فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 11127

140 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي زهير، أبو يحيى البغدادي، المعروف بصاعقة، لُقِّب بذلك لسرعة حفظه وشِدَّة ضبطه، روى عن يزيد بن هارون ورَوْح ومَنْ في طبقتهما، وعنه البخاري،

ج 2 ص 24

وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو صاعد، والمَحاملي وآخرون، وكان مفتيًا ضابطًا وكان بَزَّازًا، مات سنة خمس وخمسين ومائتين.

(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح المهملة واللام (الْخُزَاعِيُّ) بضم المعجمة وبالزاي (مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغدادي أحد الثقات الحفاظ، روى عن مالك وغيره، وعنه الصَاغَاني وغيره، وقد أدركه البخاري لكنه لم يَلْقَه خَرَج إلى الثَّغر فمات بالمِصِّيْصَة سنة عشرين ومائتين، وقيل سنة عشر أو سبع أو تسع ومائتين.

(قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلاَلٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ) السابق ذكره في باب أمور الإيمان [خ¦9] ، وقوله يعني سليمان يحتمل أن يكون من كلام محمد بن عبد الرحيم، ويحتمل أن يكون من كلام المؤلِّف، (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) بفتح الهمزة وسكون المهملة وفتح اللام.

(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد ما بَيْنَ بغداديٍّ ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي؛ زيدٍ عن عطاءٍ، وقد أخرج متنه أبو داود أيضًا في الطهارة عن عطاء، ولفظه «قال لنا ابن عباس رضي الله عنهما أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء فاغترف غرفة» ، وذكر نحو الحديث بطوله، وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضًا، وهذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، ولم يخرج مسلم عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئًا.

(أَنَّهُ) ؛ أي ابن عباس رضي الله عنهما (تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ) وهو من قبيل عطف المُفَصَّل على المُجْمل كما في قوله تعالى {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء 153] ، وقوله (أَخَذَ) بدون حرف العطف لكونه بيانًا لكيفية الغسل على وجه الاستئناف (غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا) هو من المضمضة وهي تحريك الماء في الفم، قيل وكَمَالُه أن يجعلَ الماء في فِيه ويُدِيرَه ويَمُجَّه، وأقله أن يجعل الماء في فِيه ولا يشترط إدارته على مشهور مذهب الشافعي. وقال جماعة من أصحابه يُشترط. وأصل المضمضة التحريك ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحرك، ثمَّ استعمل في تحريك الماء في الفم.

(وَاسْتَنْشَقَ) من الاستنشاق وهو إدخال الماء في الأنف، وقيل هو جذب الماء بريح الأنف ثمَّ استنثاره؛ أي دفعه، والمَنْشَق الأنف، ويقال أيضًا نشِقْت منه ريحًا طيبة بالكسر؛ أي شممت، وهذه ريح مكروهة النشق؛ أي الشم، وظاهره أن المضمضة والاستنشاق من جملة غسل الوجه، لكن المراد بالوجه

ج 2 ص 25

أولًا ما هو أعم من المفروض والمسنون بدليل أنه أعاد ذِكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفَة مستقلة.

(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) وإنما أتى بـ (ثم) لوجود المُهلة بين الغرفتين (فَجَعَلَ بِهَا) ؛ أي بتلك الغرفة (هَكَذَا) ؛ أي (أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ اليُسْرَى) ؛ أي جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا ليكون أمكن في الغسل إذ اليد الواحدة قد لا تستوعب الغسل (فَغَسَلَ بِهَا) ؛ أي بالغرفة، وفي رواية الأصيلي وكريمة ؛ أي باليدين. (وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى) ؛ أي بعد أن قبض قبضة من الماء ونفض يده، يفسره رواية أبي داود «ثمَّ قبض قبضة من الماء، ثمَّ نفض يده، ثمَّ مسح رأسه وأذنيه» ، زاد قوله «وأذنيه» ، وزاد النسائي من طريق الدراوردي عن زيد بعد قوله «وأذنيه» «مرة واحدة» ، ومن طريق ابن عجلان باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه، وزاد ابن خزيمة من هذا الوجه «وأدخل إصبعيه فيهما» فلا يتمسك به من يقول بطهورية الماء المستعمل.

(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ) ؛ أي صبَّه قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا) ؛ أي إلى أن صار رشها عليها غسلها [1] ، وقد يراد بالرش الغسل، وإنما ذكر الرش تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأن الرِجْلَ مَظِنَّة الإسراف في الغسل كما سبق في آية الوضوء أول الكتاب [خ¦135 قبل] ، وأما ما وقع عند أبي داود والحاكم «فَرَشَّ على رِجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل» فالمراد من المسح هاهنا الغسل، وتسييل الماء حتى يستوعب العضو.

قال ابن الأعرابي وأبو زيد الأنصاري المسح في كلام العرب يكون غَسلًا ويكون مسحًا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه قد مسح، وأما قوله تحت النعل فمحمول على التجوز عن القدم، أو يقال هذه رواية شاذة رواها هشام بن سعد وهو ممن لا يُحتج به عند الانفراد، فكيف إذا خالفه غيره.

(ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ) ذكر ابن التين أنه رواه بلفظ فعَلَّ بالعين المهملة واللام المشددة قال فلعله جعل الرِجْلين بمنزلة العضو الواحد فعَدَّ الغَسلة الثانية تكريرًا، فإن العَلَّ هو الشرب الثاني. انتهى. وهو تَكلُفٌ ظاهر والحقُّ أنه تصحيف.

(بِهَا رِجْلَهُ) وفي رواية (يَعْنِي الْيُسْرَى) قائلُ هذا زيد بن أَسْلم، أو من هو دونه من الرواة، وقد وقع في بعض النسخ بدون لفظة رجله قبل يعني.

(ثُمَّ قَالَ) ؛ أي ابن عباس رضي الله عنهما

ج 2 ص 26

(هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي الوقت (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ) حكاية حالٍ ماضية، وفي رواية ابن عساكر ، وفي الحديث فوائد منها أن الوضوء مرة مرة؛ أي فَرْضُه، وهو مُجْمَعٌ عليه، ومنها الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة، وهو حُجَّة للشافعية في أحد الوجوه فيهما فقد قالوا في كيفيتهما خمسة أوجه

الأول أن يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها ثلاثًا، ثمَّ يستنشق منها ثلاثًا.

الثاني أن يجمع أيضًا بغرفة، لكن يتمضمض منها ثمَّ يستنشق ثمَّ يتمضمض ثمَّ يستنشق، ولفظ الراوي هاهنا يحتمل هذين الوجهين.

الثالث أنه يتمضمض ويستنشق بثلاث غَرْفات يتمضمض من كل واحدة ثمَّ يستنشق منها.

الرابع أن يفصل بينهما بغرفتين فيتمضمض من أحدهما ثلاثًا، ثمَّ يستنشق من الأخرى ثلاثًا.

الخامس أن يفصل بينهما بست غرفات يتمضمض بثلاث، ثمَّ يستنشق بثلاث.

قال الكِرْماني والأصح أن الأفضل هو الرابع. وقال النووي هو الثالث واتفقوا على أن المضمضة على كلِّ قولٍ مُقدَّمة على الاستنشاق، وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط؟ فيه وجهان أظهرهما الاشتراط لاختلاف العضوين.

والثاني الاستحباب كتقديم اليمنى على اليسرى، هذا، وذهب أصحابنا الحنفية إلى الوجه الخامس، واحتجوا فيما ذهبوا إليه بما رواه الترمذي حدثنا هناد وقتيبة قالا أخبرنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حَيَّة قال «رأيت عليًا رضي الله عنه فغسل كفيه حتى أنقاهما ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة ثمَّ غسل قدميه إلى الكعبين، ثمَّ قام فأخذ فَضْلَ طهوره فشربه وهو قائم وقال أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وقال هذا حديث حسن صحيح، فإن ظاهر هذا الحديث يدل على أنه أخذ لكل مرة ماءً جديدًا.

وقد روى الطبراني أيضًا عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده كعب بن عمرو «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا فأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا» ، وكذا روى عنه أبو داود في (( سننه ) )وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحة، وهو رواية البويطي عن الشافعي فإنه رَوَى عنه أنه يأخذ ثلاث غرفات لتمضمضه وثلاث غرفات للاستنشاق، والجواب عن حديث الكتاب وأمثاله أنه محمول على الجواز.

ج 2 ص 27

ثمَّ العلماء رحمهم الله اختلفوا فيهما على أربعة مذاهب، فمذهب مالك والشافعي رحمهما الله أنهما سنتان في الوضوء والغُسْل، والمشهور عند أحمد رحمه الله أنهما واجبتان فيهما، ومذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة رحمه الله أنهما واجبتان في الغسل دون الوضوء، ومذهب داود الظاهري أن الاستنشاقَ واجبٌ في الوضوء والغُسْل، والمضمضةَ سُنَّةٌ فيهما.

وحجة القول الأول أنه لا فرض في الوضوء إلا ما ذكره الله في القرآن أو أوجبه الرسول أو الإجماع والكلُّ مُنْتَفٍ، وأيضًا الوجه ما ظهر لا ما بطن، ولهذا لم يجب غسل باطن العينين، وحجة الحنفية قوله عليه السلام «تحت كل شعرة جَنَابة فبُلُّوا الشعور، وأنقُوا البشرة» ولا يُوصل إلى غسل الأسنان والشفتين إلا بالمضمضة، وحجة من أوجبهما فيهما قوله تعالى {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء 43] كما قال في الوضوء {فاغسلوا} فما وجب في أحدهما من الغسل وجب في الآخر، وحجة الفارق بين المضمضة والاستنشاق أن النبي صلى الله عليه وسلم فَعَلَ المضمضة ولم يأمر بها، وفعل الاستنشاق وأمر به، وأمرُه أقوى من فعله.

ثمَّ اعلم أن السنة أن تكون المضمضة والاستنشاق باليمنى، وقال بعضهم المضمضة باليمنى والاستنشاق باليسرى؛ لأن الفم مَطْهرة، والأنف مَقْذَرة واليمين للأطهار، واليسار للأقذار، ولنا ما روى الحسن بن علي رضي الله عنه أنه استنثر بيمينه فقال له معاوية جَهِلت السُّنَّة فقال كيف أجهل السنة والسنة من بيوتنا أُخرجت؟ أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اليمين للوجه واليسار للمقعد» كذا ذكره صاحب (( البدائع ) ).

والترتيب بينهما سنة، ذَكَره في (( الخلاصة ) )لأنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة وضوئه إلا هذا. ومنها ما قال ابن بطال إنَّ الماء المستعمل طاهرٌ مُطهِّر، وهو قول مالك، وذلك لأن الأعضاء كلها إذا غُسِلت مرة واحدة فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملًا مع أنه يُجْزِئه في سائر أجزاء ذلك العضو، فلو كان الوضوء بالمستعمل غير جائز لم يجز الوضوء مرة مرة، ولمَّا أجمعوا أنه جاز استعماله في العضو

ج 2 ص 28

كان في سائر الأعضاء كذلك.

والجواب عنه أن الماء ما دام متصلًا بالعضو فهو في نفس الاستعمال بَعْدُ فلا يَصْدُق عليه أنه صار مستعملًا، نعم إذا انفصل وفَرَغ من الاستعمال بَعْدُ فلا [2] يَصْدُق عليه أنه مستعمل، ولا ملازمة بين المُجْمَع عليه وغيره لقيام الفرق بينهما بالانفصال الذي هو دليل الاستعمال وعدمه، ثمَّ صورة الإجماع خرجت بالدليل وهو الإجماع فيبقى الحكم في غيره على أصله وهو الاستعمال. ومنها البداية باليمنى وهي سنة بالإجماع، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثمَّ هذا بالنسبة إلى اليد والرِجل، وأمَّا الخدان والكعبان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الأُذنان على الأصح عند الشافعية. ومنها أخذ الماء للوجه باليد الواحدة وهو أحد الوجهين للشافعية، والوجه الآخر غسل الوجه باليدين وجمهورهم عليه.

وقال السرخسي إنه يغرف بكفه اليمنى ويضع ظهرها على بطن كفه اليسرى ويصبُّه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدلُّ له، فافهم.

[1] لعل صواب العبارة إلى أن صارَ رشُّهُ عليها غسلٌ لها.

[2] (( بعد فلا ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت