1588 - (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحَّدة وفي آخره غين معجمة، ابن الفرح أبو عبد الله، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦202] (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري.
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) وفي نسخة بالألف واللام، وهو المشهور بزين العابدين (عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) بن عفَّان رضي الله عنه (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ)
ج 7 ص 575
رضي الله عنهما (أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ، فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ) قال الحافظ العسقلانيُّ حذفت أداة الاستفهام من قوله في دارك، بدليل رواية ابن خُزيمة والطَّحاوي عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهبٍ بلفظ «أتنزل في دارك» .
وكذا أخرجه الجوزقيُّ من وجهٍ آخر عن أصبغ شيخ البخاريِّ فيه، وللمصنِّف في المغازي من طريق محمَّد بن أبي حفصة، عن الزُّهري «أين تنزل غدًا» ، فكأنَّه استفهمه أوَّلًا عن مكان نزوله، ثمَّ ظنَّ أنَّه ينزل في داره فاستفهمه عن ذلك.
وظاهر هذه القصَّة أنَّ ذلك كان حين أراد دخول مكَّة، ويزيده وضوحًا رواية زمعة بن صالحٍ، عن الزُّهري بلفظ «لما كانوا يوم الفتح قبل أن يدخلَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكَّة، قيل أين تنزل أفي بيوتكم» ، الحديث.
وروى عليٌّ بن المديني، عن سفيان بن عُيينة، عن عَمرو بن دينار، عن محمَّد بن علي بن حسين قال «قيل للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدم مكَّة أين تنزل؟ قال وهل تركَ لنا عقيل من ظلٍّ» .
قال عليُّ بن المدينيِّ أشكُّ أنَّ محمَّد بن علي بن حسينٍ أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذلك حين أراد أن ينفر من منى فيحمل على تعدُّد القصَّة.
(فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ) بفتح العين المهملة، وفي رواية مسلم وغيره بزيادة لنا (مِنْ رِبَاعٍ) جمع ربع، وقد ذكر تفصيله (أَوْ دُورٍ) للتَّأكيد إذا فسر الربع بالدَّار، أو هو شكٌّ من الرَّاوي (وَكَانَ عَقِيلٌ) هذا إدراجٌ من بعض الرُّواة، ولعلَّه من أسامة، كذا قاله الكِرمانيُّ.
(وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ) أي عقيل (وَطَالِبٌ) عطف على الضمير المستكن في ورث؛ أي ورث عقيلٍ وطالب أباهما أبا طالب، واسم أبي طالب عبد منافٍ، وكني بابنه طالب (وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ) هو المشهور بالطَّيار وذي الجناحين، وقد مرَّ في باب الرَّجل يُنْعَى، في كتاب الجنائز [خ¦1246] (وَلاَ عَلِيٌّ) وكان طالب أسنُّ من عقيل، وهو أسنُّ من جعفر، وهو أسنُّ من عليٍّ رضي الله عنهم، والتَّفاوت بين كلِّ واحدٍ والآخر عشر سنين، وهو من النَّوادر.
(لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ) أي عند وفاة أبيهما؛ لأنَّ عقيلًا أسلم بعد ذلك عند الحديبية، ومحصله
ج 7 ص 576
أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا هاجر استولى عقيل وطالب على الدَّار كلِّها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحقِّه منها بالهجرة، وفُقِدَ طالبُ بِبَدْر فباع عقيلٌ الدَّار كلَّها.
وحكى الفاكهيُّ أنَّ الدَّار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمَّد بن يوسف أخي الحجَّاج بمائة ألف دينارٍ، وزاد في روايته من طريق محمَّد بن أبي حفصة وكان علي بن الحسين رضي الله عنهما يقول من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشِّعب؛ أي حصة جدِّهم علي من أبيه أبي طالب، قيل لما كان أبو طالب أكبر ولد عبد المطلب احتوى على أملاكِهِ وحازها وحدَه على عادة الجاهليَّة من تقديم الأسنِّ فتسلَّط عقيل أيضًا، بعد هجرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال الدَّاودي وغيره باع عقيل ما كان للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولمن هاجر من بني عبد المطلب، كما كانوا يفعلون بدور من هاجر من المؤمنين فإنَّ من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره.
وإنَّما أمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصرُّفات عقيل كرمًا وجودًا، أو استمالة لعقيل، أو تصحيحًا لتصرُّفات أهل الجاهليَّة، كما أنَّه يصحَّح أنكحة الكفَّار.
(فَكَانَ) أي فمن أجل ذلك كان، وكذا في رواية الإسماعيليِّ (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ لاَ يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ) وهذا موقوفٌ على عمر رضي الله عنه، وقد ثبت مرفوعًا بهذا الإسناد وهو عند البخاريِّ في المغازي من طريق محمَّد بن أبي حفصة ومعمر عن الزُّهري [خ¦4282] ، وأخرجه مفردًا في الفرائض من طريق ابن جريج عنه [خ¦6764] .
قال الحافظ العسقلانيُّ ويختلج في خاطري أنَّ القائل فكان عمر ... إلى آخره هو ابن شهاب؛ فيكون منقطعًا عن عمر رضي الله عنه.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري المذكور في إسناد الحديث (وَكَانُوا) أي السَّلف (يَتَأَوَّلُونَ) أي يفسِّرون (قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى) أي الولاية المذكورة في هذه الآية الكريمة بولاية الميراث
ج 7 ص 577
( {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ) أي صدَّقوا بما جاء به الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التَّوحيد والقرآن ( {وَهَاجَرُوا} ) أوطانهم وهم المهاجرون هاجروا من مكَّة إلى المدينة حبًّا لله ولرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
( {وَجَاهَدُوا} ) العدو ( {بِأَمْوَالِهِمْ} ) فصرفوها في الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج ( {وَأَنْفُسِهِمْ} ) بمباشرة القتال ( {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ) أي في طاعته تعالى وفيما فيه رضاه، ثمَّ إنَّه تعالى ذكر الأنصار، فقال ( {وَالَّذِينَ آوَوْا} ) أي المهاجرون إلى ديارهم حيث أنزلوهم وأسكنوهم في ديارهم ( {وَنَصَرُوا} ) رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أعدائه بالسَّيف.
( {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال 72] ) يعني في الميراث، روى عبد الرَّزاق، عن معمر، عن قتادة قال كان المسلمون يتوارثون بالهجرة وبالمؤاخاة التي واخى بينهم النَّبي صلَّى الله عليهم وسلم، وكانوا يتوارثون بالإسلام وبالهجرة، وكان الرَّجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه، فنسخ بقوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} الآية [الأحزاب 6] (الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وتمامها قوله تعالى {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} يعني إلى المدينة {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ} أي من تولِّيهم من الميراث بأن يتولَّى بعضهم بعضًا في الميراث، وقرأ حمزة {من ولايتهم} بالكسر تشبيهًا لها بالعمل والصِّناعة كالكتابة والإمارة كأنَّه بتولِّيه صاحبه يزاول العمل.
{مِنْ شَيْءٍ} من الميراث {حَتَّى يُهَاجِرُوا} إلى المدينة وقالوا يا رسول الله، هل نعينهم إذا استعانوا بنا يعني الذين آمنوا ولم يهاجروا، فنزل {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} يعني إن استعانوا بكم على المشركين فانصروهم {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} أي فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على من قاتلهم {إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} أي عهد فلا تنصروهم عليهم فإنَّه لا ينقض عهدهم بنصرهم عليهم وأصلحوا ذات بينهم {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال 72] في العون والنُّصرة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة قوله وهل ترك عقيل من رباع أو دور .. إلى قوله قال ابن شهاب.
قال الخطَّابي احتجَّ بهذا الحديث الشَّافعي على جواز بيع دور مكَّة بأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها، وكان عقيل وطالب ورثاها؛ لأنَّهما إذ ذاك كانا كافرين فورثا ثمَّ أسلمَ عقيل وباعها.
قال الخطَّابي وعندي أنَّ تلك الدُّور وإن كانت قائمةً على ملك عقيل
ج 7 ص 578
لم ينزلها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّها دور هجروها لله تعالى فلم يرجعوا فيما تركوه.
وتُعُقِّب بأنَّ سياق الحديث يقتضي أنَّ عقيلًا باعها، ومفهومه أنَّه لو تركها لنزلها، هذا فلُيتأمَّل، فإن قيل يعارض هذا الحديث حديث عبدِ الله بن عَمرو بن العاص، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لا يحلُّ بيع بيوت مكَّة ولا إجارتها ) )رواه الطَّحاوي والبيهقيُّ ولفظه (( مكَّة مُناخ لا يُبَاع رباعها ولا تؤاجر بيوتها ) ).
فالجواب أنَّ الأصل في باب المعارضة التَّساوي وحديث عبد الله بن عمرو لا يقاوم حديث أسامة؛ لأنَّ في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، ضعَّفه يحيى والنَّسائي، وعن يحيى مرَّة لا شيء. فحينئذٍ يسقط حديث عبد الله بن عمرو، ولئن سلَّمنا المساواة فلا يكتفي بها، بل يرجَّح حديث أسامة من طريق النَّظر، فإنَّ ما يقتضيه حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله.
وبيانه أنَّ المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحدٍ لا يجوز لأحدٍ أن يبني فيها بناءً أو يحتجز موضعًا منها، ألا ترى أنَّ موضع الوقوف بعرفة لا يجوز لأجدٍ أن يبني فيها بناءً.
وكذلك مِنى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارًا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله، ألا تتَّخذ لك بمنى بيتًا تستظلُّ فيه فقال (( يا عائشة، أنَّها مُناخ لمن سبق ) )أخرجه التِّرمذي وابن ماجه وأحمد والطَّحاوي.
ووجدنا مكَّة على خلاف ذلك؛ لأنَّه قد أجيز فيها البناء، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم دخل مكَّة (( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) )فهذا يدلُّ على أنَّ مكة ممَّا يبني فيها الدُّور وممَّا يُغْلق عليها الأبواب، فإذا كان كذلك يكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك وتقع فيها المواريث، فحينئذٍ يجوز بيع الدُّور التي فيها، ويجوز إجارتها.
وقال ابن قدامة أضاف النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّار إلى أبي سفيان إضافة ملك بقوله من دخل دار أبي سفيان، وقد كانت لأصحاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دور بمكَّة لأبي بكر وللزُّبير وحكيم بن حزام، وغيرهم ممَّن يكثر تعدادهم فبعضها بيع وبعضها بقي في يد أعقابهم.
وإنَّ عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أميَّة دارًا بأربعة آلاف درهمٍ واشترى معاوية من حكيم بن حزام
ج 7 ص 579
دارين بمكَّة إحداهما بستِّين ألف درهمٍ، والأخرى بأربعين ألف درهم، وهذه قصصٌ اشتُهرت فلم تُنْكَر، فصارت إجماعًا.
وقال الطَّحاوي فإن احتجَّ محتجٌّ في ذلك بقوله تعالى {جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} الآية [الحج 25] قيل له قد رُوِيَ في تأويل هذا عن المتقدِّمين ما حدَّثنا إبراهيم بن مرزوق قال حدَّثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج 5] قال خلق الله فيه سواء، فثبت بذلك أنَّه إنَّما قصد بذلك البيت أو المسجد الحرام لا سائر مكَّة، فإذا كان كذلك لا يتساوى النَّاس في غير المسجد الحرام؛ لأنَّ بعضهم يكونون ملاكًا وبعضهم يكونون سكَّانًا فالمالك يجوز له بيع ملكه وإجارته ونحوهما.
ويخدش هذا ما رُوِيَ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا قال «كانوا يرون الحرم كلُّه مسجدًا سواء العاكف فيه والباد» ، وروى الثَّوري عن منصور عن مجاهد قال قال عمر رضي الله عنه «يا أهل مكَّة لا تتَّخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء» .
وروى عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنَّ عمر نهى أهل مكَّة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاجِّ» ، وروى ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال «من أكلَ كراء بيوت أهل مكَّة فإنَّما يأكل نارًا في بطنه» .
وفي الحديث من الفوائد دليلٌ على بقاء دور مكَّة لأربابها، وفيه أيضًا أنَّ المسلم لا يرث الكافر، وفقهاء الأمصار على ذلك، إلَّا ما حُكي عن معاوية ومعاذ رضي الله عنهما وكذا عن الحسن البصريِّ وإبراهيم النَّخعي وإسحاق أنَّ المسلم يرث الكافر وأجمعوا على أنَّ الكافر لا يرث المسلم.
والحديث أخرجه المؤلِّف في الجهاد [خ¦3058] والمغازي أيضًا [خ¦4282] ، وأخرجه مسلم في الحجِّ وكذا أبو داود والنَّسائي فيه، وابن ماجه فيه وفي الفرائض.