فهرس الكتاب

الصفحة 2515 من 11127

1597 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، أبو عبد الله العبدي، وقد مرَّ في كتاب العلم [خ¦90] قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن يزيد النَّخعي، وقد رواه سفيان، عن إبراهيم بإسنادٍ آخر، وهو ابن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، عن عمر رضي الله عنه (عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ) بالمهملة وكسر الموحَّدة في الأوَّل وبالراء المفتوحة في الثَّاني، هو النَّخعي أيضًا.

(عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ) وفي رواية أسلم الآتية إن شاء الله تعالى بعد بابٍ، عن عمر رضي الله عنه [خ¦1605] أنَّه قال (( أما والله إنِّي لَأَعْلَم أنَّك حَجَرٌ ) ) (لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ) يعني إلَّا بإذن الله تعالى (وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ) وفي نسخة .

(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) وقد روى الحاكم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( حججنا مع عمر رضي الله عنه، فلمَّا دخل الطَّواف استقبل الحجر فقال إنِّي أعلم أنَّك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبَّلتك ثمَّ قبله ) )، فقال علي رضي الله عنه إنَّه يضر وينفع قال بم؟ قلت قال بكتاب الله تعالى؛ قال عزَّ وجلَّ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} الآية [الأعراف 172] . وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا خلق آدم مسح يده على ظهره فَقَرَّرَهم بأنَّه الربُّ، وأنَّهم العبيد وأخذَ عهودهم ومواثيقهم وكتبَ ذاك في رقٍّ، وكان لهذا الحَجَر عينان ولسان فقال افتح فاك، ففتح فاه، فألقمه ذلك الرِّق فقال اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإنِّي أشهد لَسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 8 ص 1

يقول (( يُؤْتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتَّوحيد ) )فهو يا أمير المؤمنين يضرُّ وينفع، فقال عمر رضي الله عنه أعوذ بالله من قوم لست فيهم يا أبا حسن. وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو ضعيف جدًا.

ورواه الأزرقي أيضًا في «تاريخ مكَّة» ، وفي لفظه (( أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم ) ). ومن الحكمة في تقبيل الحجر الأسود غير ما ذكر عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّه من أحجار الجنَّة على ما سيأتي [خ¦1597] ، فإذا كان كذلك، فالتَّقبيل ارتياح إلى الجنَّة وآثارها. ومنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّه يمين الله في الأرض، رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» .

وفي «فضائل مكَّة» للجندي من حديث ابن جريج، عن محمَّد بن عباد بن جعفر، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( إنَّ هذا الرُّكن الأسود [1] هو يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرَّجل أخاه ) ).

ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة (( فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ استلم الحَجَر فقد بايع الله ورسوله ) ).

وفي «سنن ابن ماجه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من فاوض الحَجَر الأسودَ فكأنَّما يفاوض يد الرَّحمن ) ).

وقال المحبُّ الطَّبري والمعنى في كونه يمين الله، والله أعلم، أنَّ كل ملك إذا قُدِمَ عليه قُبِّلت يَميْنُه، ولمَّا كان الحاجُّ أو المعْتَمِر أوَّل ما يقدمان يسن لهما تقبيله نُزِّل منزلةَ يمين الملك، ولله المثل الأعلى.

هذا، وقد تكلَّم الشَّارحون في مراد عمر رضي الله عنه بذلك الكلام فقال محمَّد بن جرير الطَّبري إنَّما قال ذلك عمر رضي الله عنه؛ لأنَّ النَّاس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر رضي الله عنه أن يظنَّ الجهَّال بأنَّ استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان، فأراد عمر رضي الله عنه أن يُعَلِّم أنَّ استلامه لا يقصد به إلَّا تعظيم الله عزَّ وجلَّ، والوقوف عند أمر نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأنَّ ذلك من شعائر الحجِّ التي أمر الله تعالى بتعظيمها، وأنَّ استلامه مخالفٌ لفعل الجاهليَّة في عبادتهم الأصنام، فإنَّهم كانوا يعتقدون أنَّها تقرِّبُهم إلى الله زلفى، فنبَّه عمر رضي الله عنه على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنَّه لا ينبغي أن يُعْبَدَ إلَّا مَن يملك

ج 8 ص 2

الضرَّ والنَّفع، وهو الله جل جلاله.

وقال المحبُّ الطَّبري لمَّا رأى عمر رضي الله عنه أنَّ الحَجَر يُسْتَلَمُ، ولا يُعْلَمُ له سببٌ يظهر لا من جهة الحس، ولا من جهة العقل ترك فيه الرَّأي والقياس، وصار إلى محض الاتباع كما صنع في الرَّمل.

وقال المُهَلَّبُ حديث عمر رضي الله عنه هذا يَرُدُّ على مَن قال إنَّ الحجر يمين الله في الأرض، يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون له عزَّ وجلَّ جارحة، وإنَّما شرع تقبيله اختبارًا؛ ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصَّة إبليس حيث أُمِرَ بالسُّجود لآدم عليه السَّلام. انتهى. وأجاب عنه المحبُّ الطَّبري بما قد سبق آنفًا.

وقال الخطَّابي معنى أنَّه يمين الله في الأرض أنَّ مَن صافحه في الأرض كان له عند الله عَهْدٌ، فإنَّ العادة قد جَرَتْ بأنَّ العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه.

وقال الخطَّابي أيضًا في حديث عمر رضي الله عنه من الفقه أنَّ متابعة النَّبي صلى الله عليه وسلم واجبة، وإن لم يوقف فيها على علل معلومة وأسباب معقولة، وأنَّ أعيانها حجَّة على من بلغته، وإن لم يفقه معانيها.

ومن المعلوم أنَّ تقبيل الحجر إكرام وإعظام لحقِّه، وقد فضَّل الله بعض الأحجار على بعض كما فضل بعض البقاع على بعض كمكَّة ولذلك قيل يا مكَّة ما أنت إلَّا واد شرَّفك الله على البلاد، وبعض اللَّيالي والأيَّام على بعض كيوم عرفة وليلة القدر، وليست هذه التكرمة لذاتها، وإنَّما هو حكم الله ومشيئته لا يسأل عمَّا يفعل.

وقال النَّووي الحكمة في كون الرُّكن الذي فيه الحجر الأسود يُجْمَعُ فيه بين التَّقبيل والاستلام كونُه على قواعد إبراهيم عليه السَّلام وفيه الحجر الأسود، وأنَّ الرُّكن اليماني اقْتُصِرَ فيه على الاستلام؛ لكونه على قواعد إبراهيم عليه السَّلام، ولم يُقَبَّل، وأنَّ الرُّكنين الآخَرَين لا يُقَبَّلان ولا يُسْتَلَمَان لفَقْدِ الأمرين المذكورَين فيهما.

وفي الحديث أيضًا أنَّ تقبيل الحجر الأسود سنَّة، قال التِّرمذي والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبُّون تقبيل الحجر، فإن لم يمكنه ولم يصل إليه استلمه بيده، وإن كان لم تَصِلْ إليه يده استقبله إذا حاذى به وكبَّر، وهو قول الشَّافعي. انتهى.

وخالف مالك في تقبيل اليد فقال يستلمهُ ولا يُقَبِّلُ يَدَه، وهو أحد القولين عنه.

وقال الكرماني وهو من مفاريد مذهبه، والجمهور على أن يَسْتَلِمُه ثمَّ يقبِّل يَدَه، وهو قول ابن عمر وابن عبَّاس وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر رضي الله عنهم وعطاء بن أبي رباح وابن أبي مُليكة وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير، ومجاهد وعمرو بن دينار، وهو قول أبي حنيفة

ج 8 ص 3

والأوزاعي والشَّافعي وأحمد.

وروى الحاكم من حديث جابر رضي الله عنه (( بدأ بالحجر الأسود فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، وقبَّله ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه ) ).

وروى النَّسائي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّه قبله ثلاثًا ) )، وعند الحاكم (( وسجد عليه ) )، ولذا قيل ويستحب وضع الجبهة عليه. وفي الحديث أيضًا كراهة تقبيل ما لم يرد الشَّرع بتقبيله من الأحجار وغيرها.

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وأمَّا قول الشَّافعي فمهما قبل من البيت فحسن، فإنَّه لم يُرِدْ بالحسن مشروعيَّته، بل أرادَ إباحتَه، والمباح من جملة الحسن كما ذكره الأصوليُّون. اهـ. وفيه نظرٌ لا يخفى. وقال أيضًا وأمَّا تقبيل الأماكن الشَّريفة على قصد التبرُّك، وكذلك تقبيل أيدي الصَّالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنيَّة.

وقد سأل أبو هريرة الحسن رضي الله عنهما أن يكشف له المكان الذي قبَّله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سرته، فقبَّله تبركًا بآثاره وذريَّته صلى الله عليه وسلم، وقد كان ثابت البُنَاني لا يَدَعُ يَدَ أنسٍ رضي الله عنه حتَّى يقبِّلها ويقول يد مسَّت يَدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضًا وأخبرني الحافظ أبو سعيد بن العلاء قال رأيت في كلام أحمد بن حنبل في «جزء قديم» عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفَّاظ أنَّ الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم وتقبيل منبره، فقال لا بأس بذلك، قال فأريناه للشَّيخ تقي الدِّين ابن تيميَّة فصار يتعجَّب من ذلك ويقول عَجْبْتُ؛ أحمدُ عندي جليل يقول هذا؟ هذا كلامه أو معنى كلامه. وقال وأيُّ عَجَبٍ في ذلك، وقد روينا عن الإمام أحمد أنَّه غسل قميصًا للشَّافعي، وشرب الماء الذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فكيف بمقابر الصَّحابة وكيف بآثار الأنبياء عليهم السَّلام، ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول

~أمرُّ عَلَى الدِّيارِ ديَارِ لَيلَى أُقبِّل ذَا الجِدارَ وذَا الجدَارَا

~ومَا حبُّ الدِّيارِ شغَفْنَ قلْبِي ولكِنْ حُبُّ مَن سكَنَ الدِّيارَا

وقال المحبُّ الطَّبري ويمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الأركان جوازُ تقبيل ما في تقبيله تعظيم الله تعالى، فإنَّه وإن لم يَرِدْ فيه خبرٌ بالنَّدب لم يَرِدْ بالكراهة أيضًا.

قال وقد رأيت في بعض تعاليق جدي محمَّد بن أبي بكر

ج 8 ص 4

عن الإمام أبي عبد الله محمَّد بن أبي الصَّيف أنَّ بعضَهم كان إذا رأى المصاحف قبَّلها، وإذا رأى أجزاء الحديث قبَّلها، وإذا رأى قبور الصَّالحين قبَّلها.

قال ولا يبعد هذا والله أعلم فيما فيه تعظيم الله تعالى، وفي قول عمر رضي الله عنه التَّسليم للشَّارع في أمور الدِّين وترك طلب العلل، وحسن الاتباع فيما لم ينكشف لنا فيه من المعنى، وأمور الشَّريعة على ضربين ما كُشِفَ عن عِلَّته، وما لم يُكْشَفْ، وهذا ليس فيه إلَّا التَّسليم، وهو قاعدة عظيمة في اتِّباع النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله، ولو لم نعلم الحكمة فيه.

وفيه دفع ما وقع لبعض الجهَّال من أنَّ في الحجر الأسود خاصِّيَّة ترجع إلى ذاته، وفيه بيان السنن بالقول والفعل، وفيه أنَّ الإمام إذا خشي على أحدٍ من فعله فسادَ اعتقادِه ينبغي له أن يُبادر إلى بيان الأمر ويوضِّح ذلك.

ورجال إسناد الحديث ما بين بصريٍّ وهو شيخه وكوفي وهم البقيَّة، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي في الحج أيضًا.

ثمَّ إنَّ المؤلِّف رحمه الله اكتفى في هذا الباب بحديث عمر رضي الله عنه الذي ورد في تقبيل الحجر الأسود، وكأنَّه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث، روى التِّرمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر الأسود (( وإنَّه ليبعثه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بحق ) )أي لمن استلمه كما في روايةٍ لأحمد والدَّرامي في «مسنديهما» ، وكذلك في «صحيح ابن حبَّان» وقوله بحق يحتمل أن يتعلَّق بقوله يشهد. ويحتمل أن يتعلق بقوله استلمه، ورواه ابن ماجه أيضًا، وكذا ابن حبَّان في «صحيحه» .

وروى الحاكم في «المستدرك» ، والطَّبراني في «المعجم الأوسط» من حديث عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( يأتي الرُّكن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يتكلَّم عمَّن استلمه بالنيَّة، وهو يمين الله تعالى يصافح بها خلقه ) )قال الحاكم صحيح.

وفيه جواز كلام الجمادات ووجود اللِّسان والعينين للحجر الأسود، وهل يخلقه الله تعالى يوم القيامة فيه أو هو موجود فيه لكنْ هو أمر خفيٌّ غامضٌ يحتمل الأمرين، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه السَّابق أنَّ هذا الوصف كان موجودًا فيه من يوم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف 172] .

وروى معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن مجاهد أنَّه قال يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أحد فيناديان

ج 8 ص 5

بأعلى صوتهما يشهدان لمن وافاهما بالوفاء.

وعن أنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الرُّكن والصَّفا ياقوتتان من يواقيت الجنَّة ) )، قال الحاكم صحيح الإسناد.

وعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الرُّكن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنَّة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب ) )أخرجه الحاكم.

وأخرجه البيهقي بسندٍ على شرط مسلم وزاد (( ولولا ما مسَّهما من خطايا بني آدم ما مسَّهما من ذي عاهة إلا شُفِيَ، وما على الأرض من الجنَّة غيره ) ).

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، رَفَعَه (( لولا ما طَبَعَ اللهُ الرُّكنَ من أنْجَاسِ الجاهليَّة وأرجاسها وأيدي الظلمة والأئمَّة لاستُشْفِىَ به من كلِّ عاهة، ولألقاه الله كهيئته يوم خلقه تعالى، وإنَّما غيره الله تعالى بالسَّواد؛ لئلا ينظر أهل الدُّنيا إلى زينة الجنَّة، وإنَّه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء، وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة، قبل أن تكون الكعبة، والأرض يومئذٍ طاهرة لم يعمل فيها شيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفًا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذٍ الجن، وليس ينبغي أن ينظروا إليه؛ لأنَّه شيءٌ من الجنَّة، ومن نظر إلى الجنَّة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم محدقون به من كلِّ جانب بينه وبين الحرم ) ).

وروى الطَّبراني عن عائشة رضي الله عنه مرفوعًا (( استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يُرْفَع، فإنِّه خرج من الجنَّة، وإنَّه لا ينبغي لشيء خرج من الجنَّة أن لا يَرْجِعَ إليها قبْلُ يوم القيامة ) ). وفي رواية الجُنْدِي، عن مجاهد (( الرُّكن من الجنَّة ولو لم يكن منها لفني ) ). وعند الجُنْدِي، عن سعيد بن المسيَّب الرُّكن والمقام حجران من أحجار الجنَّة.

تنبيه اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي في أوَّل الباب فقال كيف سوَّدته خطايا المشركين ولم تبيِّضه طاعات أهل التَّوحيد.

وأجيب بما قال ابن قتيبة لو شاء الله تعالى لكان ذلك، وإنَّما أجرى الله تعالى العادة بأنَّ السَّواد يصبغ ولا ينصبغ على العكس من البياض.

وقال المحب الطَّبري في بقائه أسود عبرةٌ لمن له بصيرة، فإنَّ الخطايا إذا أثرت

ج 8 ص 6

في الحجر الصَّلد فتأثيرها في القلب أشدُّ. قال وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( إنَّما غيَّره بالسَّواد؛ لئلا ينظر أهل الدُّنيا إلى زينة الجنَّة ) ). فإن ثبت هذا فهو الجواب.

وقال الحافظ العسقلاني أخرجه الحميدي في «فضائل مكَّة» بإسنادٍ ضعيفٍ، والله أعلم.

تكميل كان أبو طاهر القرمطيُّ من الباطنية وقال بسوء رأيه إنَّ هذا الحجر مغناطيس بني آدم فجاء إلى مكَّة يوم التَّروية وقلع الحجر، وقلع الباب وأصعد رجلًا من أصحابه ليقلع الميزاب، فتردَّى على رأسه إلى جهنَّم وبئس المآب، وأخذ أسلاب مكَّة وقتل الحاج.

يقال بلغ القتلى بمكَّة وظاهرها أزيد من ثلاثين ألفًا من الرِّجال والنِّساء والصِّبيان مثل ذلك، وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الباقي في المسجد الحرام وحيث قُتِلوا كفِّنوا ودُفِنوا، ولا غَسَل ولا صَلَّى على أحدٍ منهم، كذا في «الكامل» . ويقال دخل القرمطي المذكور مكَّة بأناس قلائل نحو سبعمائة نفر فلم يُطِقْ أحدٌ ردَّه، وصعد اللَّعين على عتبة الكعبة ونادى

~أَنَا باللَّهِ وباللَّهِ أَنَا يَخْلُقُ الخَلقَ وأُفنيهِمْ أَنَا

ومدَّة إقامته بمكَّة ستَّة أيام ولم يحج أحد، ولا وقف بالنَّاس إمام، وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة، كذا في «سيرة مُغْلْطاي» . وكان من القتلى شيخ الحنفيَّة ببغداد أبو سعيد أحمد بن علي اليَربوعي، والحافظ أبو الفضل محمَّد بن أبي الحسن الهروي، ونُقِلَ الحجرُ الأسودُ إلى الكوفة، وهلك تحت الحجر من مكَّة إلى الكوفة أربعون جَمَلًا، فعلَّقه على الاسطوانة السَّابعة من جامع الكوفة من الجانب الغربي ظنًا منه أنَّ الحج ينتقل إلى الكوفة.

قال ابن دحية ثمَّ حُمِلَ الحجرُ إلى هَجَر، وبقي الحجر عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلَّا شهرًا، ثمَّ رُدَّ لخمس خلون من ذي الحجَّة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.

وكان بَجْكَم التّرْكيّ بذل لهم في ردِّه خمسين ألف دينار فما فعلوا وقالوا قد أخذناه بأمر ولا نرده إلَّا بأمر، وقيل ابتاع الحجرَ منه الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار، ثمَّ أرسلَ الحجرَ إلى مكَّة على قَعُودٍ أَعْجَف فسمن تحته وزاد حسنه إلى مكَّة شرَّفها الله تعالى، وذُكِرَ أنَّ القرمطي المذكور بعد عَوْدِه إلى هجر رماه الله في جسده وطال عذابه، وتقطَّعت أوصالُه وتناثرَ الدُّودُ

ج 8 ص 7

من لَحْمِه إلى أن مات.

[1] (( الأسود ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت