فهرس الكتاب

الصفحة 2465 من 11127

1560 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد الشين المعجمة، الملقب ببندار (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِي) بالمهملة وبالنون وبالفاء، عبد الكبير بن عبد المجيد البصريُّ، مات سنة أربع ومائتين قال (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة، هو ابن نافع الأنصاريِّ، وقد مرَّ في باب هل يدخل الجنب يده [خ¦261] .

(قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَت خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ) بضم الحاء المهملة والراء، ويروى بضم الحاء وفتح الراء، فالمعنى على الأوَّل أزمنة الحجِّ وأمكنته وحالاته، قاله النَّووي، وعلى الثَّاني محرَّمات الحجِّ ومحظوراته وممنوعاته؛ لأنَّه جمع حرمة، وكان مقتضى التَّركيب أن يقال أشهر الحجِّ ولياليه وحُرُمه بالإضمار في الأخيرين، لكن قصد بذلك التَّعظيم له والتَّفخيم؛ حيث أظهر في موضع الإضمار، ويقال ليدلَّ بذلك على أنَّ ذلك كله كان مشهورًا عندهم معلومًا، فتفطن.

(فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) بفتح السين المهملة وكسر الراء وآخره فاء، وهو غير منصرفٍ للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه اسم بقعةٍ قريبةٍ من مكَّة وأوَّل حدودها(قَالَتْ

ج 7 ص 504

فَخَرَجَ)رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قبَّته التي ضربت له (إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي حجَّته.

(عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ) أي العمرة، وهذا يدلُّ على أنَّ الأمر بذلك لمن كانوا مفردين بالحجِّ؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّما أمر بالفسخ لمن أفرد، لا لمن قرن ولا لمن أهلَّ بعمرةٍ فأمرهم بذلك ليتمتَّعوا بالعمرة إلى الحجِّ، فُعِلمَ من ذلك أنَّ الأمر بالفسخ كان بسَرِف وأنَّها أرادت فسخ الحجِّ فمنعت من ذلك.

وقال القاضي عياض والذي تدلُّ عليه النُّصوص من أحاديث «الصَّحيحين» وغيرهما أنَّه إنَّما قال لهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بعد إحرامهم بالحجِّ، ويحتمل أنَّه كرَّر الأمر بذلك في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بالفسخ إلى العمرة.

(وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلاَ) أي فلا يفعل (فَالآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا) يريد بها العمرة (مِنْ أَصْحَابِهِ) وقوله فالآخذ مرفوعٌ على أنَّه مبتدأ والتَّارك عطف عليه، وقوله من أصحابه خبره، ويجوز أن يكون مرفوعًا بتقدير كان التَّامة؛ أي فوجد الآخذ بها والتَّارك لها من أصحابه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقال القرطبيُّ ظاهره التَّخيير فلذلك كان منهم الآخذ والتَّارك لكن لمَّا ظهر منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العزم حين غضبه قالوا تحلَّلنا وسمعنا وأطعنا، وكان تردُّدهم؛ لأنَّهم ما كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ جائزةً، وأنَّها من أفجر الفجور، فبيَّن لهم النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جواز ذلك.

(قَالَتْ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ وَكَانَ مَعَهُمُ الْهَدْيُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ) أي على فسخ الحجِّ إلى العمرة (قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي) والجملة حالية (فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ) يعني يا هذه من غير أن يرادَ به مدح أو ذمٌّ، وأصل هذا مأخوذٌ من هنٍ على وزن أَخٍ، وهو كنايةٌ عن شيءٍ لا تذكره باسمه وتقول في النِّداء يا هن للرَّجل، وياهنة للمرأة، ولك أن تدخل فيهما الهاء للوقف فتقول يا هنه ويا هنته، ولك أن تشبع الحركة فتولد الألف فتقول يا هناه، ويا هنتاه، ولا يستعملان إلَّا في النِّداء.

وقال السَّفاقسي ضبط في رواية أبي ذرٍّ بإسكان النون، وفي رواية أبي الحسن بفتحها، وقال ابن الأثير تضم الهاء الأخيرة وتسكن، وتقول في التثنية للمذكر هنان

ج 7 ص 505

والجمع هنون، وللمؤنث هنتان وهنات.

وقيل معنى يا هنتاه يا بلهاء كأنَّما نسبت إلى قلَّة معرفتها بمكائد النَّاس وشرورهم، وقال التَّيمي الألف والهاء في آخره كالألف والهاء في الندبة.

(قُلْتُ سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ، قَالَ وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ لاَ أُصَلِّي) هو كنايةٌ عن أنَّها حاضت، قال ابن المنيِّر كنَّت عن الحيض بالحكم الخاصِّ به أدبًا منها، وقد ظهر أثر ذلك في بناتها المؤمنات فكلُّهنَّ يكنين عن الحيض بحرمة الصَّلاة، ففيه رعاية الأدب وحسن المعاشرة (قَالَ فَلاَ يَضِيرُكِ) بالضاد المعجمة وسكون المثناة التحتية وبالراء من الضَّير وهو الضَّرر، وهذه رواية الكُشْمِيْهني، وفي رواية غيره بتشديد الراء من الضر.

(إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) أي العمرة بإشباع كسرة الكاف، ويروى بدون الإشباع (قَالَتْ فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ) أي طفت بالبيت طواف الإفاضة (قَالَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الآخِرِ) بسكون الفاء وفتحها، قاله الكرمانيُّ وهو اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة والنَّفر الأوَّل هو الثَّاني عشر منه.

(حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الصاد المهملة المفتوحة وفي آخره باء موحدة، وهو مكان متَّسِعٌ بين مكَّة ومنى، وسمِّي به لاجتماع الحصباء فيه بِحَمْل السَّيل وأنَّه موضع منهبطٌ، ويقال له الأبطح والبطحاء أيضًا.

وحدُّوه بأنَّه ما بين الجبلين إلى المقابر وليست المقابر منه، وفيه لغةٌ أخرى الحِصاب، بكسر الحاء، قال أبو عبيد هو من حدود خيف بني كنانة، وحدُّه من الحجون ذاهبًا إلى منى، وقال في موضعٍ آخر وهو الخيف، قال ياقوت وهو غير المحَّصب موضع رمي الجمار بمنى.

(وَنَزَلْنَا مَعَهُ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَقَالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ) بضم المثناة الفوقية، من الإهلال وهو الإحرام (بعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا) أمر لعبد الرَّحمن وعائشة رضي الله عنهما كليهما؛

ج 7 ص 506

أي افرغا من العمرة، وهذا يدلُّ على أنَّ عبد الرَّحمن أيضًا اعتمر مع عائشة رضي الله عنهما.

(ثُمَّ ائْتِيَا هَاهُنَا) أي المحصَّب (فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا) بمعنى أنتظركما، وفي رواية الكُشْمِيْهني من الانتظار (حَتَّى تَأْتِيَانِي) وفي غالب النسخ بنون الوقاية وحذف ياء المتكلم والاكتفاء بالكسرة عنها (قَالَتْ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ وَفَرَغْتُ) بالتكرار وصلة الأول محذوفة؛ أي من الاعتمار وصلة الثَّاني قوله (مِنَ الطَّوَافِ) وحذف الأول للعلم به، ويروى ، وفرغ بلفظ الغائب؛ أي حتَّى إذا فرغت أنا من العمرة وطواف الوداع وفرغ عبد الرَّحمن أيضًا.

(ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ) بفتح الراء بدون التنوين وبجرها مع التنوين، وهو عبارةٌ عن قبيل الصُّبح الصَّادق، فإذا أردت به سحر ليلتك بعينه لم تصرفه؛ لأنَّه معدولٌ عن السَّحر وهو عَلَم له، وإن أردت نكرة صفة؛ أي سحرٍ فهو منصرفٌ، والأوَّل هنا هو الأولى.

(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَلْ فَرَغْتُمْ) خطاب لعبد الرَّحمن وعائشة ومن معهما رضي الله عنهما في ذلك الاعتمار، وإلَّا فالقياس أن يقال هل فرغتما أو نقول إن أقلَّ الجمع اثنان (فَقُلْتُ نَعَمْ فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ) أي فأعلم النَّاس بالارتحال (فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ) أي حال كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قول عائشة رضي الله عنها «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أشهر الحجِّ» ، والحديث أخرجه مسلم والنَّسائي في الحج أيضًا.

وفي الحديث أنَّ من كان بمكَّة وأراد العمرة فميقاته لها الحل، وإنَّما وجب الخروج إليه ليجمع في نسكه بين الحلِّ والحرم كما يجمع الحاجُّ بينهما، فإنَّ عرفات من الحلِّ، وفيه النُّزول بالمحصَّب.

وظاهره أنَّ النُّزول فيه سنة كما قال أبو حنيفة رحمه الله، وهو قول إبراهيم النَّخعي وسعيد بن جبير وطاوس، وقال ابن المنذر كان ابن عمر رضي الله عنهما يراه سنة، وقال نافع حصب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء بعده، أخرجه مسلم، وزعم ابن حبيب أنَّ مالكًا كان يأمر بالتَّحصيب ويستحبُّه، وبه قال الشَّافعي.

وقال القاضي عياض هو مستحبٌّ عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيِّين أوكد منه عند الكوفيِّين، وأجمعوا أنَّه ليس بواجبٍ، وأخرجت الأئمَّة الستَّة عن هشام بن عروة عن أبيه

ج 7 ص 507

عن عائشة رضي الله عنها قالت «إنَّما نزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمحصب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنةٍ، فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله» .

(ضَيْرُ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا) لما كان في قوله فلا يضيرك روايتان إحداهما هذه، والأخرى فلا يضرُّك أشار بقوله ضير، بالأجوف اليائيِّ إلى أنَّ مصدر لا يضيرك ضيرٌ.

وأشار إلى أنَّ فيه لغتين أحدهما ضار يضير، من باب باع يبيعُ، والأخرى ضار يضور، من باب قال يقول حيث قال (وَيُقَالُ ضَارَ يَضُورُ [1] ) وأشار إلى الرِّواية الثَّانية بقوله (وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا) من باب نَصَر يَنْصُر، وضُرًا مصدره بضم الضاد وفتحها، ويجيء مصدره أيضًا ضررًا.

وفي «المطالع» الضَّرَر والضَّيْر، والضَّر والضُّر والضِّرار كلُّ ذلك بمعنى، وفي الحديث (( لا ضرر ولا ضرار ) )فعلى ما ذكره يكون هذا للتَّأكيد، وفرَّق بعضهم بينهما فقال الضَّرر ما تضرُّ به صاحبك ممَّا تنتفع أنت به، والضِّرار أن تضره من غير أن تنفع به نفسك، ومتى قرن بالنَّفع لم يكن فيه إلَّا الضُّر أو الضَّر لا الضِّرار، والله أعلم.

[1] جاءت في البخاري (( ضار يضور ضورًا ) ). ولم توجد في الأصل. يحرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت