1602 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ) بن درهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ) أي مكَّة في عمرته سنة سبع من الهجرة (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ) بفتح الدال والضمير في أنَّه للرسول صلى الله عليه وسلم.
(قَدْ وَهَنَهُمْ) ويروى بواو العطف وحرف التَّقريب، والضمير له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه رضي الله عنهم والجملة حاليَّة، وهذا بواو العطف وبحذفها رواية ابن السَّكن. وقال ابن قُرْقُول رواية العامَّة بالفاء وهو الصواب؛ يعني وفْد، بمعنى الجماعة القادمين. فعلى هذا، يكون ارتفاعه على أنَّه فاعل (يقدَمُ) ، ويكون قوله (وَهَنَهُمْ) في محل الرفع على أنها صفة (وَفْدٌ) ،
ج 8 ص 21
وعلى هذا، يكون الضَّمير في قوله (إنَّه يَقْدَم) للشَّأن، ويروى بالتشديد من التَّوهين.
(حُمَّى يَثْرِبَ) بالرفع فاعل (وهنهم) ، والوهن الضَّعف، يقال وَهَن يَهِن مثل وَعَد يَعِد، يتعدى ولا يتعدَّى، ووَهِن مثل وَرِم، والواهن الضَّعيف في قوته لا بطش عنده. وعن صاحب «العين» الوَهْن الضَّعْف في العمل والأمر، وكذلك في العَظْمِ والبَدَن. وعن ابن دريد وهِنَ يَوْهَن، ويثرب اسم مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في الجاهليَّة.
(فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ أَنْ يَرْمُلُوا) بضم الميم؛ أي بأن يرملوا، وأن مصدرية؛ أي أمرهم بالرَّمل (الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ) جمع الشَّوط _ بفتح الشين _، وهو الطَّلَق _ بفتحتين _؛ أي جرى مرَّة إلى الغاية وهو مأخوذٌ من قولهم جرى الفرس شوطًا إذا بلغ مجراه ثمَّ عاد، فكلُّ من أتى مَوْضعًا ثمَّ انصرفَ عنه فهو شوط، والمراد هاهنا الطَّوفة حول الكعبة وانتصاب الأشواط على الظَّرف.
(وَأَنْ يَمْشُوا) عطف على قوله أن يرمُلوا (مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أي اليمانيين وذلك؛ لأنَّهم إذا بلغوا الرُّكن اليماني تغيَّبوا من قريش، فيمشون ليكون طوافهم على سكينة ووقار، وهو أرفق بهم، كما سيجيء في ذيل الحديث، ويكون طوافهم على هيئة مشي عباد الرَّحمن الذين وصفهم به، وقال تعالى {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} الآية [الفرقان 63] ، وإذا تجاوزوا الرُّكن اليماني واطلعتْ قريش عليهم يرملون لتعلم قريش أنَّ بهم قوَّة.
فإنَّ في رواية أبي داود كانوا إذا بلغوا الرُّكن اليماني وتغيَّبوا من قريش مشوا، ثمَّ إذا اطَّلعوا عليهم يرمُلون، تقولُ قريش كأنَّهم الغزلان، وفي لفظ للبخاري [خ¦4256] (( والمشركون من جبل قُعَيْقِعان ) )، وفي رواية الإسماعيلي (( يقدم عليكم قوم عراة فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فأمرهم أن يرملوا وأن يمشوا ) ).
وفي رواية ابن ماجه قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين أرادوا دخول مكَّة في عمرته بعد الحديبية (( إنَّ قومكم غدًا سيرونكم، فَلْيَرَونَكم جُلْدًَا، فلمَّا دخلوا المسجد الحرام استلموا الرُّكن ورملوا، وهو معهم ) ).
وفي رواية للطَّبراني، عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( من شاء فليرمل ومن شاء فلا يرمل، إنَّما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّمل ليرى المشركون
ج 8 ص 22
قوَّتهم )) .
وفي رواية الطَّبراني في «تهذيبه» (( لمَّا اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أنَّ أهل مكَّة يقولون إنَّ بأصحابه هَزْلًا، فقال لهم حين قدم شدوا مآزركم وأعضادكم وارملوا حتَّى يرى قومُكم أنَّ بكم قوَّة، قال ثمَّ حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرمُل، وإنَّما رَمَل في عُمْرة القضيَّة ) )، وفي إسناده حجَّاج بن أرطاة.
وفي رواية أبي داود (( أنَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من جعرانة، يعني في عمرة القضاء، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتَهم تحت آباطهم، ثمَّ قدَّموها على عواتقهم اليسرى ) )، والله أعلم.
(وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَن يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا) أي لم يمنعه صلى الله عليه وسلم من أمرهم بالرَّمل في كلِّ الأشواط (إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وبالموحدة والقاف، وهو الرِّفق والشَّفقة، وهو مرفوع على أنه فاعل يمنع. قال القرطبيُّ كذا رويناه بالرفع، ويجوز النصب على أنه مفعول له فافهم،
وفي الحديث الرَّمل في الطَّواف، واختلف العلماء فيه هل هو سنَّة من سنن الحجِّ لا يجوز تركها أو ليس بسنَّة؛ لأنَّه كان لعلة وقد زالت، فمن شاء فَعَلَه اختيارًا.
فروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أنَّه سنَّة، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد، وقال آخرون ليس بسنَّة فمن شاء فَعَلَه ومن شاء تركه، روي ذلك عن جماعة من التَّابعين منهم طاوس وعطاء والحسن والقاسم وسالم، وروي ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وجمهور العلماء على أنَّ الرَّمل من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ.
وفي «التَّوضيح» لابن الملقن ثمَّ الجمهور على أنَّه يستوعب البيت بالرَّمل، وفي قول لا يرمُل بين الركنين اليمانيين.
والمرأة لا ترمُل بالإجماع؛ لأنَّه يقدح في السَّتر وليست من أهل الجَلَد، ولا تهرول أيضًا بين الصَّفا والمروة، ورواه الشَّافعي عن ابن عمر وعائشة وجماعة رضي الله عنهم فإنَّ ترك الرَّمل في الطَّواف، والهرولة في السَّعي بين الصَّفا والمروة، ثمَّ ذكر [ذلك] وهو قريب فمرَّةً قال مالك يُعِيْد، ومرَّةً قال لا يُعِيْد، وبه قال ابن القاسم، واختُلِفَ أيضًا؛ هل عليه دَمٌ أو لا.
وفي الحديث جواز تسمية الطَّوفة شوطًا، ونقل عن الشَّافعي كراهته، وكذا عن مجاهد. وفي «الأم» قال الشَّافعي لا يقال شوط
ج 8 ص 23
ولا دور. وعن مجاهد لا تقولوا شوطًا ولا شوطين، ولكن قولوا دورًا ودورين، وفيه أيضًا جواز إظهار القوَّة بالعُدَّة والسِّلاح ونحو ذلك للكفَّار؛ إرهابًا لهم، ولا يعدُّ ذلك من الرِّياء المذموم.
وفيه أيضًا جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول، وربَّما يكون بالفعل أولى، والحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي في الحج أيضًا.