قال كلُّ حسنة بمائة ألف حسنة ) ).
وروى محمَّد بن كعب، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال ما فاتني شيء أشدُّ عليَّ إلَّا أن أكون حججت ماشيًا؛ لأنَّ الله تعالى يقول {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} الآية [الحج 27] ؛ أي ركبانًا فبدأ بالرِّجال قبل الرُّكبان.
وذكر إسماعيل بن إسحاق، عن مجاهد قال أُهْبِطَ آدمُ بالهند فحجَّ على قدميه أربعين حجَّة. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنَّ إبراهيم وإسماعيل عليهما الصَّلاة والسَّلام حجَّا ماشيين.
وحجَّ الحسن بن علي رضي الله عنهما خمسةً وعشرين حجَّة ماشيًا وإنَّ الجنائب لتقاد بين يديه. وفعله ابن جريج والثَّوري. وفي «المستدرك» من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال حجَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابُه مشاة من المدينة إلى مكَّة، ثمَّ قال (( «اربطوا على أوساطكم بِأُزُرِكُم» ومَشَى خِلْطَ الهَرْوَلة ) )، ثمَّ قال صحيح الإسناد. ولا ينافي تلبيته حين استوت راحلته مشيَه بعده.
وفي الحديث أيضًا أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهلَّ حين استوت راحلته قائمة، واستواؤُها كمال قيامها، وبه احتجَّ مالك وأكثر الفقهاء على أن يهلَّ الرَّاكب إذا استوت به راحلته قائمة. واستحبَّ أبو حنيفة رحمه الله أن يكون إهلالُه عقيب الصَّلاة إذا سلَّم منها.
وقال الشَّافعي يهل إذا أخذت ناقته في المشي، ومن كان يركب راحلته قائمة كما يفعل
ج 7 ص 380
كثيرٌ من الحاج اليوم فيهلُّ على مذهب مالك إذا استوى عليها راكبًا، وقال القاضي عياض جاء في رواية «أهلَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا استوت به النَّاقة» . وفي رواية أخرى (( حتَّى استوت به راحلته ) )، وفي أخرى (( حتَّى تنبعث به ناقته ) )، ولا يفهم منه أَخْذها في المشي.
وقال أكثر أصحاب مالك يستحبُّ أن يهلَّ إذا استوت به ناقته إن كان راكبًا، وإن كان راجلًا فحين يأخذ في المشي، وقال الشَّافعي إن كان راكبًا فكذلك.