1545 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) بتشديد الدال
ج 7 ص 451
المفتوحة، قال (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء، مصغر فضل بالمعجمة (قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ) على صيغة التصغير.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ) أي سرَّح شعره (وَادَّهَنَ) أي استعمل الدهن، وأصله ادتهن من باب الافتعال فأدغم (وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ) الظَّاهر أنَّه منعطف على جميع ما ذكر من الترجُّل والادِّهان واللبس، ويحتمل أن ينعطف على الأخير فقط، فافهم.
(فَلَمْ يَنْهَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ) على البناء للمفعول، جملة حاليَّة أو صفة للأردية والأزر (إِلاَّ الْمُزَعْفَرَةَ) أي المصبوغة بالزَّعفران (الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ) بالراء والدال والعين المهملات؛ أي تلطخ الجلد، يقال تردَّع إذا التطخ، والرَّدع أثر الطِّيب، ورَدَع به الطِّيب إذا لزق بجلده.
وقال ابن بطَّال وقد روي بالغين المعجمة من قولهم أردغت الأرض؛ أي كثرت منافع المياه فيها والرَّدغ، بالمعجمة الطين. انتهى.
قال الحافظ العسقلاني ولم أر في شيء من الطُّرق ضبط هذه اللَّفظة بالغين المعجمة، ولا تعرَّض لها القاضي عياض ولا ابن قُرقول. انتهى.
ثمَّ إنَّه وقع في الأصل «التي تردع على الجلد» ، وقال ابن الجوزي الصَّواب حذف على كذا قال وإثباتها موجَّه أيضًا كما لا يخفى.
(فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) أي وصل إليها نهارًا، ثمَّ بات بها كما سيأتي صريحًا في الباب الذي بعده من حديث أنس رضي الله عنه [خ¦1546] (ورَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ) وهي الشُّرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكَّة، وسمِّيت بيداء؛ لأنَّه ليس فيها بناء ولا أثر، وكلُّ مفازة تسمَّى بيداء، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك [خ¦1287] ، وطريق الجمع بين الأقوال المختلفة.
(وأَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ) قال الجوهري البدنة هي ناقة أو بقرة تنحر بمكَّة سمِّيت بذلك؛ لأنَّهم كانوا يسمِّنونها والجمع بُدُن بالضم، وقال الأزهري تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وليس بمعروف.
وقال النَّووي هي البعير ذكرًا كان أو أنثى بشرط أن يكون في سنِّ الأضحية، وهي التي استكملت
ج 7 ص 452
خمس سنين، وتقليدها أن يعلَّق شيء في عنقها ليعلم أنَّها هدي مكَّة.
وفي «صحيح مسلم» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى الظُّهر بذي الحليفة، ثمَّ دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدَّم وقلَّدها بنعلين، ثمَّ ركب راحلته، فلمَّا استوت به على البيداء أهلَّ بالحج» ، هذا فذكر ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى الظُّهر بذي الحليفة.
وسيأتي عن أنس رضي الله عنه [خ¦1547] أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّاها بالمدينة، وكلا الطَّريقين في غاية الصحَّة، والظَّاهر أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما عني به اليوم الثَّاني لا يوم الخروج من المدينة فلا تعارض.
وعند النَّسائي عن أنس رضي الله عنه «أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى الظُّهر بالبيداء، ثمَّ ركب وصعد جبل البيداء وأهلَّ بالحجِّ والعمرة» . ولا تعارض أيضًا فإنَّ البيداء وذا الحليفة متَّصلان، فصلَّى الظُّهر في آخر ذي الحليفة، وهو أوَّل البيداء، والله أعلم.
(وَذَلِكَ) إشارة إلى المذكور من ركوبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راحلته واستوائه على البيداء وإهلاله وتقليده بدنته (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ) بكسر القاف وفتحها، وكذا في ذي الحِجة كسر الحاء وفتحها.
قال صاحب «التَّلويح» يحتمل أنَّه أراد الخروج، ويحتمل الإهلال فأردنا أن نعرف أيَّهما أراد فوجدنا عائشة رضي الله عنها روت في «صحيح مسلم» «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخمس بقين من ذي القعدة» .
وفي «الإكليل» من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن سعيد بن محمَّد بن جبير، عن أبيه محمَّد بن جبير بن مطعم أنَّه قال «خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر، فصلَّى الظُّهر بذي الحليفة ركعتين» .
وقال ابن حزم في كتاب «حجَّة الوداع» له إنَّ خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارًا بعد أن تغدَّى وصلَّى الظُّهر بالمدينة، وصلَّى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وطاف على نسائه ثمَّ اغتسل ثمَّ صلَّى بها الصُّبح، ثمَّ طيَّبته عائشة رضي الله عنها، ثمَّ أحرم ولم يغسل الطِّيب، وأهلَّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معًا، وذلك قبل الظُّهر بيسير،
ج 7 ص 453
ثمَّ لبَّى ثم نهض وصلَّى الظُّهر بالبيداء، ثمَّ تمادى واستهل َّهلال ذي الحجَّة.
قال فإن قلت كيف تقول إنَّه خرج من المدينة لستٍّ بقين من ذي القعدة، وقد ذكر مسلم من طريق عمرة عن عائشة رضي الله عنها «لخمس بقين من ذي القعدة لا يرى إلا الحجَّ» ؟
قلت قد ذكر مسلم أيضًا من طريق عروة، عن عائشة رضي الله عنها «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موافين لهلال ذي الحجَّة» ، فلمَّا اضطربت الرِّواية عنها رجعنا إلى من لم تضطرب الرِّواية عنه في ذلك وهما عمر بن الخطَّاب وابن عبَّاس رضي الله عنهم فوجدنا ابن عباس ذَكَرَ أنَّ اندفاع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة.
وذكر عمر رضي الله عنه أنَّ يوم عرفة كان يوم الجمعة في ذلك العام، فوجب أنَّ استهلال ذي الحجَّة كان ليلة يوم الخميس، وأنَّ آخر يوم من ذي القعدة كان يوم الأربعاء، فصحَّ أنَّ خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوم الخميس لستٍّ بقين من ذي القعدة، ويزيده وضوحًا حديث أنس رضي الله عنه «صلَّينا مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهر بالمدينة أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين» ، فلو كان خروجه لخمس بقين من ذي القعدة لكان بلا شك يوم الجمعة، والجمعة لا تصلَّى أربعًا، فصحَّ أنَّ ذلك كان يوم الخميس.
وعلمنا أنَّ معنى قول عائشة رضي الله عنها «لخمس بقين من ذي القعدة» إنَّما عنت اندفاعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذي الحليفة فلم تعدَّ المرحلة القريبة، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يخرج بسفر لم يخرج إلَّا يوم الخميس فبطل خروجه يوم الجمعة، وبطل أن يكون يوم السَّبت أيضًا؛ لأنَّه كان يكون حينئذٍ خارجًا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وصحَّ أنَّ خروجه كان لستٍّ بقين، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة وتآلفت الرِّوايات.
وقال ابن القيم يجوز أن يكون يوم السَّبت بناء على عدِّ يوم الخروج أو على ترك عدِّه وكون ذي القعدة تسعًا وعشرين.
ويؤيِّده ما رواه ابن سعد والحاكم في «الإكليل» أنَّ خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة كان يوم السَّبت لخمس بقين من ذي القعدة، والله أعلم.
(فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ) قال الواقدي حدَّثنا أفلح بن حميد، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما
ج 7 ص 454
أنَّ هلال ذي الحجَّة كان ليلة الخميس اليوم الثَّامن من يوم خروجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة، ونزل بذي طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجَّة، وصلَّى الصُّبح بها ودخل مكَّة نهارًا من أعلاها صبيحة يوم الأحد.
(فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَمْ يَحِلَّ) أي لم يصر حلالًا (مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا) إذ لا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلَّل حتَّى يبلغ الهدي محله (ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ) بفتح الحاء المهملة وضم الجيم على وزن فعول، موضع بمكَّة عند المحصب وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزَّارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف، وهو مقبرة أهل مكَّة وهو من البيت على ميل ونصف.
(وَهْوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ) ولعلَّه منعه الشغل عن ذلك، وإلَّا فَلَه أن يتطوَّع بالطَّواف ما شاء (وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) أي الذين لم يسوقوا الهدي بدليل قوله الآتي وذلك لمن لم يكن. .. إلى آخره (أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا) بالتشديد.
(مِنْ رُؤُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا) والتَّقصير هنا لأجل أن يحلقوا بمنى (وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا) أي الحلُّ لمن كان متمتِّعًا ولم يكن معه هدي (وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ إِحْلَال) وقوله (وَالطِّيبُ) مرفوع على أنه مبتدأ خبر محذوف، والتقدير والطِّيب حلال له، وقوله (وَالثِّيَابُ) عطف عليه؛ أي والثِّياب أيضًا حلال له.
ويستفاد من الحديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا؛ لأنَّه جمع بين العمرة والحجِّ في سفر واحد وهو صفة القِران، وأنَّه أفضل من الإفراد والتمتُّع، [خ¦1551] وسيجيء الكلام فيه مفصَّلًا إن شاء الله تعالى.