1551 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هو أبو سلمة التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغرًا، هو ابن خالد، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن ٍزيد الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ مَعَهُ) الواو للحال (بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا) أي بذي الحليفة (حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَى بِهِ رَاحِلَتَهُ) يعني رفعته مستويًا على ظهرها ولفظ به حال؛ أي استوت ملتبسةً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائمة.
(عَلَى الْبَيْدَاءِ) وهو الشُّرف الذي قدام ذي الحليفة كما تقدَّم [خ¦1545] (حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) يعني جمع بينهما، وهذا هو القِران، وظاهر هذا أنَّ إهلاله كان بعد صلاة الصُّبح، لكن عند مسلم من طريق أبي حسَّان، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى الظُّهر بذي الحليفة ثمَّ دعا بناقته فأشعرها ثمَّ ركب راحلته، فلمَّا استوت به على البيداء أهلَّ بالحجِّ» .
وللنَّسائي من طريق الحسن، عن أنسٍ رضي الله عنه «أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى الظُّهر بالبيداء ثمَّ ركب» ، ويجمع بينهما بأنَّه صلَّاها في آخر ذي الحليفة وأوَّل البيداء، والله أعلم.
(وَأَهَلَّ النَّاسُ) أي الذين كانوا معه (بِهِمَا) أي بالحجِّ والعمرة (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال؛ أي مكَّة (أَمَرَ النَّاسَ) أي الذين لم يسوقوا الهدي بالتَّحلل (فَحَلُّوا) أي صاروا حلالًا.
فإن قيل كيف جاز للقارن أن يحلَّ قبل تمام الحجِّ وما ذاك إلَّا للمتمتِّع؟ فالجواب أنَّ العمرة كانت عندهم منكرةً في أشهر الحجِّ كما هو رسم الجاهليَّة فأمرهم بالتَّحلل من حجِّهم والانفساخ إلى العمرة تحقيقًا لمخالفة رسمهم وتصريحًا بجواز الاعتمار في تلك الأشهر، واختلفوا في هذا الفسخ فقال أحمد جوازه باقٍ إلى يوم القيامة ويجوز لكلِّ من أحرم بحجٍّ وليس معه هديٌ أن يقلب إحرامه عمرةً.
وقال الآخرون هو مختصٌّ بتلك السَّنة لا يجوز بعدها، كذا قال الكِرمانيُّ.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا ليس بجوابٍ، والجواب الصَّواب أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّما أمرهم بالتَّحلل؛ لأنَّهم لم يسوقوا الهدي ولم يقل أحدٌ
ج 7 ص 466
أنَّهم كانوا قارنين في هذه الحالة حتَّى يرد هذا السُّؤال وإنَّما كان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو القارن وكون العمرة عندهم منكرةً في هذه الحالة غير مسلَّمٍ، وإنَّما كانت منكرة في الجاهليَّة. هذا ولا يخفى ما فيه من التَّعصب على من تأمَّل حقَّ التَّأمل.
(حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) برفع يوم على أنَّ كان تامَّة لا تحتاج إلى الخبر، ويوم التَّروية هو اليوم الثَّامن من ذي الحجة وسمِّيت بالتَّروية؛ لأنَّهم كانوا يروون دوابَّهم بالماء ويحملونه معهم في الذَّهاب من مكَّة إلى عرفات، وقيل غير ذلك.
(أَهَلُّوا بِالْحَجِّ قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (وَنَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا) أي قائمات وانتصابه على الحال (وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ) تثنية أملح، وهو الأبيض الذي يخالطه سواد، وكان النَّحر للبدنات في مكَّة، والذَّبح للكبش الذي للأضحية في المدينة.
وفي رواية الكُشْمِيْهني هو البخاريُّ (قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه) والبعض المبهم هنا هو ليس إسماعيل ابن عليَّة كما زعم بعضهم، فقد أخرجه المؤلِّف عن مسدَّد، عنه. في باب نحر البدن قائمةً [خ¦1714] بدون هذه الزِّيادة.
ويحتمل أن يكون حمَّاد بن سلمة؛ فقد أخرجه الإسماعيليُّ من طريقه عن أيُّوب لكن صرَّح بذكر أبي قلابة، ووُهَيب أيضًا ثقة حجَّة قد جعله من رواية أيُّوب، عن أبي قلابة، وقد تابعه عبد الوهَّاب الثَّقفي على حديث ذبح الكبشين الأملحين عن أيُّوب، عن أبي قلابة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأضاحي [خ¦5554] .
وفي الحديث أنَّ الذي يريد السَّفر له أن يقصر الرباعيَّة بعد خروجه من بيوت بلده، وفيه أيضًا أنَّ للمحرم أن يحمد الله ويسبِّحه ويكبِّره قبل الإهلال، وفيه التَّصريح بأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا لقوله «ثمَّ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ» ، وهذا هو القران، ومنكر هذا معاند، وقد ثبت بأحاديث أخر صحيحةٍ أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا.
فإن قلت قد ردَّ ابن عمر رضي الله عنهما هذا القول على أنسٍ رضي الله عنه قال «كان أنسٌ حينئذٍ يدخل على النِّساء» فنسب إليه الصغر وقلَّة الضَّبط، كما قاله ابن المهلَّب عنه.
فالجواب أنَّه فيه نظرٌ؛ لأنَّ حجَّة الوداع كانت سنة عشر، وسنُّ أنسٍ رضي الله عنه وقتئذٍ نحو العشرين، فكيف يدخل على النِّساء، وقد جاء في «الصَّحيح» أنَّه منع من الدُّخول عليهنَّ حين بلغ خمس عشرة سنة، وذاك قبل الحجَّة بنحو خمس
ج 7 ص 467
سنين، وأيضًا فسنه نحو سن ابن عمر رضي الله عنهم، ولعلَّه لا يكون بينهما إلَّا نحو من سنةٍ أو دونها.
فإن قيل قال ابن بطَّال وممَّا يدلُّ على قلَّة ضبط أنس رضي الله عنه قوله في الحديث فلمَّا قدمنا أَمَرَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحلُّوا حتَّى إذا كان يوم التَّروية أهلُّوا بالحجِّ، وهذا لا معنى له ولا يفهم إن كان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قارنًا كما قال، والأمَّة متَّفقة على أنَّ القارن لا يجوز له الإحلال حتَّى يفرغ من عمل الحجِّ كلِّه، فلذلك أنكر عليه ابن عمر رضي الله عنهما، وإنَّما حلَّ من كان أفرد بالحجِّ وفسخه في عمرةٍ ثمَّ تمتُّع.
فالجواب أنَّ قول ابن بطَّال ومن يقول مثل قوله لا ينهض دليلًا على نفي صفة القِران عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجِّه، وذلك لأنَّ الذين رووا الإفراد اختُلِفَ عنهم ومن روى القِران لم يُخْتَلَفْ عليه بالأخذ بالقِران، فقول من لم يختلف عليه أولى؛ لأنَّ معه زيادةٌ، وهي مقبولةٌ من الثِّقة.
قال ابن حزم روي القِران عن جميع من روى الإفراد وهم عائشة وجابر وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم قال ووجدنا أيضًا عن عليِّ بن أبي طالبٍ وعمران بن حصين رضي الله عنهما روي عنهما التَّمتع، وروي عنهما القِران قال ووجدنا أمَّ المؤمنين حفصة والبراء بن عازب وأنس بن مالك رضي الله عنهم لم تضطرب الرِّواية عنهم، ولا اختلاف عنهم في ذلك فنترك رواية كل من قد اضربت الواية عنده ونرجع إلى رواية من لم يُضْطَرب عنه.
وهذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما يعارض من الرِّوايات والأخذ بما لم يعارض منها، وأمَّا من ذهب إلى الأخذ بالزَّائد فوجهه أنَّا وجدنا من روى الإفراد اقتصر على ذكر الإهلال بحجٍّ وحده دون عمرةٍ معها. ومن روى العمرة اقتصر على ذكر الإهلال بعمرةٍ وحدها دون حجٍّ معها، ومن روى القِران فقد جمع الأمرين معًا فزاد على من ذَكَرَ الحجِّ وحده عمرةً، وزاد على من ذَكَرَ العمرة وحدها حجًّا، فكانت هذه الزِّيادة زيادة علمٍ لم يذكرها الآخرون وزيادة حفظ. ونقل على كلتا الطَّائفتين المتقدِّمتين، وزيادة العدل مقبولةٌ وجب الأخذ بها، لاسيما إذا روجع فيها فثبت عليها ولم يرجع، كما ثبت في «الصحيح» من حديث بكرٍ، عن أنس رضي الله عنه سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبِّي بالحجِّ والعمرة قال بكر فحدَّثت بذلك ابن عمر رضي الله عنهما
ج 7 ص 468
فقال لبِّي بالحجِّ قال فلقيت أنسًا رضي الله عنه فحدَّثته بقول ابن عمر رضي الله عنهما فقال أنسٌ رضي الله عنه ما يعدُّوننا إلَّا صبيانًا سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( لبَّيك عمرةً وحجًّا ) )وفي لفظ جمع بينهما؛ أي بين الحجِّ والعمرة.
وفي حديث يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد سمعوا أنسًا رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أهلَّ بهما لبَّيك عمرةً وحجًّا لبَّيك عمرةً وحجًّا» .
وسيأتي عند البخاريِّ اختلاف عليٍّ وعثمان رضي الله عنهما، وقول عليٍّ رضي الله عنه «ما كنت لأدع سنَّة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقول أحدٍ ثمَّ أهلَّ بهما؛ لبَّيك بعمرةٍ وحجَّة» [خ¦1563] .
وعند مسلمٍ من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين حجَّة وعمرةٍ، ثمَّ لم ينه عنه حتَّى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمُه» .
وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن البراء بن عازبٍ عن عليِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا قدم مكَّة قال «إنِّي قد سقت الهدي وقرنت» .
وعن الضَّبي بن معبد بسندٍ صحيحٍ في حديث قال أهللت بالحجِّ والعمرة، فقال لي عمر رضي الله عنه «هديت لسنَّة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قالها مرَّتين، رواه الطَّبراني في «الأوسط» . وقال الدَّارقطني في «العلل» هو حديثٌ صحيحٌ، وقال أبو عمر جيد الإسناد رواه الثِّقات الأثبات عن أبي وائلٍ، عن الضَّبي، عن عمر رضي الله عنه ومنهم من يجعله عن أبي وائلٍ، عن عمر رضي الله عنه [1] والأوَّل أجود ورواته أحفظ.
وعن أبي قتادة «إنَّما قرن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الحجِّ والعمرة؛ لأنَّه علم أنَّه ليس بحاجٍّ بعدها» ، قال الحاكم صحيحٌ على شرطهما ولم يخرِّجاه.
وفي «الاستذكار» روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول بالكوفة «إنَّما جمع صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الحجِّ والعمرة؛ لأنَّه علم أنَّه لا يحجُّ بعدها» .
وعن سراقة بسندٍ صالحٍ عند أحمد قال «قرن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجَّة الوداع» .
ج 7 ص 469
وعن أبي طلحة «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الحجِّ والعمرة» ، رواه ابن ماجه من حديث الحجَّاج بن أرطأة، وعند التِّرمذي محسِّنًا عن جابر «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرن الحجَّ بالعمرة» .
وقال ابن حزم صحَّ عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين رضي الله عنهما أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا يريد بذلك ما رواه أبو داود عن الربيع بن سليمان حدَّثنا محمَّد بن إدريس عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لها (( طوافك بالبيت وبين الصَّفا والمروة يكفيك لحجِّك وعمرتك ) )، قال ابنُ حزم فصحَّ أنَّها كانت قارنةً.
وعند أحمد بسندٍ جيدٍ عن أمِّ سلمة رضي الله عنها سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( أهلُّوا يا آل محمَّد بعمرةٍ في حجَّة ) ).
وعند أبي داود من حديث خيوان أنَّ معاوية رضي الله عنه قال للصَّحابة هل تعلمون أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يقرن بين الحجِّ والعمرة؟ قالوا لا.
وفي «سنن الكجي» حدَّثنا سليمان بن داود حدَّثنا يحيى بن ضريس، عن عكرمة بن عمَّار، عن الهرماس بن زياد قال سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ناقته قال (( لبَّيك حجَّة وعمرةً معًا ) ).
واعلم أنَّ الطَّحاوي رحمه الله قد أخرج في تفضيل القِران، وأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا من عشرة أنفسٍ من الصَّحابة وهم عمر بن الخطَّاب وعبد الله بن عمر وعليُّ بن أبي طالبٍ وعبد الله بن عبَّاس وعمران بن حصين وأبو طلحة وسراقة بن مالكٍ وعائشة وأمُّ سلمة زوجي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضي الله عنهم.
وأخرج عن أنسٍ رضي الله عنه بعدَّة طرقٍ، وفي الباب عن قتادة وجابر ومعاوية والهرماس بن زياد وأبي هريرة رضي الله عنهم، والكلُّ قد ذكر إلَّا حديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبَّاس وحديث أبي هريرة.
أمَّا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فأخرجه الطَّحاوي عن نافعٍ أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما خرج من المدينة إلى مكَّة مهلًّا بالعمرة مخافة الحصر ثمَّ قال ما شأنهما إلَّا واحد أشهدكم أنِّي أوجبت إلى عمرتي هذه حجَّة، ثمَّ قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا، وقال هكذا فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
ج 7 ص 470
وأخرجه الشَّيخان مطولًا، ففيه تفضيل القِران، وأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا وذلك لأنَّه أضاف إلى عمرته حجَّة قبل أن يطوف لها فهذا هو القِران، ثمَّ قال هكذا فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أراد أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قد قرن إلى عمرته حجًّا.
وأمَّا حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، فأخرجه الطَّحاوي أيضًا عن عكرمة قال «اعتمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع عمرٍ عمرة الحديبية، وعمرته من العام القابل، وعمرته من الجعرانة، وعمرته مع حجَّته وحج حجَّة واحدةٍ» .
ورواه أبو داود أيضًا وفي لفظه والرَّابعة التي قرن مع حجَّته، وأخرجه التِّرمذي أيضًا، وفي لفظه نحوه فإن قيل كيف يقبل هذا عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم، وقد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمتَّع، وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّه تمتَّع؟
فالجواب أنَّه قال الطَّحاوي يجوز أن يكون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحرم في بدء أمره بعمرةٍ فمضى متمتِّعًا بها ثمَّ أحرم بحجَّة قبل طوافه، فكان في بدء أمره متمتعًا وفي آخره قارنًا.
وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فأخرجه مسلم عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قال (( والذي نفسي بيده ليهلنَّ ابن مريم عليهما السَّلام بفجِّ الرَّوحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنيهما ) ).
وقال ابن حزم ستَّة عشر من الثِّقات اتَّفقوا على أنسٍ رضي الله عنه على أنَّ لفظ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إهلالًا بحجَّة وعمرةٍ معًا. وصرَّحوا عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه سمع ذلك منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم بكر بن عبد الله المزنيُّ وأبو قلابة وحميد الطَّويل وأبو قزعة وثابت البنانيُّ وحميد بن هلال ويحيى بن أبي إسحاق وقتادة وأبو أسماء والحسن البصريُّ ومصعب بن سليم ومصعب بن عبد الله بن الزبرقان وسالم بن أبي الجعد وأبو قدامة وزيد بن أسلم وعليُّ بن زيدٍ. انتهى.
وقد أخرج الطَّحاوي عن تسعةٍ منهم أوَّلهم بكر بن عبد الله وقد مرَّ في أثناء كلام ابن حزم، وأخرجه مسلمٌ أيضًا قال حدَّثنا شريح بن مسلم قال حدَّثنا هشيم قال حدَّثنا، حميد عن بكر، عن أنس رضي الله عنه قال «سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبِّي بالحجِّ والعمرة جميعًا» . الحديث.
والثَّاني أبو قلابة عن أنسٍ رضي الله عنه وهو حديث الباب.
ج 7 ص 471
والثَّالث حميد الطَّويل، عن أنسٍ رضي الله عنه، أخرجه الطَّحاوي وابن حبَّان في «صحيحه» عنه عن أنسٍ رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( لبَّيك بعمرةٍ وحجَّة ) ).
والرَّابع أبو قزعة، عن أنسٍ رضي الله عنه، أخرجه الطَّحاوي عنه، عن أنسٍ رضي الله عنه قال سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( لبَّيك بعمرةٍ وحجَّة ) )، وأخرجه ابن حزم نحوه.
والخامس ثابت البنانيُّ، عن أنس رضي الله عنه، أخرجه الطَّحاوي والعدنيُّ في «مسنده» نحو حديث أبي قزعة.
والسَّادس حميد بن هلال، أخرجه الطَّحاوي والبزَّار عنه، عن أنسٍ رضي الله عنه قال «كنت ردف أبي طلحة وإنَّ ركبته لتمس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يلبِّي بالحجِّ والعمرة» .
والسَّابع يحيى بن أبي إسحاق، أخرجه الطَّحاوي بإسنادٍ صحيحٍ عنه، عن أنس رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( لبَّيك بعمرةٍ وحجَّة معًا ) )، وأخرجه ابن أبي شيبة نحوه، وأخرجه أبو داود والنُّسائي وابن ماجه نحوه.
والثَّامن قتادة عنه عن أنس، أخرجه الطَّحاوي نحو حديث يحيى وأخرجه البخاريُّ أيضًا.
والتَّاسع أبو أسماء أخرجه الطَّحاوي عنه عن أنسٍ رضي الله عنه قال خرجنا نصرخ بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نجعلها عمرةً وقال (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرةً ولكن سقت الهديَ وقرنت الحجَّ والعمرة ) )، وأخرج أحمد نحوه.
وأخرجه النَّسائي أيضًا ولفظه «سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبِّي بهما» ،
وأمَّا الحسن البصريُّ، فأخرجه عنه البزَّار عن أنسٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهلَّ هو وأصحابه بالحجِّ والعمرة» . الحديث.
وأمَّا مصعب بن سليم، فأخرجه العدنيُّ في «مسنده» عنه، أنَّه سمع أنس بن مالكٍ رضي الله عنه يقول «أهلَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحجَّة وعمرةٍ» .
وأمَّا مصعب بن عبد الله، فأخرجه العدنيُّ أيضًا عنه، عن أنسٍ رضي الله عنه قال سمعت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( لبَّيك بحجَّة وعمرةٍ أو بعمرةٍ وحجَّة معًا ) ).
وأمَّا سالم بن أبي الجعد، فأخرجه أحمد في «مسنده» عنه عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه يرفعه إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه جمع بين العمرة والحجِّ
ج 7 ص 472
فقال (( لبَّيك بحجَّةٍ وعمرةٍ ) ).
وأمَّا أبو قدامة، فأخرجه أيضًا أحمد عنه، عن أنس رضي الله عنه قال «قلت لأنسٍ بأيِّ شيءٍ كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يهلُّ؟ فقال سمعته سبع مرَّاتٍ بعمرةٍ وحجَّة بعمرةٍ وحجَّة» .
وأمَّا زيد بن أسلم، فأخرجه البزَّار في «مسنده» عنه، عن أنسٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ» .
وأمَّا علي بن زيدٍ، فأخرجه البزَّار أيضًا عنه عن أنسٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبَّى بهما جميعًا» .
وقال القاضي عياض رحمه الله قد أكثر النَّاس الكلام على هذه الأحاديث من علمائنا وغيرهم فمن مجيد منصفٍ، ومن مقصر متكلفٍ، ومن مطيلٍ مكثرٍ، ومن مقتصدٍ مختصرٍ.
وأوسعهم نفسًا في ذلك أبو جعفر الطَّحاوي الحنفيُّ المصريُّ فإنَّه تكلَّم في ذلك على ألف ورقةٍ، وتكلَّم في ذلك أيضًا أبو جعفر الطَّبري وبعدهما أبو عبد الله بن أبي صفرة وأخوه المهلب والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن ابن القصَّار البغدادي، والحافظ أبو عمر ابن عبد البرِّ وغيرهم.
وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم ما هو أجمع للرِّوايات وأشبه بمساق الأحاديث أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح للنَّاس فعل هذه الثَّلاثة ليدلَّ على جواز جميعها، إذ لو أمر بواحدٍ لكان غيره لا يجزئ، سيما إذا كان لم يحجَّ سوى هذه الحجَّة، فأُضيف الكلُّ إليه، وأَخبر كلُّ واحدٍ بما أمره به وأباحه له، ونَسَبَه إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا لأمره بذلك أو لتأويله عليه. انتهى.
ولا نزاع في جواز هذه الثَّلاثة، ولهذا قال الخطَّابي جواز القِران بين الحجِّ والعمرة إجماعٌ من الأئمَّة، ولا يجوز أن يتَّفقوا على جواز شيءٍ منهيٍّ عنه، ولكنَّ النِّزاع أنَّ أيَّ هذه الأشياء أفضل، وأنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أيِّ واحدٍ من هذه حجَّ، فقد دلَّت الأحاديث الصَّحيحة أنَّ القِران أفضل، وأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا، ولأنَّ القارن يجمع بين النُّسكين في سفرٍ واحدٍ، ولا شكَّ أنَّ العبادتين أفضل من عبادةٍ واحدةٍ، وقد عمل به الأصحاب بعده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» من حديث عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيَّب قال سمعت أصحاب محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 7 ص 473
يهلُّون بحجَّة وعمرةٍ ثمَّ التَّمتُّع؛ لأنَّ فيه أيضًا جمعًا بين العبادتين، لكن يجوز بينهما التَّحلل إن لم يُسق الهدي، والله أعلم.
ومن فوائد الحديث أنَّ السنة في الإبل النَّحر، فلو ذبح كره، وأنَّ السنة نحرها قائمةً؛ لأنَّه أمكن لنحرها؛ لأنَّه يطعن في لبتها وتكون معقولة اليد اليسرى.
وقال ابن حبيب وهو تفسير قوله تعالى {صَوَافَّ} الآية [الحج 36] ، وروى محمَّد عن مالك لا يعقلها إلَّا من خاف أن يضعف عنها، والأفضل أن يتولَّى نحرها بنفسه كما فعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال هنا بدنات. وقال ابن التِّين وفي غير هذا الموضع أنَّها كانت سبعين بدنةً، وفي «الموطأ» عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحر بعض هديه ونحر بعضه غيره.
وروي أنَّ عليًّا رضي الله عنه نحر باقيها، ويقال أهدى مائة بدنةٍ فنحر ثلاثًا وستين بيده كلُّ واحدٍ عن سنة من عمره، وفيه إشارةٌ إلى قدر عمره وأعطى عليًّا فنحر الباقي.
وقوله وذبح بالمدينة كبشين، أحدهما ذبحه عن أهل بيته، والآخر عمَّن لم يضحِّ من أمته.
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ في الجهاد أيضًا [خ¦2951] ، وأخرجه مسلمٌ في الصَّلاة، وأخرجه أبو داود مقطعًا بعضه في الحج، وبعضه في الأضاحي، وأخرجه النَّسائي في الصَّلاة.
[1] قوله (( ومنهم من يجعله عن أبي وائل عن عمر رضي الله عنه ) )ليس في (خ) .