1587 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي جعله حرامًا، ولفظ البخاريِّ في باب غزوة الفتح أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام يوم الفتح فقال (( إنَّ الله حرَّم مكَّة يوم خلق السَّماوات والأرض، فهي حرامٌ بِحَرَامِ الله تعالى إلى يوم القيامة ) )الحديث.
وقال البزَّار وهذا الحديث قد روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من غير وجهٍ، فإن قيل إنَّ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ إبراهيم عليه السلام حرَّم مكَّة وأنا أُحَرِّم ما بين لابتيها ) )؛ أي لابتي المدينة يعارض هذا الحديث؟
فالجواب أنَّه ليس الأمر كذلك لأنَّ معنى قوله إنَّ إبراهيم حرَّم مكة أعلن بتحريمها وعرَّف النَّاس بأنَّها حرامٌ بتحريم الله تعالى إيَّاها، فلمَّا عُرِفَ تحريمُها في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ} الآية [الزمر 42] ، فإنَّه أضاف إليه التَّوفي. وقال في آيةٍ أخرى {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} الآية [السجدة 11] ، وقال في آيةٍ أخرى {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} الآية [النحل 28] فأضاف إليهم،
ج 7 ص 571
وفي الحقيقة المتوفي هو الله تعالى وأضاف إلى غيره؛ لأنَّه ظهر على يدهم.
(لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ) أي لا يقطع من عَضْدتُ الشَّجر أعضده عضدًا، مثل ضرب إذا قطعته، وفي «المحكم» الشَّجر معضودٌ وعضيد (وَلَا يُنفَّر صَيْدُهُ) أي لا يزعج من مكانه، وهو تنبيهٌ من الأدنى إلى الأعلى فلا يُضْربُ ولا يُقْتل بالطَّريق الأولى (وَلاَ يَلْتَقِط) على صيغته المعلوم، وقوله (لُقَطَتَهُ) نصب به، وفاعله قوله (إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا) أي إلَّا من عَرَّفَ أنَّها لقطة فليلتقطها ليردَّها إلى صاحبها ولا يتملَّكها.
وفي الحديث إنَّ مكَّة حرام؛ فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلَّا بإحرامٍ، وهو قول عطاء بن أبي رباح واللَّيث بن سعد والثَّوري وأبي حنيفة وأصحابه ومالك في رواية، وهي قوله الصَّحيح، والشَّافعي في المشهور عنه. وعند أحمد وأصحابه والظَّاهرية لا بأس بدخول الحرم بغير إحرامٍ، وإليه ذهب البخاريُّ أيضًا، قاله القاضي عياض، واستدلُّوا بما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل يوم الفتح مكَّة وعليه عمامةٌ سوداء» .
وبما رواه البخاريُّ من حديث أنس رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل مكَّة وعلى رأسه مغفر» . الحديث، وأُجيب عن هذا بأنَّ دخوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكَّة كان وهي حلال ساعتئذٍ، فلذلك دخلها بغير إحرامٍ، وأنَّه كان خاصًّا بالنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ عادت حرامًا إلى يوم القيامة، فلا يجوز دخولها لأحد بغير إحرامٍ.
وفيه أيضًا أنَّه لا يجوز قطع شوكه ولا قطع شجره، وقال ابن المنذر أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم، وقال اختلف النَّاس في قطع شجر الحرم هل فيه جزاءٌ أو لا؟ فعند مالكٍ لا جزاء فيه.
وعند أبي حنيفة والشَّافعي فيه الجزاء، وجزاؤه عند الشَّافعي في الدَّوحة بقرة وما دونها شاة، وعند أبي حنيفة يؤخذ منه قيمة ذلك يُشتَرى به هَدْي، فإن لم يبلغْ ثمنه ذلك تصدَّق به بنصف صاعٍ لكلِّ مسكين.
وقال الشَّافعي في الخشبِ وما أشبهه قيمته بالغةً ما بلغت، والمحرم والحلال في ذلك سواءٌ، وأجمعَ كلُّ من يحفظ عنه العلم على إباحةِ أخذ ما ينبته النَّاس في الحرم من البقول والزُّروع والرَّياحين وغيرها.
واختلفوا في أخذ السِّواك من شجر الحرم، فعند مجاهدٍ وعطاء وعَمرو بن دينار أنَّهم رخَّصوا في ذلك،
ج 7 ص 572
وحكى أبو ثور ذلك عن الشَّافعي، وكان عطاء يرخِّص في أخذ ورق السَّنا يستمشي به، ولا يُنزعُ من أصله، ورخَّص فيه عمرو بن دينار.
وفيه أيضًا أنَّه لا يجوز رفع لقطتها إلَّا لمنشدٍ، قال القاضي عياض حكم اللَّقطة في سائر البلاد واحدٌ، وعند الشَّافعي أنَّ لقطة مكَّة بخلاف غيرها من البلاد وأنَّها لا تحلُّ إلَّا لمن يعرفها قال إنَّ لقطتها بعد التَّعريف لا يجوز تملُّكها بخلاف غيرها؛ أي لا يلتقطها إلَّا من عَرّفها فقط لا من يُريد تَملُّكها.
ومذهب الحنفيَّة كمذهب مالكٍ؛ لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اعرف عفاصها ووكاءها ثمَّ عَرفّها سنةً من غير فصلٍ ) ).
والحديث أخرجه أيضًا في الجزية [خ¦3189] وفي الجهاد [خ¦2783] ، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في الجهاد والحجِّ وأبو داود أيضًا فيهما، والتِّرمذي في السير والنَّسائي في الحجِّ والبيعة.