141 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن المديني (قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد، (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون المهملة وبالدال المهملة، رافع الأشجعي، مولاهم، الكوفي التابعي، روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وأَرسَل عن عمر وعائشة رضي الله عنهما، قال أحمد لم يَسمع من ثَوْبان ولم يَلْقَه، وعنه منصور والأعمش وهو من الثِّقات، لكنه يُرسِلُ ويُدلِس، مات سنة مئة.
(عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عباس رضي الله عنهما، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني فإن مُسلمًا وابن ماجه لم يخرجا له، وإنهم ما بين مكي ومدني وكوفي وبصري ورَازيّ، وفيهم ثلاثة من التابعين، وهم منصور وسالم وكُرَيْب، وفيه البلاغ حيث قال (يَبْلُغُ) من باب نَصَرَ؛ أي حال كون ابن عباس رضي الله عنهما يصل (بِهِ) ؛ أي بالحديث (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا كلام كُريب، وغرضه أنه ليس موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما، بل هو مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يحتمل أن يكون بالواسطة بأن سمعه من صحابي سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يكون بدونها ولما لم يكن قاطعًا بأحدهما أو لم يُرِد بيانه ذكره بهذه العبارة، ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في التوحيد [خ¦7396] ، والدعوات [خ¦6388] ، والنكاح [خ¦5165] ، وفي صفة إبليس أيضًا [خ¦3271] ، وأخرجه مسلم في النكاح، وأبو داود فيه أيضًا، وكذلك الترمذي وقال حسن صحيح،
ج 2 ص 30
والنسائي في عِشْرَة النساء، وفي اليوم والليلة، وابن ماجه في النكاح أيضًا.
(قَالَ) ؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) ؛ أي زوجته؛ أي جامعها فهو كناية عن الجماع (قَالَ) خبر إن (بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) ؛ أي أبعد منَّا، من جنَّب الشيء يجنبه تجنيبًا إذا أبعده منه، ومنه الجُنُب؛ لأنه بعيد عن ذكر الله تعالى، وأجنَبَ تباعد، وأجنبته الشيء مثل جنَّبتُه، وقد قُرِئ {وَأَجْنِبْنِي وَبَنِيَّ} .
وقال الزمخشري وفيه ثلاث لغات جَنِّبَه الشر وأجْنَبَه وجَنَّبَه، فأهل الحجاز يقولون جَنَّبَني شرَّه بالتشديد، وأهل نجد جَنَبَني شرَّه وأجْنَبَني.
(الشَّيْطَانَ) إما من شَطَن بمعنى بَعُد فُوزنُه فَيْعال باللام [1] سُمي به لبُعده من الصَّلاح والخير، وإما من شاط بمعنى بَطَل فوزنُه فَيْعان بالنون سمي به لتركه الحق، ومن أسمائه الباطل أيضًا، وقيل من شاط الزيت أو السمن إذا نَضِجَ حتى يحترق؛ لأنه يهلك حينئذ، وتشيَّط فلان؛ أي احترق وغضب، واستشاط؛ أي احتدَّ كأنه التهب غضبه [2] ، ويسمَّى كل عَاتٍ متمرد من الجنِّ والإنس والدَّواب شيطانًا أيضًا، والعرب تسمِّي الحية شيطانًا.
(وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) ؛ أي الذي رزقتناه من الولد وهو من الرزق، في العُبَاب والرزق ما يُنْتفعُ به، والجمع الأرزاق، وقيل الرَّزق بالفتح المصدر الحقيقي، وبالكسر الاسم يقال رزقه الله يرزقه، وقد يسمى المطر رزقًا، قال الله تعالى {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ} [الجاثية 5] {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ} [الذاريات 22] وهو على الاتساع في اللغة. انتهى.
ويقال الرزق في كلام العرب الحَظُّ، قال تعالى {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة 82] ؛ أي حظكم، والحظُّ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره، وقد أبعدَ من قال الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، ووجه بُعْدِه أن الله تعالى أمرنا بأن ننفق ممَّا رزقنا فقال {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة 254] فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه، وقيل الرزق هو ما يُملك، وفيه أيضًا أن الإنسان قد يقول اللهم ارزقني ولدًا صالحًا وزوجة صالحة ولا يملك الولد والزوجة، فافهم.
(فَقُضِيَ) على صيغة المجهول من القضاء وله مَعَانٍ، يقال قضى؛ أي حكم، ومنه قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء 23] ، وقضى حاجته؛ أي فرغ منها، وضربه فقضى عليه؛ أي قتله، وسمٌّ قاضٍ؛ أي قاتل، وقضى نحبه قضاء؛ أي مات، وقضى دينه؛ أي أدَّاه، وقضى إليه الأمر؛ أي أنهاه إليه وأبلغه، قال تعالى {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ} [الحجر 66] ، وقضاه؛ أي صنعه،
ج 2 ص 31
وقضاه؛ أي قدَّرَه، قال تعالى {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت 12] ، ومنه القضاء والقدر، والمناسب هنا إمَّا الحكم وإمَّا التقدير، فافهم.
(بَيْنَهُمَا) ؛ أي بين الأحد والأهل، وفي رواية بالميم نظر إلى معنى الجمع في الأهل (وَلَدٌ) ذكرًا كان أو أنثى (لَمْ يَضُرَّهُ) بتثليث الراء وهو جواب لو، والتقدير لو ثبت قول أحدكم بسم الله عند إتيان أهله لم يضر الشيطان ذلك الولد؛ يعني لا يكون له سلطان عليه ببركة اسمه عز وجل، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر 42] أو لا يتخبطه الشيطان، ولا يدخله بما يضر عقله أو بدنه، أو لا يطعن فيه عند ولادته، أو لا يصرعه، أو لا يفتنه بالكفر، أو لا يضره أصلًا لا ضررًا دينيًا، ولا ضررًا بدنيًا، وإلى كلٍّ من هذه الأقوال ذاهب.
وقد روى ابن جرير في (( تهذيب الآثار ) )بسنده عن مجاهد قال إذا جامع الرجل ولم يُسمِّ انطوى الجان على إحليله فجامع معه، فذلك قوله تعالى {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن 56] ، وفي الحديث استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوِقاع.
وقد استحب الغزالي في (( الإحياء ) )أن يَقرأ بعد بسم الله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص 1] ويكبِّر ويهلل ويقول بسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدَّرت ولدًا يخرج من صُلبي قال وإذا قَرُبَ الإنزال فَقُل في نفسك ولا تُحرك به شفتيك الحمد لله {الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} [الفرقان 54] الآية. وفيه أن التسمية عند ابتداء كل عمل مستحبة تبركًا بها، واستشعارًا بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمُعين عليه، وقد وقع في نسخة الفِرَبري هاهنا قيل لأبي عبد الله فإن لم يعرف بالعربية أيقول بالفارسية؟ قال نعم.
وقال ابن بطال فيه حثٌّ وندب على ذكر الله تعالى في كل وقت على حال الطهارة وغيرها، وردٌّ لقول من قال لا يذكر الله تعالى إلا وهو طاهر، ومن كَرِه ذكر الله تعالى على حالتين على الخَلاء وعلى الوِقاع.
أقول ومن كَرِه ذلك كرهه لما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره أن يذكر الله إلا وهو طاهر، وروي مثله عن أبي العَالية والحسن، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كره أن يذكر الله تعالى
ج 2 ص 32
على حالين على الخلاء، والرجل الذي يواقع أهله، وهو قول عطاء ومجاهد.
وقال مجاهد يجتنب المَلَكُ الإنسانَ عند جِمَاعه وعند غائطه، ولا ينافي ذلك حديث الباب؛ لأنه يُحمل على حال إرادة الوقاع كما سيأتي في الطريق الأخرى، لكن يؤيد إطلاق المصنف رحمه الله ما رواه ابن أبي شيبة من طريق علقمة أنَّ ابن مسعود كان إذا غَشِي أهله فأنزَل قال «اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبًا» .
وفيه الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظَهْر أبيه إلى رَحِم أمه إلى حين موته، أعاذنا الله منه، فهو يجري منه مجرى الدم، وعلى خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ؛ فإذا غَفَل وسوس، وإذا ذَكَر الله خنس، ويَضْرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد، وتنحل بالذكر والوضوء والصلاة.
فائدة اعلم أن في التسمية عند الوضوء أربعة مذاهب أحدها أنها سنة ليست بواجبة فلو تركها عمدًا صح وضوءه، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد رحمهم الله.
الثاني أنها واجبة كسائر الواجبات، وهي رواية عن أحمد وقول أهل الظاهر.
الثالث أنها واجبة إن تركها عمدًا بطلت طهارته، وإن تركها سهوًا أو معتقدًا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وهو قول إسحاق بن راهويه كما حكاه الترمذي عنه.
الرابع أنها ليست مستحبَّة وهي رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وعن مالك أنها بدعة قال ما سمعتُ بهذا! يُريدُ أن يَذْبح! وفي رواية أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا بأس في تركها.
[1] (( باللام ) )ليست في (خ) .
[2] في (خ) (( في غضبه ) ).