1590 - (بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) أي في خَيْف، وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتانيَّة وفي آخره فاء، ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل، وكِنانة، بكسر الكاف وتخفيف النون الأولى، والمراد به المحصَّب، بالمهملتين (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) أي تحالفوا (عَلَى الْكُفْرِ) قال النَّووي معنى تقاسمهم على الكفر تحالفهم على إخراج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبني هاشم والمطَّلب من مكَّة إلى هذا الشعب، وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصَّحيفة المشهورة فيها أنواعٌ من الباطل، فأرسل الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من الكفر وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبريلُ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك فأخبر به عمَّه أبا طالبٍ، فأخبرهم عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك فوجدوه كما قال، والقصَّة مشهورةٌ، وسنوضحها بأكثر من ذلك إن شاء الله تعالى.
(حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء، عبد الله بن الزُّبير الحميدي المكِّي، قال (حَدَّثَنَا الوَلِيْدُ) هو ابن مسلم القرشيُّ الأمويُّ الدمشقيُّ، قال (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو (قَالَ حَدَّثَني) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (عَن أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وفي رواية مسلم عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم بسنده حدَّثني أبو سلمة حدَّثنا أبو هريرة.
(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الغَدِ) أصله الغدو، فحذفوا الواو، وهو أوَّل النَّهار، وقال الجوهريُّ الغُدوة، بضم الغين ما بين الصُّبح وطلوع الشَّمس (يَوْمَ النَّحْرِ) نصب على الظرف؛ أي قال في غداة يوم النَّحر.
(وَهُوَ بِمِنًى) جملة اسميَّة حالية (نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ) مقول القول (يَعْنِي ذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) هكذا في رواية المستملي، وفي رواية غيره قال الكرمانيُّ النُّزول في المحصَّب هو في اليوم الثَّالث عشر من ذي الحجَّة لا في اليوم الثَّاني من العيد الذي هو الغد حقيقة، وأجاب بأنَّه تجوُّز
ج 7 ص 581
عن الزَّمان المستقبل القريب بلفظ الغد، كما يُتَجوَّز بالأمس عن الماضي.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ويختلج في خاطري أنَّ جميع ما بعد قوله يعني بذلك .. إلى آخره من قول الزُّهري أدرج في الخبر، فقد رواه شعيبٌ كما في هذا الباب وإبراهيم بن سعدٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في السِّيرة [خ¦3882] ويونس كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التَّوحيد [خ¦7479] كلُّهم عن ابن شهاب مقتصرين على الموصول منه إلى قوله (( على الكفر ) )ومن ثمَّة لم يذكر مسلم في روايته شيئًا من ذلك.
(وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ) عطف كنانة على قريش مع أنَّ قريشًا هم أولاد النَّضر بن كنانة، فيكون من باب التَّعميم بعد التَّخصيص، ويحتمل أن يرادَ بكنانة غير قريشٍ، فقريش قسيم له لا قِسْمٌ منه، قيل لم يعقِّب النَّضر غير مالكٍ، ولا مالك غير فهر، فقريشٌ ولد النَّضر بن كنانة، وأمَّا كنانة فأعقب من غير النَّضر فلهذا وقعت المغايرة (تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ) كذا وقع عنده بالشَّك، ووقع عند البيهقيِّ من طريقٍ أخرى عن الوليد بغير شكٍّ. قال الدَّاودي وهو وهمٌ، وسيأتي تحقيقه في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
(أَنْ لاَ يُنَاكِحُوهُمْ) يعني لا يقع بينهم عقد نكاحٍ؛ بأن لا يتزوَّج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم وبني عبد المطَّلب ولا يزوجوا امرأة منهم إيَّاهم (وَلاَ يُبَايِعُوهُمْ) أي بأن لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم شيئًا، وفي رواية محمَّد بن مصعب، عن الأوزاعيِّ عند أحمد (( أن لا يناكحوهم ولا يخالطوهم ) )وفي رواية الإسماعيليِّ (( ولا يكون بينهم وبينهم شيءٌ ) )وهذا أعمُّ.
(حَتَّى يُسْلِمُوا) بضم الياء وإسكان المهملة وكسر اللام (إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكانت هذه القضيَّة على ما ذكر في «الطَّبقات» لما بلغ قريشًا فعل النَّجاشي بجعفرٍ وأصحابه وإكرامه إيَّاهم كبر ذلك عليهم جدًّا وغضبوا، وأجمعوا على قتل سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكتبوا كتابًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، وكان الذي كتب الصَّحيفة منصور بن عكرمة العبدريُّ فشلَّت يده.
وفي «الأنساب» للزُّبير بن أبي بكر اسمه بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدَّار، وقال الكلبيُّ هو منصور بن عامر بن هاشم أخو عكرمة بن عامر بن هاشم، ثمَّ ذكر في «الطبقات» وعلَّقوا الصَّحيفة في جوف الكعبة. وقال بعضهم بل كانت عند أمِّ الجُلاس بنت مُخَرِّبة الحنظليَّة خالة أبي جهلٍ وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالبٍ ليلة هلال المحرم سنة سبع من خبر النُّبوة، وانحاز بنو المطَّلب بن عبد مناف إلى أبي طالبٍ في شعبه، وخرج أبو لهبٍ إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطَّلب وقطعوا عنهم الميرة والمارَّة، فكانوا لا يخرجون إلَّا من موسم إلى موسمٍ
ج 7 ص 582
حتَّى بلغهم الجهد، فأقاموا فيه ثلاث سنينٍ، ثمَّ أطلع الله رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمر صحيفتهم وأنَّ الأرضة أكلت ما كان فيها من جورٍ وظلمٍ وبقي ما كان فيها من ذكر الله عزَّ وجلَّ.
وفي لفظ ختموا على الكتاب ثلاثة خواتيم، وفي لفظ فذكر ذلك النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي طالب فقال أبو طالبٍ لكفَّار قريشٍ إنَّ ابن أخي أخبرني، ولم يكذبني قطُّ، أنَّ الله تعالى قد سلَّط على صحيفتكم الأرضة فلحست ما كان فيها من جورٍ وظلم وبقي فيها كلُّ ما ذكر به الله تعالى، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم سوء آرائكم وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا قد أنصفتنا، فإذا هي كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب علام نحبس ونحصر وقد بان الأمر فتلاوم رجالٌ من قريش على ما صنعوا ببني هاشم منهم مطعم بن عديٍّ وعديُّ بن قيس وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هاشم وزهير بن أبي أميَّة ولبسوا السِّلاح، ثمَّ خرجوا إلى بني هاشم وبني المطَّلب فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا، فلمَّا رأت قريش ذلك سقط في أيديهم، وعرفوا أنَّهم لن يسلِّموهم، وكان خروجهم من الشِّعب في السَّنة العاشرة.
(وَقَالَ سَلاَمَةُ) بتخفيف اللام، هو ابن رَوْح، بفتح الراء، الأَيْلي، بفتح الهمزة وسكون التحتانيَّة، وهو يَرْوِي (عَنْ) عمِّه (عُقَيْلٍ) بضم العين، هو ابن خالد الأيلي، مات سنة سبع وتسعين ومائة (وَيَحْيَى) هو يحيى بن عبد الله (ابْنُ الضَّحَّاكِ) البابُلُتِّي، ببائين موحَّدتين وضم الثانية وبعدها اللام المضمومة وبعدها مثنَّاة فوقية مشدَّدة، نسبة إلى بابل، نزيل خراسان، وليس له في البخاريِّ إلَّا في هذا الموضع.
قال ابن السَّمعاني وظنِّي أنَّها موضعٌ بالجزيرة، وفي رواية أبي ذرٍّ وكريمة ويحيى عن الضَّحَّاك بكلمة بدل كلمة ابن. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو وهمٌ، والصَّحيح هو الأوَّل.
(عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، وقال يحيى بن معين يحيى بن عبد الله بن الضَّحَّاك البابلتي والله لم يَسمعْ من الأوزاعيِّ شيئًا، وذكر الهيثم بن خلف الدُّوري أنَّ أمَّه كانت تحت الأوزاعيِّ، فإذا كان كذلك فلا يبعد سماعه منه لأنَّه في حجره، وقال عنبسة بن خالدٍ لم يكن لسلامة بن رَوح من السنِّ ما يسمع من عُقيل بن خالد.
قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ وَقَالاَ) أي سلامة ويحيى
ج 7 ص 583
كلاهما، عن ابن شهاب (بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ) بدون لفظ عبد، بخلاف رواية الوليد، فإنَّها متردِّدة بين المطَّلب وعبد المطَّلب.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أراد به البخاري نفسه (بَنِي الْمُطَّلِبِ) بدون ذكر عبد (أَشْبَهُ) بالصَّواب؛ لأنَّ عبد المطَّلب هو ابن هاشم، ولفظ هاشم مغنٍ عنه، وأمَّا المطلب فهو أخو هاشم، وهما ابنان لعبد منافٍ، فالمقصود أنَّهم تحالفوا على بني عبد مناف.
وتعليق سلامة وصله ابن خزيمة في «صحيحه» من طريقه، وتعليق يحيى وصله أبو عوانة في «صحيحه» والخطيب في «المدرج» .
وقد تابعه على الجزم بقوله بني هاشم وبني المطَّلب، محمدُ بن مصعب، عن الأوزاعيِّ. أخرجه أحمد وأبو عوانة أيضًا، والله أعلم.