1608 - (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرْساني، بضم الموحدة وسكون الراء وبالسين المهملة وبالنون، نسبةً إلى بُرْسان؛ حيٌّ من الأزد، وقد تقدَّم في باب تضييع الصَّلاة [خ¦530] ، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) مؤنث الأشعث، هو جابر بن زيد، وقد تقدَّم في باب الغسل بالصَّاع [خ¦253] .
(أَنَّهُ قَالَ وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ) كلمة (مَن) استفهاميَّة على سبيل الإنكار،
ج 8 ص 31
فلذلك لم تحذف الياء من يتَّقي، ويجوز أن تكون شرطيَّة على رواية من يروي (( فكان معاوية ) )بالفاء وذلك على لغة من لا يوجب الجزم فيه.
(وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ) أي الأركان الأربعة اليمانيين والشَّاميين. واعلم أنَّ الرُّكن الأسود فيه فضيلتان كون الحَجَرِ الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم عليه السَّلام، واليماني فيه الفضيلة الثَّانية، وأمَّا الشَّاميان فليس فيهما شيء من الفضيلتين، فلهذا اختصَّ الأسود بشيئين الاستلام والقُبْلة، وأمَّا اليماني فيُسْتَلَمُ ولا يُقَبَّلُ؛ لأنَّ فيه فضيلةً واحدة، وأمَّا الآخران فلا يُسْتَلَمان ولا يقبَّلان، هذا على رأي الجمهور. واستحبَّ بعضهم تَقْبيلَ الرُّكن اليمانيِّ أيضًا.
وقال التَّيمي الرُّكنان اللَّذان يليان الحَجَر ليسا بركنين أصليين؛ لأنَّ وَرَاء ذلك الحِجْر، وهو من البيت، فلو رُفِعَ هذا الحِجْر وضُمَّ إلى الكعبة في البناء كما كان على بناء إبراهيم عليه السَّلام لكانا يُسْتَلَمان، والله أعلم، ومِنْ ثمَّةَ عارضه ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
(فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِنَّهُ) أي إنَّ الشَّأن (لاَ يُسْتَلَمُ) على البناء للمفعول (هَذَانِ الرُّكْنَانِ) أي الشَّاميَّان، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الحمُّويي والمُستمليْ على البناء للفاعل ونصب هذين الرُّكنين على المفعولية (فَقَالَ) أي معاوية رضي الله عنه (لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا) بالنصب، ويجوز الرفع على أن يكون صفة لشيء.
(وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ) أي الأركان كلهن، وهذا تعليقٌ آخر وصله ابن أبي شيبة من طريق عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير أنَّه رأى أباه عبد الله بن الزُّبير يستلم الأركان كلها وقال إنَّه ليس شيءٌ منه مهجورًا.
وفي «مسند الشَّافعي» أنبا سعيد أنبا موسى الرَّبَذِيُّ، عن محمَّد بن كعب (( أن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان يمسح على الرُّكن اليماني والحَجَر ) ).
وكان ابن الزُّبير يمسح الأركانَ كُلَّها ويقول (( لا ينبغِي لبيت الله أن يكون شيءٌ منه مهجورًا ) )، وكان ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول (( لقد كان لكم في رسولِ الله أسوة حسنة ) ). وفي «الموطَّأ» عن هشام بن عروة بن الزُّبير (( أنَّ أباه إذا طاف بالبيت يستلمُ الأركان كلها ) )، وأخرجه سعيد بن منصور، عن الدَّرَاوَرْدي، عن هشام بلفظ (( إذا بدأ استلمَ الأركان كلَّها وإذا ختم ) ).
وروى ابنُ أبي شيبة من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن يعلى بن أميَّة ورآه عمر رضي الله عنه يستلم الأركان كلها فقال يا يَعلى ما تفعل؟ قال
ج 8 ص 32
أسْتَلِمُها كلَّها؛ لأنَّه ليس شيء من البيت يُهْجَر، فقال عمر أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستلم منها إلا الحجر؟ قال يعلى بلى قال فما لك به أسوة؟ قال بلى.
وأمَّا التعليق الأوَّل فقد وصله الإمام أحمد في «مسنده» فقال حدَّثنا عبد الرَّزَّاق حدَّثنا معمر والثَّوري ونا روح حدَّثنا الثَّوري، عن ابن خيثم، عن أبي الطفيل قال كنت مع ابن عبَّاس ومعاوية رضي الله عنهم، فكان معاوية رضي الله عنه لا يمرُّ بركن إلَّا استلمه، فقال له عبد الله رضي الله عنه (( لا يُسْتَلَمُ هذان الرُّكنان ) ). (ح) قال وحدثنا روح حدَّثنا سعيد وعبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الطُّفيل وحدَّثنا مروان بن شجاع حدَّثني خصيف، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فذكره.
وخَرَّجَه مسلم من حديث عَمرو بن الحارث، عن قتادة دون قصَّة معاوية بلفظ (( لم أر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الرُّكنين اليمانيين ) ).
ووصله التِّرمذي والحاكم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الطُّفيل قال (( كنت مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومعاوية رضي الله عنه، فكان معاوية رضي الله عنه لا يمرُّ بركن إلَّا استلمه، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما [1] إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسْتَلم إلَّا الحَجَر واليمانيَّ، فقال معاوية رضي الله عنه ليس شيءٌ من البيت مهجورًا ) ).
وروى أحمد أيضًا من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي الطُّفيل قال (( حجَّ معاوية رضي الله عنه وابن عبَّاس رضي الله عنهما فجعل ابن عبَّاس رضي الله عنهما يستلم الأركان كلها فقال معاوية إنَّما استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذين الرُّكنين اليمانِيَين، فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما ليس من أركانه شيء مهجور ) ).
قال عبد الله بن أحمد في «العلل» سألت أبي عنه فقال قَلَبَه شعبة، وقد كان شعبة يقول النَّاس يخالفونني في هذا، ولكنِّي سمعتُه من قتادة هكذا. انتهى. وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة على الصَّواب أخرجه أحمد أيضًا، ويستفاد من هذا الحديث مذهبان
الأوَّل مذهب من يستلم الأركان كلها، وهو مذهب معاوية وعبد الله بن الزُّبير وجابر بن زيد رضي الله عنهم، وعروة بن الزُّبير وسويد بن غفلة رحمهما الله. وقال ابنُ المنذر وهو مذهبُ جابر بن عبد الله والحَسَنَيْن وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
والثَّاني مذهب ابن عبَّاس
ج 8 ص 33
وعمر بن الخطَّاب رضي الله عنهم، فمذهبهما أنَّه لا يُسْتَلَمُ إلَّا الرُّكنُ الأسودُ واليماني، وهو مذهب أصحابنا الحنفيَّة أيضًا، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند المصنِّف [خ¦1609] (( لم أَرَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلَّا الرُّكنين اليمانيين ) ).
وقد تقدَّم قول ابن عمر رضي الله عنهما (( إنَّما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم استلام الرُّكنين الشَّاميَّين؛ لأنَّ البيت لم يتمَّم على قواعد إبراهيم عليه السَّلام ) )، وعلى هذا المعنى، حَمَل ابن التِّين استلام ابن الزُّبير لهما؛ لأنَّه لمَّا عمر الكعبة أتمَّ البيت على قواعد إبراهيم عليه السَّلام.
وبذلك جَزَم الأزرقي في كتاب «مكَّة» فقال إنَّ ابن الزُّبير لمَّا فرغ من بناء البيت، وأدخل فيه من الحِجْر ما أُخْرِجَ منه وَرَدَّ الرُّكنين على قواعد إبراهيم عليه السَّلام خرج إلى التَّنعيم، واعتمر وطاف بالبيت واستلم الأركان الأربعة، ولم يزل البيت على بناء ابن الزُّبير إذا طاف الطَّائف استلم الأركان جميعها حتَّى قتل ابن الزُّبير رضي الله عنهما.
وأَخْرَجَ من طريق ابن إسحاق قال بلغني أنَّ آدم عليه السَّلام لمَّا حج استلم الأركان كلها، وأنَّ إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام لمَّا فرغا من بناء البيت طافا به سبعًا يستلمان الأركان كلَّها.
وقال الدَّاودي ظنَّ معاوية رضي الله عنهما أنَّهما ركنا البيت الذي وضع عليه من أوَّل، وليس كذلك؛ لما سَبَقَ من حديث عائشة رضي الله عنها. والجمهور على ما دلَّ عليه حديثُ ابنِ عمر رضي الله عنهما، وقال ابن المنذر قال أكثر أهل العلم لا يسنُّ استلام الرُّكنين الشَّاميين.
وروى ابنُ أبي شيبة قال حدَّثنا ابن نمير، عن حجَّاج، عن عطاء قال أدركت مشيختنا ابن عبَّاس وجابرًا وأبا هريرة وعُبَيْدَ بنَ عُمَير رضي الله عنهم لا يستلمون غيرهما من الأركان يعني الأسودَ واليمانيَّ. قال وحدَّثنا عبيد الله، عن عثمان بن أبي الأسود، عن مجاهد قال الرُّكنان اللَّذان يليان الحَجَرَ يستلمان.
وقد يشعر ما تقدَّم في أوائل الطَّهارة [خ¦166] من حديث عُبَيْدِ بن جُرَيج أنَّه قال لابن عمر رضي الله عنهما رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها فذَكَرَ منها ورأيتك لا تمسُّ من الأركان إلَّا اليمانِيَين، الحديث، بأن الذين رآهم عُبَيْد بن جريج من الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين كانوا لا يقتصرون
ج 8 ص 34
في الاستلام على الرُّكنين اليمانِيَين.
وقال بعض أهل العلم اختصاص الرُّكنيين مبيَّن بالسنَّة، ومستَنَدُ التعميمِ القياس.
وأجاب الشَّافعي عن قول من قال ليس شيءٌ من البيت مهجورًا، بأنَّا لم نَدَع استلامهما هَجْرًا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنَّا نتبع السنَّة فعلًا أو تركًا، ولو كان ترك استلامهما هَجْرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هَجْرًا لهما، ولا قائل به، ويؤخذ منه حفظ المراتب، وإعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وتنزيل كلِّ أحدٍ منزلَته.
فائدة في كتاب الحميدي من حديث النَّخَعي، عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( ما مررت بالرُّكن اليماني قط إلَّا وجدت جبريل عليه السَّلام قائمًا عنده ) ). وفي حديث الحَكَم بن أبان، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله بزيادة قوله (( قال يا محمَّد ادن فاستلم ) ).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( وكَّل الله به سبعين ألف ملك ) ). وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( مَسْحُها كفَّارة للخطايا ) )، أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
[1] من قوله (( ومعاوية .. إلى .. رضي الله عنهما ) )ليس في (خ) .