1531 - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) بلفظ الفاعل من الإسلام، هو ابن سعيد، أبو الحسن الطُّوسي، سكن بغداد، ومات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم مصغَّر نمر، وقد مرَّ في أوَّل باب التيمم [خ¦336] ، قال (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، أبو عثمان القرشي العدوي.
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (قَالَ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ) فتح في رواية الأكثرين، بضم الفاء، على بناء ما لم يسمَّ فاعله، وهذان المصران نائب عن الفاعل، وفي رواية الكُشْمِيْهني بفتح الفاء على البناء للفاعل، و مفعوله، وطوى ذكر الفاعل للعلم به، والتقدير لمَّا فتح الله هذين المصرين.
وكذا ثبت في رواية أبي نُعيم في «المستخرج» ، وبه جزم القاضي عياض، والمصران تثنية مصر، والمراد بهما البصرة والكوفة، والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على أرضهما، وإلا فهما من تمصير المسلمين، فإنَّ الكوفة بنيت في أيَّام عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه سنة أربع عشرة، وكذا البصرة في أيَّامه رضي الله عنه سنة سبع عشرة، وبينهما ثمانون فرسخًا، وليس فيها مزروع على المطر أصلًا لكثرة أنهارها، والكوفة على ذراع من الفرات.
(أَتَوْا) أي المسلمون (عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَهُوَ جَوْرٌ) بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء؛ أي ميل، والجور الميل عن القصد، ومنه قوله تعالى {وَمِنْهَا جَائِرٌ} الآية [النحل 9] .
(عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا
ج 7 ص 405
قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح الواو، بمعنى الحذاء، يقال حذوت النَّعل بالنَّعل؛ أي قدَّرت كل واحدة بصاحبتها.
ومنه قولهم حذوَ القُذَّة بالقُذَّة، والمعنى اعتبروا ما يقابل الميقات.
(مِنْ طَرِيقِكُمْ) التي تسلكونها من غير ميل فاجعلوها ميقاتًا (فَحَدَّ لَهُمْ) أي لهؤلاء الذين سألوا (ذَاتَ عِرْقٍ) واحتجَّ بهذا الحديث طاوس وابن سيرين وجابر بن زيد على أنَّ أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر البلدان، وإنَّما يهلُّون من الميقات الذي يأتون عليه من المواقيت المذكورة.
وقال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما من أنَّ عمر رضي الله عنه حدَّ لهم ذات عرق باجتهاد منه، ولا يثبت فيه شيء عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد روى الشَّافعي من طريق أبي الشَّعثاء قال لم يوقِّت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل المشرق شيئًا فاتَّخذ النَّاس بجبال قرن ذات عرق. وروى أحمد عن هشيم، عن يحيى بن سعيد وغيره، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما فذكر حديث المواقيت، وزاد فيه قال ابن عمر «فآثر النَّاس ذات عرق على قرن» .
وله عن سفيان، عن صدقة، عن ابن عمر رضي الله عنهما فذكر حديث المواقيت قال فقال له قائل فأين العراق؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يومئذٍ عراق. وللشَّافعي من طريق طاوس قال لم يوقِّت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات عرق ولم يكن حينئذٍ أهل المشرق.
والصَّحيح الذي عليه الإثبات أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الذي وقَّته على حسب ما علمه بالوحي من فتح المدائن والأقطار لأمَّته، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ) ).
وقال جمهور العلماء من التَّابعين ومن بعدهم، وأبو حنيفة، ومالك، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إنَّ ميقات أهل العراق ذات عرق، إلَّا أنَّ الشَّافعي استحبَّ أن يحرم أهل العراق من العقيق الذي بحذاء ذات عرق.
وقال في «الأمِّ» لم يثبت عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه حدَّ ذات عرق، وإنَّما أجمع عليه النَّاس. وهذا يدلُّ على أنَّ ميقات ذات عرق ليس منصوصًا عليه، وبه قطع الغزالي والرَّافعي في «شرح المسند» والنَّووي في «شرح مسلم» .
وكذا وقع في «المدونة» لمالك، وصحَّح الحنفيَّة والحنابلة وجمهور الشَّافعية والرَّافعي في «الشَّرح الصَّغير» ، والنَّووي في «شرح المهذَّب» أنَّه منصوص عليه.
واحتجُّوا لذلك
ج 7 ص 406
بما رواه الطَّحاوي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشَّام ومصر الجُحْفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يَلَمْلَم.
وأخرج النَّسائي أيضًا نحوه، وبحديث جابر رضي الله عنه أخرجه مسلم وفيه مُهَلُّ أهل العراق ذات عرق، وأخرجه الطَّحاوي أيضًا ولفظه (( ولأهل العراق ذات عرق ) ).
وأخرج الطَّحاوي أيضًا من حديث أنس رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشَّام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل البصرة ذات عرق، ولأهل المدائن العقيق» . وأخرجه الطَّبراني أيضًا.
ثمَّ قال الطَّحاوي فقد ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه الآثار ميقات أهل العراق، كما ثبت ميقات من سواهم. انتهى.
فلعلَّ من قال إنَّه غير منصوص عليه، لم تبلغه هذه الآثار، أو رأى ضَعْفَها؛ باعتبار أن كلَّ طريق منها لا يخلو عن مقال. ولهذا قال ابن خزيمة رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث. وقال ابن المنذر لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. انتهى.
لكن الحديث بمجموع الطَّريق يقوى كما لا يخفى، وأمَّا إعلال من أعلَّه بأنَّ العراق لم تكن فتحت يومئذٍ. فقال ابن عبد البر هي غفلة؛ لأنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَّت المواقيت لأهل النَّواحي قبل الفتوح؛ لكونه عَلِمَ بالوحي أنَّها ستفتح، فلا فرَّق في ذلك بين الشَّام والعراق كما سبق ذكره، وبهذا أجاب الماوردي وآخرون.
وقال الحافظ العسقلاني يظهر لي أنَّ مراد من قال لم يكن العراق يومئذٍ لم يكن في تلك الجهة ناس مسلمون، وذلك لأنَّه روى حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ أنَّ رجلًا قال يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهلَّ؟ فأجابه، وكلُّ جهة عينها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان من قبلها ناس مسلمون، والله أعلم.
وأمَّا ما أخرجه أبو داود والتِّرمذي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَّت لأهل المشرق العقيق» ، فقد تفرَّد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وإن كان حفظه فقد جُمِعَ بينه وبين حديث جابر رضي الله عنه وغيره بأجوبةٍ
منها أنَّ ذات عرق
ج 7 ص 407
ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنَّه أبعد من ذات عرق. ومنها أنَّ العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، كما وقع ذلك في حديث أنس رضي الله عنه عند الطَّبراني، لكن إسناده ضعيف.
ومنها أنَّ ذات عرق كانت أولًا في موضع العقيق، ثمَّ حوِّلت وقربت إلى مكَّة، فعلى هذا، ذات عرق والعقيقُ شيءٌ واحد، ويتعيَّن الإحرام من العقيق، ولم يقل به أحد. نعم استحبَّ الشَّافعي الإحرام من العقيق، وكان أنس رضي الله عنه يحرم من العقيق.
قال ابن المنذر وكان مالك وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرَّأي يرون الإحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر الإحرام من ذات عرق يجزئ، وهو من العقيق أحوط. وحكى ابن المنيِّر عن الحسن بن صالح أنَّه كان يحرم من الرَّبذة، وهو قول القاسم بن عبد الرَّحمن وخصيف.
قال ابن المنذر وهو أشبه في النَّظر إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنَّها تحاذي ذا الحليفة وذات عرق بعدها، والحكمُ فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أوَّل ميقات يحاذيه، لكن لما سنَّ عمرُ رضي الله عنه ذات عرق، وتبعه الصَّحابة رضي الله عنهم، واستمرَّ عليه العمل، كان أولى بالاتباع.
واستُدِلَّ به على أنَّ من ليس له ميقات عليه أن يُحرم إذا حاذى ميقاتًا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شكَّ أنَّها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شاميَّة، ويلملم يمانية فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكَّة من الأخرى، وقرن شرقيَّة، والجحفة غربية فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرنًا.
فعلى هذا، لا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتًا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتًا هل يحرم من مقدارٍ أبعدَ المواقيت أو أقربها، ثمَّ حكى فيه خلافًا، والفرض أنَّ هذه الصُّورة لا تتحقَّق لما عرفت، إلَّا أن يكون القائل بها فَرَضَه فيمن لم يطلع على المحاذاة كمن يجهلها.
وقد نقل النَّووي في «شرح المهذَّب» أنَّه يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارًا بقول عمر رضي الله عنه في توقيت ذات عرق.
وَتُعُقِّب بأنَّ عمر رضي الله عنه إنَّما حدَّها لأنَّها تحاذي قرنًا، وهذه الصُّورة إنَّما هي حيث يجهل المحاذاة. فلعلَّ القائل
ج 7 ص 408
بالمرحلتين أخذ بالأقل؛ لأنَّ ما زاد عليه مشكوك فيه، لكن يقتضي الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد. ويحتمل أن يفرق بين من عن يمين الكعبة، وبين من عن شمالها؛ لأنَّ المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيقدر لليمين الأقرب، وللشَّمال الأبعد، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ مشروعيَّة المحاذاة مختصَّة بمن ليس له أمامه ميقات معيَّن، فأمَّا من له ميقات معيَّن كالمصري مثلًا يمرُّ ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم منها، بل له التَّأخير حتَّى يأتيَ الجحفة.
ثمَّ العقيق المذكور هنا وادٍ يتدفَّق ماؤه في غور تهامة، وهو العقيق الذي بحذاء ذات عرق، قاله أبو منصور، وهو غير العقيق الذي بينه وبين المدينة أربعة أميال بقرب البقيع وسيأتي [خ¦1534] .
وقال البكري العقيقُ، على وزن فعيل عقيقان عقيق بني عقيل، وعقيق المدينة، وأحدهما قريب من الآخر. وقال ياقوت العقيق عشرة مواضع، وعقيقا المدينة أشهرها، وأكثر ما يذكر في الأشعار إيَّاهما. وعن الأصمعي الأعقة الأودية.