فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 11127

135 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) بالظاء المعجمة المعروف بابن راهويه، وقد مرَّ في باب فضل من عَلِمَ وعَلَّمَ [خ¦79] (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أي ابن همام الصنعاني، كانت الرحلة إليه من أقطار الأرض (قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد البصري، ثمَّ اليمني. (عَنْ هَمَّامِ) بفتح الهاء وتشديد الميم (بنِ مُنَبِّهٍ) بضم الميم وفتح النون وكسر الباء المشددة، وقد تقدموا في باب حُسن إسلام المرء [خ¦42] ، ورجال هذا الإسناد كلهم يمانيون إلا إسحاق، وكلهم أئمة أجلاء أصحاب مسانيد، وقد أخرج متنه المؤلِّف في تَرك الحِيَل أيضًا [خ¦6954] ، وأخرجه مسلم، والترمذي في الطهارة أيضًا، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُقْبَلُ) بضم المثناة الفوقية (صَلاَةُ) بالرفع (مَنْ أَحْدَثَ) أي وُجِدَ منه الحَدَث، أو أصابه الحدث، أو دخل في الحُدُث من الحُدُوث، وهو كون شيء لم يكن، وهو يطلق على الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس، وعلى الأصغر كنواقض الوضوء، وعلى الوصف الحكمي المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية، وقد يُسمى المنع المترتب عليه حدثًا، وبهما يصح قولهم رفعتُ الحَدَث ونويتُ رفعه، وفي رواية كما في ترك الحيل [خ¦6954] «لا يقبل الله صلاة من أحدث» .

(حَتَّى) أي إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء، أو ما يقوم مقامه، وقد روى النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال «الصعيدُ الطيِّب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» ، فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء؛ لكونه قائمًا مقامه، وإنما اقتصر على ذكر الوضوء نظرًا إلى كونه الأصل.

اعلم أنه صلى الله عليه وسلم نفى القبول إلى غاية هي الوضوء، وما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا عامًا في جميع المُحْدِثين [1] في جميع أنواع الصلاة، لكن مع باقي شروط الصلاة، وتَرَك ذكره للعلم به، والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزية رافعة لما في الذمة، وهي حصول الثواب والدرجات، ولما كان الإتيان بشروطها مَظِنَّة الإجزاء الذي القَبولُ ثمرته عبَّر عنه بالقبول مجازًا.

وأما القَبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم «من أتى عرَّافًا لم تُقبَل له صلاة» فهو القبول الحقيقي؛ لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول؛ لمانعٍٍ، بدليل صحة صلاة العبد الآبق، وشارب الخمر ما دام في جسده شيء منها، والصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عند الشافعية أيضًا، ولهذا كان يقول بعض السلف لأَنْ تُقبَل

ج 2 ص 9

لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا، وذلك لأن الله تعالى قال {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة 27] .

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم، اسم بلد باليمن، وقبيلة أيضًا اسمان جُعلا اسمًا واحدًا، والاسم الأول منه مبني على الفتح على الأصح إنْ قيل ببنائهما، وقيل بإعرابهما، فيقال هذا حضرموت برفع الراء وجر التاء، وقال الزمخشري فيه لغتان التركيب ومنع الصرف، والإضافة، فإذا أضيف جاز في المضاف إليه الصرف وتركه.

وفي (( المَطَالع ) )حضرموت من بلاد اليمن وهذيل، يقال حضرمُوت _بضم الميم_ والنسبة إليه حضرمي، والتصغير حضيرموت يُصغَّر الصدر منهما، ويقال فلان من الحَضَارمة.

(مَا الْحَدَثُ) وفي رواية (يَابَا هُرَيْرَةَ) أصله يا أبا هريرة، حذفت الهمزة تخفيفًا (قَالَ) هو (فُسَاءٌ) بضم الفاء وبالمد (أَوْ ضُرَاطٌ) بضم الضاد، وهما مشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر، لكن الأول بدون صوت والثاني بصوت يقال فَسَا يفسو فَسْوًا، والاسم الفساء، ويقال ضرط يضرط ضرطًا، والاسم الضراط.

وإنما اقتصر على ذكرهما من أنواع الحدث تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو لأنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو لأنهما يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما كما ورد نحو ذلك في حديث آخر «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» ، أو لأنه كان أبو هريرة رضي الله عنه يَعْلَمُ أن السائل عارفٌ بسائر أنواع الحدث جاهل بكونهما حدثًا، فتعرَّض لهما بيانًا لذلك، وإلا فالحدث كما عرفتَ يُطلَقُ على الخارج المعتاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكمي المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية، وعلى المنع من العبادة المترتب على كل واحد من الثلاثة، وقد جُعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يراد بالحدث الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأن الرافع لا يرتفع بل يراد إما المنع أو الوصف، ثمَّ لا يخفى عليك أن آخر الحديث قوله «حتى يتوضأ» والباقي إدراج والظاهر أنه من همام، والله أعلم.

وفي الحديث دليل على أن الصلاة كلها مفتقرة إلى الطهارة، فيدخل فيها صلاة الجنازة وصلاة العيدين وغيرهما

ج 2 ص 2

كما أشرنا إليه آنفًا، وحُكِي عن الشَّعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء، وهو باطل لعموم هذا الحديث والإجماع، وفيه أيضًا دليل على عدم صحة الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريًا أو اضطراريًا في داخل الصلاة أو خارجها؛ لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث في حالة دون حالة، قيل وفيه رد على من يقول إذا سبقه الحدث يتوضأ ويَبني على صلاته.

أقول وهذا قول إمامنا الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، وليس فيه رد عليه؛ لأن من سبقه الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يَصْدُق عليه أنه توضأ وصلَّى بالوضوء، وإن كان القياس يقتضي بطلان صلاته على أنه ورد الأثر فيه.

وقال الكِرماني وفيه أن الطواف لا يُجزئ بغير طهور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاه صلاة فقال «الطواف صلاة، إلا أنه أُبِيح فيه الكلام» ، وفيما قاله نظر؛ لأن اشتراط الطهارة للطواف بخبر الواحد زيادةٌ على النص، وهو قوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج 29] ، والزيادة على النص نسخ، فلا يثبت به، غير أنَّا نقول بوجوبها بخبر الواحد، ومعنى الحديث الطواف كالصَّلاة والتشبيهُ في الثوابِ دون الحُكم؛ لأن التشبيه لا عموم له، ألا ترى أن المشي فيه لا يفسده.

[1] (( في جميع المحدثين ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت