136 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الباء الموحدة وفتح الكاف، المصري (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد المصري أيضًا، وقد مرَّ ذكرهما في الوحي [خ¦3] (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن يزيد، من الزيادة الاسكندراني البَربَري، أبو عبد الرحيم المصري الفقيه المفتي
ج 2 ص 3
التابعي الثقة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) اللَّيثي مولاهم، أبو العلاء المصري، ولد بمصر ونشأ بالمدينة، ثمَّ رجع إلى مصر في خلافة هشام، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومئة.
(عَنْ نُعَيْمٍ) بضم النون وفتح العين، هو ابن عبد الله، وقيل محمد المدني العَدَوي، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه (الْمُجْمِرِ) اسم فاعل من الإجمار على الأشهر، وقيل من التجمير.
قال النووي هو صفة لعبد الله، ويطلق على ابنه مجازًا، وفيه نظرٌ فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نُعيمًا كان يباشر ذلك، والحق أن كلًا منهما يُجمر المسجد؛ أي يُبَخره بالعود ونحوه كما نُقل ذلك عن جماعة، فيكون إطلاق المجمر على كل منهما بطريق الحقيقة، وقال إبراهيم الحربي سمعت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل أبا سعيد المَقْبُري على حَفْرِ القبور، فسُمِّي بالمَقْبُري، وجعل نُعيمًا على إجمار المدينة فقيل له المُجْمِر.
روى نعيم عن أبي هريرة وجابر وغيرهما وقال جالستُ أبا هريرة عشرين سنة. وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة، وثَّقه أبو حاتم وغيره. روى له جماعة. ورجال هذا الإسناد نصفهم مصريون وهم يحيى والليث وخالد، والنصف الآخر مدنيون، فافهم، وكلهم من فرسان الكتب الستة إلا يحيى بن بُكَيْر فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط، وفيه رواية الأقران وهي رواية خالد عن سعيد، وقد أخرج متنه مسلم في الطهارة أيضًا.
قيل هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة رضي الله عنهم ذكرهم ابن مَنْده في (( مُستَخْرجه ) )ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخُدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بِشر المازني، وحُذيفة بن اليمان رضي الله عنهم، هذا، ورواه أيضًا أبو الدرداء رضي الله عنه، أخرجه أحمد والطبراني بإسناد فيه ابن لَهِيعة فقال أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا أول من يُؤْذَن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يَرفعُ رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك» فقال رجل كيف تعرف أمتك يا رسول الله مِنْ بين سائر الأمم فيما بَيْنَ نُوحٍ إلى أمتك؟ قال «هم غُرٌّ مُحَجَّلون من أثر الوضوء ليس لأحد ذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤْتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذريتهم» .
ج 2 ص 4
(قَالَ) أي إنَّه قال (رَقِيتُ) بكسر القاف؛ أي صعدت، وحكى صاحب (( المطالع ) )فتح القاف بالهمز وبدون همز، وقال الزمخشري لا أعلم صحة الفتح، وهذا من الرُقِي، وأما من الرُّقْيَة فَرَقَيت بالفتح (مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ) أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فَتَوَضَّأَ) بالفاء التعقيبية، وفي نسخة بالواو، وفي رواية أبي ذر بدونهما على الاستئناف كأنه قيل ماذا فعل فقال توضأ، وللكُشميهني بدل قوله وهو تصحيف، وللإسماعيلي وغيره ، وزاد الإسماعيلي فيه ، وكذا لمسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال نحوه، ومن طريق عُمَارة بن غَزِيَّة، عن نُعيم أيضًا، وزاد في هذه الرواية أن أبا هريرة رضي الله عنه قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فأفاد رَفْعَه، وفيه رَدٌّ على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة، بل هو من روايته ورأيه معًا.
(فَقَالَ) بالفاء، وفي روايةٍ بحذف حرف العطف على الاستئناف أيضًا (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (يَقُولُ) بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية، أو لأجل الحكاية عنها، وإلَّا فالأصل أن يقال قال بلفظ الماضي (إِنَّ أُمَّتِي) أي أمَّة الإجابة، وهم المسلمون، وقد يُطلق أمة محمد، ويراد بها أمَّة الدعوة وليست بمرادة هنا، ثمَّ الأمة في اللَّفظ واحد، وفي المعنى جمع، وهي في اللُّغة الجماعة، وكل جنسٍ من الحَيَوان أُمَّة، وفي الحديث «لولا أن الكلابَ أُمَّةٌ من الأمم لأمرتُ بقتلها» .
ومن النوادر في ذلك أنه وقف بهلول على أبي يوسف رحمه الله فقال رحمك الله، أخبرني عن قول الله عز وجل {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر 24] ، والكلاب أمة من الأمم لقوله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام 38] ، فَمَنْ نَذير الكلاب، فسكت أبو يوسف فقال له بهلول إن أخبرتك تُقِر، قال نعم، قال هو الحجر المدور. وتستعمل لمعان
ج 2 ص 5
كثيرة الطريقة والدين، يقال فلان لا أمة له؛ أي لا دين له ولا نِحْلَة له، والحِيْن قال تعالى {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف 45] أي بعد حِين، والملك والرجل الجامع للخير، والرجل المنفرد بدينه لا يشركه فيه أحد، واتِّباع الأنبياء عليهم السلام.
(يُدْعَوْنَ) على صيغة المجهول إما من الدعاء بمعنى النداء؛ أي يُنَادَون إلى موقف الحساب، أو إلى الميزان، أو إلى غير ذلك [1] ، وإما من الدعاء بمعنى التسمية نحو دعوت ابني زيدًا؛ أي سميته به.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف ليُدعَون (غُرًّا) بضم المعجمة وتشديد الراء جمع أغر؛ أي ذو غرة بالضم، وأصل الغرة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمَّ استُعملت في الجمال والشهرة وطِيبِ الذكر، والمراد هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي انتصابه وجهان
أحدهما أن يكون حالًا من ضمير يُدعون، والمعنى يُدعون يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وهم بهذه الصفة.
والثاني أن يكون مفعولًا، والمعنى ينادون، أو يسمون بهذا الاسم.
(مُحَجَّلِينَ) بالمهملة والجيم على صيغة اسم المفعول من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفَرَس كلها، أو في ثلاث منها، أو في رجليه قَلَّ أو كَثُر بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، ولا يكون التحجيل واقعًا بيد أو يدين ما لم يكن معها أو [2] معهما رجل أو رجلان، وأصله من الحِجل _ بكسر المهملة _ وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضًا النور، وإعرابه كإعراب غرًا، وفيه تشبيه بليغ حيث شبَّه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية كنَّى بالغرة عن نور الوجه، فافهم.
(مِنْ) أي لأجل (آثَارِ الْوُضُوءِ) بضم الواو ويجوز فتحها أيضًا، فإن الغرة والتحجيل نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسبا إلى كل منهما، واستدلَّ به جماعة من العلماء على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جَزَم الحَلِيْمِيُّ في (( منهاجه ) ).
وفي (( الصحيح ) )أيضًا «لكم سيماء [3] ليست لأحد من الأمم تَرِدُون عليَّ غرًا محجلين من أثر الوضوء» ، وقال آخرون ليس الوضوء مختصًا
ج 2 ص 6
بهذه الأمة، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، وهو المشهور من قول العلماء، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» ، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين
أحدهما أنه حديث ضعيف.
والآخر أنه لو صح؛ لاحتمل اختصاص الأنبياء عليهم السلام دون أممهم، بخلاف هذه الأمة، ففيه شرف عظيم لهم حيث استووا مع الأنبياء عليهم السلام في هذه الخصوصية وامتازوا بالغرة والتحجيل، ولكن ورد في حديث جُرَيج الراهب كما سيأتي في موضعه في هذا الصحيح أنه «قام فتوضأ وصلى ثمَّ كلَّم الغلام» [خ¦2482] [خ¦3436] .
وثبت أيضًا في هذا الصحيح في قصة سارة مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي [خ¦2217] ، ففيهما دلالة على أن الوضوء كان مشروعًا لهم أيضًا، وعلى هذا فيكون خاصة هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا أصل الوضوء.
ثمَّ إنه قد نقل الزَّناتي المالكي «شارح الرسالة» عن العلماء أن الغرة والتحجيل حُكْمٌ ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ، وهذا كما قالوا لا يُكَفَّرُ أحد من أهلُ القبلة؛ أي أهلُ القبلة كلُّ مَنْ آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل.
قال محمود العيني وهذا نقل غريب، وظاهر الأحاديث يقتضي أن يختص ذلك لمن توضأ منهم، وفي (( صحيح ابن حبان ) )يا رسول الله كيف تعرف من لم تَرَ من أمتك؟ قال «غُرٌّ مُحْجَّلون بُلْقٌ من آثار الوضوء» .
(فَمَنِ اسْتَطَاعَ) أي قَدِرَ (مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ) من الإطالة (غُرَّتَهُ) بأن يغسل شيئًا من مقدم رأسه، وما يجاوز وجهه زائدًا على القَدْرِ الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه، وأن يطيل تحجيله بأن يغسل بعض عضده وساقه، أو يستوعبهما كما روي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، ففي الحديث اكتفاء؛ حيث اقتصر على ذكر الغرة، ولم يذكر التحجيل، وذلك للعلم به كما في قوله تعالى {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل 81] ، والمراد الحر والبرد، والدليل على أن المراد كلاهما ما جاء في رواية مسلم من طريق عُمَارة بن غَزِيَة من قوله
ج 2 ص 7
«فليطل غرته وتحجيله» ، وإنما اقتصر على ذكر الغرة؛ لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء وأول ما يقع عليه نظر الإنسان، وقيل اقتصر على ذكر الغرة لعدم الفرق بينهما؛ لأنها تطلق في اليد أيضًا نقله الرافعي عن أكثرهم.
وقال ابن بطال كنَّى أبو هريرة بالغرة عن التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وفيه نظر؛ لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه كما عرفت، وقال أيضًا قوله «يطيل غرته» معناه يديمها، فالطول والدوام متقاربان في المعنى؛ أي من استطاع أن يواظب على الوضوء لكل صلاة، فإنه تطول غرته؛ أي يقوى نوره ويتضاعف بهاؤه، فكنَّى بالغرة عن نور الوجه، وفيه أن الراوي أدرى بما روى، كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع صلى الله عليه وسلم….
(فَلْيَفْعَلْ) أي الإطالة؛ فالمفعول محذوف للعلم به، وعَدَل عن قوله فليُطِل للإشعار بأن أصل هذا الفعل مهتم به، هذا، وادعى ابن بطال، ثمَّ القاضي عِياض، ثمَّ ابن التين من المالكية اتفاق العلماء على أنه لا تُستحب الزيادة على الكعب والمرفق، وهذه الدعوى مردودة بما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم وفعل أبي هريرة وفعل ابن عمر رضي الله عنهما على ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن، وعملُ العلماء وفتواهم عليه.
وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الحنفية والشافعية. وأما استدلال ابن بطال ومن تبعه فيما ذهبوا إليه بقوله صلى الله عليه وسلم «من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» فهو فاسد؛ لأن المراد به الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب لا الزيادة لتطويل الغرة والتحجيل.
ثمَّ اختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل فقيل إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه روايةً ورأيًا. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا كما أخرجه ابن أبي شيبة، وقيل المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق، وقيل إلى فوق ذلك، ونُقِلَ ذلك عن البَغَوي، وفي الحديث معنى ما ترجم له من فضل الوضوء؛ لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب، وفيه استحباب [المحافظة على] [4] الوضوء وسننه المشروعة فيه وإسباغه،
ج 2 ص 8
وفيه ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة، وفيه دَلالة قطعية على أن وظيفة الرِجلين غسلهما ولا [5] يجزئ مسحهما. وفيه ما أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم عليه من المغيبات المستقبلة من أمور الآخرة وصفات ما فيها، وفيه قَبول خبر الواحد وهو مستفيض في الأحاديث، وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون؛ من كرهه كرهه لأجل التنزيه كما يُنَزَّه عن البصاق والنخامة وحُرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وطاووس وهو قول ابن القاسم، وكرهه ابن سيرين وهو قول مالك وسحنون.
وقال ابن المنذر أباح كل من يُحفظ عنه العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس، فإنه يكره، وصرح جماعة من الشافعية بجوازه فيه، وأن الأولى أن يكون في إناء، وقال البغوي ويجوز نضحه بالماء إلا أن يكون مستعملًا، فإن النفس تعافه، وقال أصحابنا الحنفية يُكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون في موضع منه قد أُعِدَّ له.
تنبيه ثمَّ قوله فمن استطاع إلى آخره، من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قول أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الحافظ العسقلاني ولم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، ثمَّ إنه قد حَمَل ابن عَرَفة فيما نُقِلَ عنه الغرةَ والتحجيل على أنهما كناية عن إنارة كل البدن، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء، ووقع عند الترمذي من حديث عبد الله بن بُسْرٍ وصححه «أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلة من الوضوء» وهو معارض لظاهر ما في هذا الصحيح، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل من الحوض والجنة. منه.
[2] (( معها أو ) )ليست في (خ) .
[3] في هامش الأصل والسيماء بكسر السين المهملة وإسكان الياء، بمعنى العلامة. منه.
[4] زيادة من عمدة القاري.
[5] (( لا ) )ليست في (خ) .