فهرس الكتاب

الصفحة 2460 من 11127

1556 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين، هو القعنبيُّ، قال (حَدَّثَنَا مالِكٌ) الإمام (عنِ ابنِ شِهابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَتْ خَرَجْنا مَعَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وكانت سنة عشرٍ من الهجرة، ولم يحجَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة بعد الهجرة غيرها، وأمَّا قبلها بمكَّة فحجَّ حججًا لا يعلم عددها إلَّا الله، قاله العينيُّ.

وسمِّيت حجَّة الوداع؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعظهم فيها وودعهم فسمِّيت بذلك حجَّة الوداع.

(فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) قال الكِرمانيُّ قد تقدَّم في باب الحيض [خ¦294] ، وسيجيء

ج 7 ص 481

في باب التَّمتُّع [خ¦1561] أنَّهم كانوا لا يرون إلَّا الحجَّ فكيف قولها فأهللنا بعمرةٍ، وأجاب بأنَّ معناه لا يرون عند الخروج إلَّا ذلك فبعد ذلك أمرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالاعتمار رفعًا لما اعتقدوا من حرمة العمرة في أشهر الحجِّ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لو وقف الكِرمانيُّ على الرِّوايات التي رويت عن عائشة رضي الله عنها لما احتاج إلى هذا السُّؤال ولا إلى الجواب عنه، فإنَّ الرِّوايات اختلفت في إحرام عائشة رضي الله عنها اختلافًا كثيرًا فهاهنا «فأهللنا بعمرةٍ» . وفي أخرى «فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ» قالت «ولم أهلَّ إلَّا بعمرةٍ» . وفي أخرى «خرجنا لا نريد إلَّا الحجَّ» . وفي أخرى «لبَّينا بالحجِّ» . وفي أخرى «مهلِّين بالحجِّ» . والكلُّ صحيحٌ، وفي رواية «وكنت ممَّن تمتَّع ولم يسق الهدي» . وقال أبو عمر والأحاديث في هذا مضطربةٌ جدًّا.

وكذا قال القاضي عياض، وذكر أنَّ في الرِّوايات عنها اختلافًا شديدًا، وقال ابن عبد البرِّ في «تمهيده» دفع الأوزاعيُّ والشَّافعي وأبو ثور وابن عليَّة حديث عروة هذا وقالوا هو غلطٌ لم يتابع عروة على ذلك أحدٌ من أصحاب عائشة رضي الله عنها.

وقال إسماعيل بن إسحاق اجتمع هؤلاء يعني القاسم والأسود وعمرة على أنَّ أمَّ المؤمنين رضي الله عنها كانت محرمةً بحجَّةٍ لا بعمرةٍ، فعلمنا بذلك أنَّ الرِّواية التي رويت من عروة غلطٌ؛ لأنَّ عروة قال في رواية حمَّاد بن سلمة، عن هشام عنه حدَّثني غير واحدٍ أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لها «دعي عمرتك» فدلَّ أنَّه لم يسمع الحديث منها.

وقال ابن حزم حديث أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها وحديث يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب عنها منكران وخطأٌ عند أهل العلم بالحديث، وقد سبقنا إلى تخطئة حديث أبي الأسود هذا أحمد بن حنبل.

وقال مالكٌ ليس العمل عندنا على حديث عروة عنها قديمًا ولا حديثًا.

(ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) بسكون الدال أو بكسرها وتشديد الياء، والأول أفصح، وسوى بينهما ثعلب، والتَّخفيف لغة أهل الحجاز والتَّثقيل لغة تميم، وقد قرئ بهما جميعًا في قوله تعالى {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} الآية [البقرة 196] لكنَّ التَّشديد قراءة شاذَّةٌ، وواحد الهدي هدية،

ج 7 ص 482

والهدي ما يُهدى إلى الحرم من النِّعم.

(فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لاَ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) أي من الحجِّ والعمرة (جَمِيعًا فَقَدِمْتُ) بضم التاء، وهو إخبار عائشة رضي الله عنها عن نفسها (مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) جملة حالية (وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ) أي ترك الطَّواف بالبيت وبين الصَّفا والمروة بسبب الحيض (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ انْقُضِي) هو بالقاف وبالمعجمة، من النَّقض. قال الكِرمانيُّ ويجوز بالفاء إن صحَّ الرِّواية قال العينيُّ لأنَّ كلًّا منهما بمعنى، لكن الرِّواية بالفاء لم تثبت.

(رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي) من امتشاط الشَّعر، وهو تسريحه (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ) وهذا يدلُّ على أنَّها كانت قارنةً (فَفَعَلْتُ) أي نقضت رأسي وامتشطت، وقد سبق في كتاب الحيض [خ¦305] «وافعلي ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفي بالبيت» (فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما) هو أخوها وشقيقها، وأمهما أمُّ رومان بنت عامر (إِلَى التَّنْعِيمِ) وهو موضعٌ عند طرف حرم مكَّة من ناحية الشَّام، وهو المشهور بمساجد عائشة رضي الله عنها.

(فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ) برفع مكان على أنَّه خبر؛ أي بدل عمرتك الفائتة، ويجوز بالنصب على الظرف، وقيل النصب أوجه، والتَّقدير على هذا هذه كائنة مكان عمرتك أو مجعولةٌ مكانها.

وقال القاضي عياض الرَّفع أوجه عندي؛ إذ لم يرد به الظَّرف، وإنَّما أراد عوض عمرتك فمن قال كانت قارنةً قال مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردةً، ومن قال كانت مفردة قال مكان عمرتك التي فسخت الحجَّ إليها ولم تتمكَّني من الإتيان بها للحيض، وكان ابتداء حيضها يوم السَّبت لثلاثٍ خلون من ذي الحجَّة بسرف، وطهرت يوم السَّبت، وهو يوم النَّحر.

(قَالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَ) طافوا (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعوا بينهما (ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشْمِيْهني والجرجاني ، قال القاضي عياض وهو الصَّواب (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) وفي الحديث دليل لمن يقول بأفضلية القِران لقوله من كان معه هدي فليهلَّ بالحجِّ مع العمرة

ج 7 ص 483

وهذا هو القِران؛ لأنَّ فيه الجمع بين النُّسكين في سفرةٍ واحدةٍ.

وقال القرطبيُّ ظاهره أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بالقِران؛ لأنَّ قوله ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا، هذا هو حكم القِران بلا نزاع، وممَّن ذهب إلى تفضيل القِران به وبالأحاديث التي ذكرت فيما قبل الدَّالة على أفضليَّة القِران وعلى أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا في حجَّة الوداع شقيق بن سلمة والثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد وإسحاق والمزنيُّ من أصحاب الشَّافعي وأبو إسحاق المروزيُّ وابن المنذر وهو قول عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه.

وفي «المجرد» وأمَّا حجُّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاختلف فيه بحسب المذاهب، والأظهر قول أحمد لا أشكُّ أنَّه كان قارنًا والمتعة أحبُّ إليَّ.

هذا، فإن قيل قد روي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفرد بالحجِّ، وروي أنَّه تمتَّع وروي أنَّه قرن فما التَّوفيق بينهما.

فالجواب أنَّه قال الطَّحاوي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحرم بعمرةٍ في بدء أمره فمضى متمتِّعًا ثمَّ أحرم بحجَّة قبل طوافه وأفردها بالإحرام فصار بها قارنًا.

فإن قيل فيه إدخال الحجِّ على العمرة وهل هو جائزٌ.

فالجواب أنَّه قال القاضي عياض اتَّفق العلماء على جواز إدخال الحجِّ على العمرة وشذَّ بعض من النَّاس فمنعه وقال لا يدخل إحرامٌ على إحرامٍ كما في الصَّلاة، واختلفوا في عكسه وهو إدخال العمرة على الحجِّ فجوَّزه أبو حنيفة والشَّافعي في القديم، ومنعه آخرون وقالوا هذا كان خاصًّا بالنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلنا دعوى الخصوصيَّة تحتاج إلى دليلٍ.

هذا، وفي الحديث أنَّ المتمتِّع إذا فرغ من أعمال الحجِّ لم يحلَّ حتَّى يحرم بالحجِّ إذا كان معه هدي وهو مذهب أصحابنا عملًا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعًا ) ). ثمَّ في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( انقضِي رأسك وامتشطي ) )، استشكل بعضُهم أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها بنقض رأسها، ثمَّ بالامتشاط.

قال الخطَّابي الحديث مشكل جدًّا إلَّا أن يُؤَوَّل على التَّرخص لها وفسخ العمرة كما أذن لأصحابه في فسخ الحجِّ، وكان الشَّافعي أوَّله على أنَّه إنَّما أمرها أن تدع العمرة وتدخل

ج 7 ص 484

عليها الحجَّ فتكون قارنةً لا أن تدع العمرة نفسها وعلى أنَّ عمرتها من التَّنعيم غير واجبةٍ لدخولها في عقد الإحرام بالحجِّ يعني في قِرانها، وإنَّما أراد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تطييب نفسها بذلك؛ أي بأن تحصل لها أيضًا عمرةٌ منفردةٌ مستقلَّة كما حصلت لسائر أمَّهات المؤمنين لكن يوهن هذا التَّأويل لفظ (( انقضي رأسك وامتشطي ) ).

وقال الكِرمانيُّ لا يوهنه؛ لأنَّ نقض الرَّأس والامتشاط جائزان في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، وقد يُؤَوَّلٌ بأنَّها كانت معذورةً بأن كان برأسها أذى فأباح لها كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى.

وقيل المراد بالامتشاط تسريح الشَّعر بالأصابع لغسل الإحرام بالحجِّ ويلزم منه نقضه، والله أعلم.

وقال ابن الجوزيِّ في هذا الحديث دلالةٌ على أنَّ طواف المحدث لا يجوز؛ لقولها ولم أطف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة ولو كان ذلك لأجل المسجد لقال لا تدخلي المسجد، وقد اختلفوا فيه؛ فعن أحمد طواف المحدث والجنب لا يصحُّ، وعنه يصحُّ.

وقال أصحابنا الطَّهارة ليست بشرطٍ فلو طاف وعليه نجاسةٌ أو طاف محدثًا أو جنبًا صحَّ طوافه لقوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الآية [الحج 29] أمر بالطَّواف مطلقًا وتقييده بالطَّهارة بخبر الواحد زيادة على النَّصِّ، فلا يجوز، ولكن إنْ طاف محدثًا فعليه شاةٌ وإن كان جنبًا فعليه بدنة ويعيده ما دام في مكَّة.

وعن داود الطهارة له واجبة؛ فإن طاف محدثًا أجزأه إلَّا الحائض، وعند الشَّافعي الطَّهارة شرطٌ فلا يصحُّ بدونها، ومذهب الجمهور أنَّ السَّعي يصحُّ من المحدث والجنب والحائض، وعن الحسن أنَّه إن كان قبل التَّحلل أعاد السَّعي وإن كان بعده فلا شيء عليه.

وفيه حجَّة لمن قال الطَّواف الواحد والسَّعي الواحد يكفيان للقارن، وهو مذهب عطاء والحسن وطاوس، وبه قال مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود.

وقال مجاهد وجابر بن زيد والحسن بن حي وحمَّاد بن سلمة وحمَّاد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وزياد بن مالك وابن شبرمة وابن أبي ليلى وشريح القاضي والشعبي ومحمَّد بن علي بن الحسن والنَّخعي والأوزاعيُّ والثَّوري والأسود بن يزيد وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه أنَّه لا بدَّ للقارن

ج 7 ص 485

من طوافين وسعيين.

وحكي ذلك عن عمر وعلي وابنيه الحسن والحسين وابن مسعود رضي الله عنهم وهو روايةٌ عن أحمد، وروى مجاهدٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّه جمع بين الحجِّ والعمرة وقال سبيلهما واحدٌ، وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال هكذا رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع كما أصنع» .

وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه جمع بينهما وقال «هكذا رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، وكذا عن علقمة عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال «طاف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمرته وحجَّته طوافين وسعى سعيين وأبو بكرٍ وعمر وعليٍّ رضي الله عنهم» .

ورواه الدَّارقطني أيضًا من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه وضعَّفه، والحديث أخرجه المؤلِّف في الحيض [خ¦294] والمغازي أيضًا [خ¦4395] ، وأخرجه مسلمٌ في الحجِّ، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي فيه وفي الطهارة، وابن ماجه في الحجِّ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت