1607 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر، توفي في ذي القعدة، سنة ثمان وأربعين ومائتين (وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيد الجُعْفي (قَالاَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله بن وهب (قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الأوَّل وتكبير الثَّاني ابن عُتْبة بن مسعود، كذا قال يونس، وخالفه اللَّيث وأسامة بن زيد وزمعة بن صالح، فرووه عن الزُّهري قال بلغني عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ولهذه النُّكتة استَظْهَرَ البخاريُّ بطريقِ ابن أخي الزُّهري، فذكر المتابعة الآتية.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ) حال كونه (يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود (بِمِحْجَنٍ) قال ابن بطَّال استلامه بالمحجن راكبًا يحتمل أن يكون لشكوى به، وقد روى أبو داود (( قَدِمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَّة وهو يَشتكي فطافَ على راحلته، فلمَّا أتى الرُّكن استلم بمِحْجَنٍ، فلمَّا فرغ من طوافه أناخَ فصلَّى ركعتين ) )، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وفيه مقالٌ.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه في الحجِّ أيضًا، وأخرج مسلم أيضًا، عن أبي الطُّفيل رضي الله عنه (( رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوفُ بالبيت ويستلم الرُّكن بمِحْجَن معه ويقبل المِحْجَن ) ).
وروى مسلم أيضًا عن جابر رضي الله عنه (( طاف النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع على راحلته يستلم الحَجَر بمِحْجَنهِ؛ لِأَنْ يَراه النَّاسُ وليُشْرِفَ وليَسْأَلوه ) ).
وروي عن عائشة رضي الله عنها أيضًا قالت (( طاف النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الرُّكن؛ كراهية أن يُصْرفَ النَّاسُ عنه ) ).
وروى أبو داود عن صفيَّة بنت شيبة قالت (( لمَّا اطمأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة عام الوداع طاف على بعيره يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ في يده قالت وأنا أنظر إليه ) ).
قال العينيُّ وهذا يردُّ قول النَّسائي والبرقاني أنَّ صفيَّة ليست لها صحبة، وروى ابن أبي حاتم عن قدامة بن عبد الله قال (( رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت يستلم الحَجَر بمِحْجَنه ) ). وخرَّجه الحاكم من حديث أبي عاصم، عن أيمن
ج 8 ص 29
بن نائل، وقال صحيح على شرط البخاري.
وروى أبو أحمد الجرجاني من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبيه (( رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف حول البيت، فإذا ازدحم النَّاس عليه استلم الرُّكن بمحجنٍ بيده ) ).
وقال النَّووي قال أصحابنا الأفضل أن يطوفَ ماشيًا ولا يركب إلَّا لعذر مرضٍ أو نحوه، أو كان ممَّن يحتاج إلى ظهوره ليُستَفْتى ويُقْتَدَى به، فإن كان لغير عذرٍ جاز بلا كراهة، لكنَّه خلاف الأولى.
وقال إمام الحرمين من أدخل البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد بشيءٍ، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه.
وجزم جماعةٌ من أصحابنا بكراهة الطَّواف راكبًا من غير عذرٍ؛ منهم الماورديُّ والبَنْدَنِيْجِيُّ وأبو الطَّيب والعبدري، والمشهور الأوَّل. والمرأة والرَّجل في ذلك سواء، والمحمول على الأكتاف كالرَّاكب، وبه قال أحمد وداود بن المنذر، وقال مالكٌ وأبو حنيفة إن طاف راكبًا لعذر أجزأه ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم.
قال أبو حنيفة وإن كان بمكَّة أعاد الطَّواف، فلو طاف زحفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح، لكنه يكره. وقال أبو الطَّيِّب في «التَّعليقة» طوافُه زَحْفًَا، كطوافِه ماشيًا مُنْتَصِبًا، لا فرق بينهما، واعتذروا عن ركوب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّ النَّاس كثروا عليه وغَشَوْه بحيث إنَّ العواتقَ خرجن من البيوت لينظرن إليه، أو لأنَّه كان يُسْتَفْتَى، أو لأنَّه كان يشكو، كما تقدَّم.
واستدلَّ المالكيُّون بأنَّ في الحديث دَلالة على طهارة بول البعير، وذهب أبو حنيفة والشَّافعي في آخرين إلى نجاسته. وممَّا يُستفاد من الحديث أنَّه إذا عجز عن تقبيلِ الحجر استلمه بيده أو بعصا، ثمَّ قبَّل ما استلم به، كما مرَّ في «صحيح مسلم» من حديث أبي الطُّفيل.
وقال القاضي عياض وانفرد مالك عن الجمهور فقال لا يقبل يده، وإذا عجز عن الاستلام أشار بيده، أو بما في يده، ولا يشير إلى القِبْلة بالفم؛ لأنَّه لم يُنْقَل ويراعي ذلك في كلِّ طوفة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
قال المهلَّب واستلامه صلى الله عليه وسلم بالمِحْجَن يدلُّ على أنَّه ليس بفَرْضٍ، وإنَّما هو سنَّة،
ج 8 ص 30
ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه (( لولا أنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّلَكَ ما قبَّلْتُك ) )، وممَّا يستفاد منه أيضًا أنَّ في قوله (( في حجَّة الوداع ) )ردًا على من كره تسمية حجَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم حجَّة الوداع، والمُنْكِرُ غالط.
وقال المهلَّب وفيه أنَّه لا يجب أن يطوف أحد في وقت صلاة الجماعة إلَّا من وراء النَّاس، ولا يطوف بين المصلِّين وبين البيت فيشغل الإمام والنَّاس ويؤذيهم، وتركُ أذى المسلم أفضل من صلاةِ الجماعة، كما قال صلى الله عليه وسلم (( من أكل من هذه الشَّجرة فلا يقربنَّ مسجدنا ) ).
(تَابَعَهُ) أي تابع يونس، عن ابن شهاب (الدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدال المهملة والراء والواو وسكون الراء الثَّانية وكسر الدال، هو عبد العزيز، وقد مرَّ في باب الصَّلوات الخمس كفَّارة [خ¦528] ، وهو يروي (عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن أخي محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، وقد تقدَّم في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة [خ¦27] .
(عَنْ عَمِّهِ) ابن شهاب الزُّهري، وهذه المتابعةُ أخرجها الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن محمَّد بن عباد المكِّي، عن عبد العزيز بن محمَّد الدَّرَاوَرْدِي، عن ابن أخي الزُّهري، عن عمِّه، عن عُبَيدِ الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت يستلم الرُّكن بالمحجن ) ).