فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 11127

13 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) على صيغة المفعول، من التَّسديد، هو أبو الحسن ابن مُسَرْهد بن مُسَرْبل بن مُغربل بن مُرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك ابن مستورد الأسدي البصري، فالخمسة الأُولى كلها بلفظ المفعول من سرهدْتُه؛ أي أحسنت غذاءه وسمَّنته، وسربلتُه؛ أي ألبسته القميص، وغربلتُه أي قطَّعته، ورعبلته أي مزَّقته، والثلاثة الباقية الأخيرة لعلَّها أعجميات، وكلها بالدال المهملة والنون والراء، وكذا السين والعين مهملتان، وقيل إعجام العين، هو الصَّحيح.

قال أحمد بن عبد الله كان أحمدُ بن حنبل يسألني عن اسمه ونسبه، فيقول يا أحمدُ هذه رُقية العقربِ. وهو من ثقاتِ أهل البصرة سمع حمَّاد بن زيد وابن عُيينة ويحيى القطان. وروى عنه أبو حاتم الرَّازي وأبو داود ومحمد بن يحيى الذُّهلي وأبو زرعة وغيرهم.

توفي في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد بن فَرُّوخ _ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة آخره خاء معجمة _ غير منصرف؛ للعلميَّة والعجمة، القطان الأحول التَّميمي مولاهم البصري، يكنى أبا سعيد الإمام الحجة المتَّفق على جلالته، وتوثيقه وتميُّزه في هذا الشأن، سمع يحيى بن سعيد الأنصاري المذكور في حديث (( إنما الأعمال بالنيات ) )ومحمد بن عجلان وابن جريج والثَّوري وابن أبي ذئب ومالكًا وشعبة وغيرهم. وروى عنه الثوري وابن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد ويحيى بن معين وآخرون.

قال أحمد بن حنبل ما رأيت مثله في كل أحواله، وقال إليه المنتهى بالبصرة. وقال ابنُ معين أقام يحيى عشرين سنة يختم القرآن في كلِّ ليلة ويوم، ولم يفته الزَّوال في المسجد أربعين سنة. وقال قال لي عبد الرَّحمن بن مهدي لا ترى بعينك مثل يحيى.

وقال ابنُ منجُويَه كان يحيى من سادات أهل زمانهِ حفظًا وورعًا وفهمًا وفضلًا، وهو الذي مهَّد لأهل العراق رَسْمَ الحديث، وأمعن النظر في البحث عن الثِّقات وترك

ج 1 ص 187

الضُّعفاء.

ونُقِل أنَّه كان يصلي العصر، ثمَّ يستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وابن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث، وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، ولا يقول لأحد منهم اجلس، ولا يجلسون؛ هيبةً له وإعظامًا.

ولد سنة عشرين ومائة، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة.

روى له أصحاب الكتب الستة.

(عَنْ شُعْبَةَ) السابق ذكره (عَنْ قَتَادَةَ) بفتح القاف، ابن دِعامة _ بكسر الدال _ ابن قتادة السدوسي البصري، أبو الخطاب الأكمه، وسَدوس _ بفتح السين المهملة _ أحد أجداده، سمع أنس بن مالك وعبد الله بن سرجس وأبا الطُّفيل عامرًا من الصَّحابة وسمع سعيد بن المسيب والحسن ومحمد بن سيرين وغيرهم. وروى عنه سليمان التَّيمي وأيُّوب السَّختياني والأعمش وشعبة والأوزاعي وخلق كثير، أجمع على جلالتهِ وحفظه وتوثيقه وإتقانهِ وفضله، وُلد أعمى.

وقال الزمخشريُّ في (( الكشاف ) )يقال لم يكن في هذه الأمَّة أكمه؛ أي ممسوح العين غير قتادة السدوسي صاحب التفسير. وقال ابنُ المسيب ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة.

وجاء رجلٌ إلى ابن سيرين فقال رأيتُ حمامة التقمتْ لؤلؤة، فَخَرَجَتْ أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة التقمت لؤلؤة فَخَرَجَتْ أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة التقمت لؤلؤة فَخَرَجَتْ كما دخلت، فقال ابن سيرين الأُولى الحسن يسمع الحديث ثم يصل فيه من مواعظه، والثانية محمد بن سيرين ينتقص منه ويشك، والثالثة قتادة فهو أحفظ الناس.

توفي بواسط سنة سبع عشرة ومائة، وقيل ثمان عشرة ومائة، وهو ابن ست أو سبع وخمسين.

(عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك بن النضر _ بالضاد المعجمة الساكنة _ ابن ضَمضَم _ بفتح المعجمتين _ الخزرجي الأنصاري، يُكنى أبا حمزة، خادم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، وكان أكثر الصَّحابة ولدًا، وقالت أمه يا رسول الله خُويدِمُكَ أنس ادع الله له، فقال (( اللهم بارك في ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه ) )فقال لقد دفنت من صلبي مائة إلَّا اثنين.

وكان له بستان يَحملُ في السنة مرَّتين، وفيه ريحانٌ يجيء منه ريحُ المسك. وقال لقد بقيت حتى سَئِمتُ من الحياة، وإني لأرجو الرابعة.

قيل عمَّر مائة سنة وزيادة،

ج 1 ص 188

وهو آخر من مات من الصَّحابة بالبصرة، وغسَّله محمد بن سيرين سنة ثلاث وتسعين زمن الحجَّاج، ودفن في قصرهِ على نحو فرسخ ونصف من البصرة، ويقال إنما كُنِّي بأبي حمزة ببغلة كان يحبُّها.

روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، اتَّفقا على مائة وثمانية وستين منها، وانفرد البُخاري بثلاثة وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وتسعين حديثًا.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم) ثمَّ عطف على قوله عن شعبة قوله (وَعَنْ حُسَيْنٍ) بالتنوين، هو ابن ذَكوان (الْمُعَلِّمِ) البصري سمع عطاء ابن رباح وقتادة وآخرين. وروى عنه شعبة وابن المبارك ويحيى القطان. قال يحيى بن معين وأبو حاتم ثقة.

روى له الجماعة.

(قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) السابق ذكره، والتَّقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعهما؛ لأنَّ شيخه أفردهما، فأفرده المؤلف أيضًا معطوفًا اختصارًا، ولأنَّ شعبة قال عن قتادة، وقال حسين حدَّثنا قتادة. وأغربَ بعض المتأخرين فزعم أنَّ طريق حسين معلَّقة وهو غلط، فقد رواه أبو نُعيم في (( مستخرجه ) )من طريق إبراهيم الحربي عن مسدَّد شيخ المؤلِّف عن يحيى القطان، عن حُسين المعلِّم، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه.

وأبدعَ الكرماني كعادته حيث جوَّز أن يكون تعليقًا من المؤلف، والطَّريق بَيْن حسين وبين البخاري غير طريق مسدَّد، فعلى هذا يكون ذِكره على سبيلِ المتابعة. وجوَّز أيضًا أن يكون معطوفًا على قتادة فيكون شعبة رواه عن حُسين، عن قتادة. هذا وينفر عنه من مارس شيئًا من علم الإسناد على ما قاله العسقلانيُّ.

ثم إنَّ المتن الذي سِيق هنا هو لفظ شعبة، وأما لفظُ حسين فهو (( لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره ) ). وللإسماعيلي من طريق رَوْح عن حسين (( حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ) )فبيَّن المراد بالأخوة، وعيَّن جهة الحب.

قيل قتادة مدلِّس ولم يصرح بالسَّماع عن أنس. وأُجيب بأنَّه قد صرَّح أحمد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تُهمة تدليسهِ.

(عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك، كما في رواية رضي الله عنه. ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ رواة حديث الباب كلهم بصريون، وإسنادُ الحديث السَّابق كلهم كوفيون. والَّذي قبله كلهم مصريون؛ فوقع التَّسلسل في الأبواب الثلاثة

ج 1 ص 189

على الولاء. ومنها أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها أنَّ هذين إسنادان موصولان.

وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي.

(عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم قَالَ لا يُؤْمِنُ) أي أحدكم كما ثبت في بعض نسخ البخاري، أو عبد كما وقع في إحدى روايتي مسلم، أو أحد كما وقع في بعض الروايات أيضًا؛ أي الإيمان الكامل؛ لأنَّ أصل الإيمان لا يزولُ بزوال المحبَّة الآتية، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم.

يقولون فلانٌ ليس بإنسان ولا يلزم منه أن يكون من حصلت له هذه المحبة مؤمنًا كاملًا وإن لم يأت ببقية الأركان؛ لأنَّه وارد مورد المبالغة كأنَّ الركن الأعظم فيه هذه المحبَّة، أو هي مستلزمة لها، أو يلتزم ذلك لصدقهِ في الجملة، وهو عند حصول سائر الأركان، إذ لا عموم للمفهوم. أو يُستفاد من قوله لأخيه، ملاحظة بقيَّة صفات المسلم.

وقد صرَّح ابن حبَّان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلِّم بالمراد، ولفظه (( لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان ) ). ومعنى الحقيقة هنا الكمال ضرورة أنَّ من لم يتَّصف بهذه الصِّفة لا يكون كافرًا.

(حَتَّى) جارَّة لا عاطفة، ولا ابتدائية، وما بعدها خلاف ما قبلها وأن بعدها مُضمرة، ولذا نصب قوله (يُحِبَّ) ولا يجوز رفعه هاهنا؛ لأنَّ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبَّة (لأَخِيهِ) المسلم، كما وقع في رواية الإسماعيلي، وكذا المسلمة.

قال القسطلانيُّ ويحتمل أن يكون قوله لأخيه شاملًا لأهل الذِّمَّة أيضًا بأن يحبَّ له الإسلام مثلًا. ويؤيِّده حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم (( من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهنَّ، أو يعلِّم من يعمل بهنَّ ) )فقال أبو هريرة أنا يا رسولَ الله، فأخذَ بيدي فعدَّ خمسًا، فقال (( اتَّق المحارم تكن أعبدَ النَّاس، وارضَ بما قسم لك تكنْ أغنى النَّاس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للنَّاس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا ) ). رواه التِّرمذي وغيره، وإن كان في إسناده ضعفٌ. انتهى، فتأمل.

(مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أي مثل ما يحب لنفسه من الخير، كما وقع في رواية الإسماعيلي أيضًا، والخير كلمةٌ جامعةٌ تعمُّ الطَّاعات والمباحات الدُّنيويَّة والأخرويَّة، ولا تتناول المنهيَّات، وإنما قدَّرنا المثل؛ لأنَّ عين ذلك المحبوب يستحيلُ أن يحصلَ في محلين، وليس المراد أن يحصلَ لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه، ثمَّ المحبَّة إرادة ما يعتقدُه خيرًا.

قال النَّووي أصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ثمَّ الميل قد يكون بما يستلذُّه بحواسِّه كحسن الصُّورة، وبما يستلُّذه بعقلهِ كمحبَّة الفضل والكمال، وقد يكون لإحسانهِ إليه، ودفع المضارِّ عنه. انتهى.

وقال العسقلاني والمراد بالميل هنا الاختياري دون الطَّبيعي والقسري.

هذا وقال القاضي عياض المرادُ من قوله عليه السلام (( حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )أن يحبَّ لأخيه من الطَّاعات والمباحات ما يحب لنفسه، وظاهره يقتضي التسوية وحقيقته تستلزم التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين وكذلك الإنسان يحب

ج 1 ص 190

أن ينتصف من حقِّه ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى الانتصاف في نفسه.

وقد رُوي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض أنَّه قال لسفيان بن عُيينة إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك فما أدَّيت لله الكريم نصحه فكيف وأنت تَوَدُّ أنهم دونك.

هذا ولذلك عُدَّ هذا من الصَّعب الممتنع. وأجاب عنه العسقلاني بأن المراد هو الزجر عن هذه الإرادة؛ لأنَّ المقصود الحث على التواضع فلا يحب أن يكون أفضل من غيره فهو مستلزم للمساواة.

ويستفاد ذلك من قوله تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص 83] هذا فليتأمل.

فائدة اعلم أنَّ المحبة تنشأ من مطالعة المنَّة من رؤية إحسان أخيه وبرِّه وأياديه ونِعَمِه المتقدِّمة التي ابتدأها من غير عمل استحقَّها به، وستره على مَعائبه، وهذه محبَّة العوام، وقد تتغير بتغير الإحسان، فإن زاد زادت وإن نقص نقصت.

وأمَّا محبَّة الخواص فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال، ولا يعسُر ذلك إلَّا على القلب السَّقيم ولا تتغير؛ لأنَّها لله تعالى لا لأجل غرض دنياوي.

نصيحة قال التيمي دلَّك رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على معرفة الإيمان من نفسك، فانظر فإن اخترت لأخيك ما تختار لنفسك، فقد اتَّصفت بصفة الإيمان، وإن فرَّقت بينك وبينه في إرادة الخير، فلست مؤمنًا حقيقة الإيمان.

وقد ذُكر أنَّ المؤمن من الأمن، أو أنه يؤمن أخاه من الضَّيم والشر وإنما يصح منه هذا إذا ساوى بينه وبين نفسه، فأمَّا إذا كان وصول الشر إلى أخيهِ أهون من وصوله إلى نفسه أو حصوله على الخير آثر من حصول أخيه عليه فلم يؤمنه إيمانًا تامًَّا.

تنبيه اعلم أنَّه كما أنَّ من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه كذلك من الإيمان أن يبغضَ لأخيه ما يبغض لنفسهِ من الشرِّ ولم ينصَّ عليه اكتفاء؛ لأنَّ حبَّ الشَّيء مستلزم لبغضِ نقيضه فيدخل تحت ذلك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت