فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 11127

144 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي ابن أبي إياس، وقد تكرر ذكره (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني نُسِب إلى جدِّ جدِّه لشهرته به وقد مرَّ أيضًا (قَالَ حَدَّثَني) بالإفراد، محمد بن مسلم (الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزيادة (اللَّيْثِيِّ) بالمثلثة، ثمَّ الجُنْدُعي _ بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وبالعين المهملة _، أبو يزيد أو أبو محمد المدني، وقيل الشَّامي؛ لأنه سكن رملة الشام، التابعي، مات سنة سبع أو خمس ومئة عن اثنتين وثمانين سنة.

(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن كليب (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجي الصَّحابي الجليل، شَهِد بدرًا والعقبة والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قَدِم المدينة شهرًا حتَّى بُنِيت مساكنه ومسجده، وقَدِم على ابن عبَّاس رضي الله عنهما البصرة وقال إني أخرج عن مسكني كما خرجتَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنك، فأعطاه ما أَغْلَقَ عليه الدَّارَ، وهو ممن غلب عليه كنيته، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة وخمسة وخمسون حديثًا، اتَّفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث وكان مع علي رضي الله عنه في حروبه، مات بالقسطنطينية غازيًا سنة خمسين وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض فلمَّا ثَقُل قال لأصحابه إذا أنا متُّ

ج 2 ص 43

فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظَّم يستسقون به فيسقون رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون ما خلا آدم، مع أنه رحل إليها، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيّ.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة أيضًا [خ¦394] ، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي في الطهارة أيضًا.

(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى) أي جاء من الإتيان بمعنى المجيء (أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ) يقضي حاجته (فَلاَ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ) بكسر اللام على النهي (وَلاَ يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ) أي لا يجعلها مقابل ظهره، وفي رواية مسلم «ولا يستدبرها» ببول أو غائط، والغائط الثاني في روايته غير الأول، أطلق على الخارج من الدبر مجازًا من إطلاق اسم المحل وإرادة الحال، والظَّاهر منه اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة ويكون مثارُه إكرامَ القِبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر «إذا أهرقنا الماء» .

وقيل مثار النهي كشف العورة، فيطَّرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاس المالكي قولًا في مذهبهم وكأنَّ قائله تمسَّك برواية مالك [1] في (( الموطأ ) ) «لا تستقبلوا القبلة بفروجكم» ، ولكنها محمولة على حالة قضاء الحاجة جمعًا بين الرِّوايتين.

(شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا) أي خذوا في ناحية المشرق، وفي ناحية المغرب من التشريق والتغريب، يقال شتان بين مشرق ومغرب، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وإذا وقع الكلام على أساليب مختلفة يزداد رونقًا وبهجة وحسنًا سِيَّما هو من كلام أفصح الناس صلى الله عليه وسلم.

وقال الخطَّابي قوله «شرِّقوا أو غرِّبوا» خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السَّمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب فإنه لا يشرق ولا يغرب بل ينحرف إلى الجنوب أو الشمال.

وقال الدَّاودي اختلفوا في قوله «شرقوا أو غربوا»

ج 2 ص 44

فقيل إنما ذلك في المدينة وما أشبهها كالشام واليمن، وأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب فإنه يتيامن أو يتشاءم، وقال بعضهم البيت قبلة لمن في المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لسائر أهل الأرض.

وفي الحديث عدم جواز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط سواء كان في الصحراء أو البنيان؛ لأن الحديث عام، وإليه ذهب إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو مذهب مجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي ثور وأحمد في رواية، وهو مذهب الراوي أيضًا.

قال صاحب (( التَّلويح ) )في نفس الحديث ما يدلُّ على عكس ما قاله البخاري، وذلك أنَّ أبا أيوب رضي الله عنه راوي الحديث فَهِم منه غير ما ذكره البخاري، وهو تعميم النَّهي والتَّسوية في ذلك بين الصَّحاري والأبنية حيث قال «قَدِمنا الشَّام فوجدنا مراحيض قد [2] بنيت نحو الكعبة فكُنَّا ننحرف عنها [3] ونستغفر الله عز وجل» ، وعن الزُّهريِّ عن عطاء سمعت أبا أيوب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ذكره البخاري في باب قبلة أهل المدينة في أوائل الصلاة [خ¦394] ، وفي حديث مالك الشيباني عن أبي أيوب أنَّه قال والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحديث، فليتأمل [4] .

ويؤيِّد هذا المذهب أنَّ المنع لأجل تعظيم القبلة، فإن الرجل إنما يستقبل القبلة عند الدعاء والصلاة ونحوهما من أمور الخير، فكَرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إليها عند الحدث، وأن يولِّها ظهره فتكون عورته بإزائها غير مستورة عنها تعظيمًا لها وهو موجود في الصَّحراء والبنيان، فالجواز في البنيان إن كان لوجود الحائل فهو موجود في الصحراء أيضًا؛ لأن بينها وبين الكعبة جبالًا وأودية وغير ذلك لا سيما عند من يقول بكروية الأرض فإنه لا موازاة إذ ذاك بالكلية.

وما ورد من قول الشَّعبي أنَّه علَّل ذلك بأنَّ لله خلقًا من عباده يصلُّون في الصَّحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأنَّه لا يوجد في الأبنية، فهو تعليل في مقابلة النَّص، ولهم في ذلك أحاديث أخرى كلُّها عامَّة في النَّهي ذكرها محمود العيني فليطلب ثَمَّة، ثمَّ اعلم أنَّ حاصل ما للعلماء في ذلك أربعة مذاهب

أحدها المنع مطلقًا وقد ذكرناه.

الثَّاني الجواز مطلقًا،

ج 2 ص 45

وهو قول عروة بن الزبير وربيعة الرأي، وداود ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخ، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد عن جابر رضي الله عنه نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثمَّ رأيته قبل أن يُقبَض بعام يستقبلها، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي حديث حسن غريب.

قيل قول الحاكم صحيح على شرط مسلم غير صحيح؛ لأن أَبَان رَاوِيه عن مجاهد، عن جابر لم يُخرج له مسلم شيئًا، نعم صححه البخاري فيما سأله الترمذي عنه فقال حديث صحيح، وأما قول الترمذي حسن غريب فهو وإن كان جمعًا بين الضِّدَّين بحسب الظاهر ولكنه لعله أراد تفرد بعض رواته، وكأنه يشير إلى أن أبان هو المتفرِّدُ به فيما أرى.

وأما دعوى النسخ المذكورة فليست بظاهرة وهو استدلال ضعيف؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو ممكن كما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، على أن حديث جابر رضي الله عنه محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله صلى الله عليه وسلم لمبالغته في التستر.

المذهب الثالث أنه لا يجوز الاستقبال في الأبنية والصحراء، ويجوز الاستدبار فيهما وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

المذهب الرابع أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وبه قال مالك والشافعي، وإسحاق، وأحمد في رواية وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، واستدلوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي ذكره عن قريب إن شاء الله تعالى [خ¦145] .

قال ابن المُهَلَّب إنما نهى عن الاستقبال والاستدبار في الصحراء من أجل مَن يصلي فيها من الملائكة، فيؤذيهم بظهور عورته مستقبلًا أو مستدبرًا، وأما في البيوت ونحوها فليس فيها ذلك، ويَقْرُب منه ما قال الخطابي إنَّ الفضاء من الأرض موضع للصلاة ومتعبّد للملك والإنس والجن، فالقاعد مستقبلًا للقبلة أو مستدبرًا لها مستهدف للأبصار، وذلك مأمون في

ج 2 ص 46

الأبنية الساترة للأبصار، هذا ويمكن أن يفرق بينهما بأن الأماكن تضيق في البنيان فربما لا يمكنه تحريف كنيفه، وبأن الحشوش في الأبنية يحضرها الشياطين لا الملائكة؛ بخلاف الصحراء، ثمَّ إنَّه يستثنى من القول بالحرمة في الصَّحراء ما لو كان الرِّيح يهب على يمين القبلة أو شمالها فإنَّهما لا يحرمان حينئذٍ للضَّرورة.

وقال القَفَّال في (( فتاواه ) )والاعتبار في الجواز في البنيان، والتَّحريم في الصَّحراء بالسَّاتر وعَدَمه؛ فحيث كان في الصَّحراء ولم يكن بينه وبينها ساترٌ، أو كان، وهو قصيرٌ لا يبلغ ارتفاعُه ثلاثةَ أذرعٍ أو بلغ ذلك وبَعُدَ عنه أكثر من ثلاثة أذرع، حَرُمَ، وإلَّا فلا، وفي البنيان يشترط السَّتر أيضًا وإلَّا فيحرمان إلَّا فيما بني لذلك، وهذا التَّفصيل للخراسانيين، وصحَّحه في (( المجموع ) )، وهذه المذاهب الأربعة هي المشهورة عن العلماء، ولم يذكر النَّووي في (( شرح المهذَّب ) )غيرها، وكذلك عامة شرَّاح البخاري.

وهاهنا ثلاثة مذاهب أخرى منها جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسُّكًا بظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما الآتي [خ¦145] ، وهو مرويٌّ عن أبي يوسف رحمه الله، ومنها التَّحريم مطلقًا حتَّى في القبلة المنسوخة، وهو بيت المقدس وهو محكيٌّ عن إبراهيم وابن سيرين عملًا بحديث مَعْقِل الأسدي وهو قوله «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط» .

ومنها أنَّ التَّحريم مختصٌّ بأهل المدينة ومن كان على سَمْتِها، وأمَّا من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم «شرقوا أو غربوا» قاله أبو عَوانة صاحب المُزَني، وبعكسه قال البخاري، واستدلَّ به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة كما سيأتي في باب قبلة أهل المدينة في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

وفي الحديث أيضًا إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة تعظيمًا لها ولا سيما عند الغائط والبول، وفيه أيضًا المحافظة على الأدب ومراعاته في كل حال، واستنبط منه [5] ابن التين منع استقبال النَّيِّران في حالة الغائط والبول، وكأنه قاسه على استقبال القبلة وليس [6] بظاهر.

فائدة من آداب الاستنجاء الإبعادُ إذا كان في بَرَاح من الأرض، أو ضربُ حجاب أو ستر، وأعماق الآبار

ج 2 ص 47

والحَفَائر، وأن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، جاء ذلك في حديث رواه أبو محمَّد الأعمش، عن أنس، عن أبي ذرٍّ، وتغطيةُ الرأس كما كان أبو بكر رضي الله عنه يفعله، وتركُ الكلام كفعل عثمان رضي الله عنه، والاستنجاءُ باليسار، وغسلُ اليد بعد الفراغ بالتراب، رواه ابن حبان في (( صحيحه ) )والاستجمارُ، واجتنابُ الروث والرِّمَّة، وأن لا يبول في المُغْتَسل لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يبولنَّ أحدكم في مغتسله وينزع خاتمه إذا كان فيه اسم الله تعالى» رواه النسائي، وارتيادُ الموضع الدَّمِث، وأن لا يستقبل الشمس والقمر، وأن لا يبول قائمًا، ولا في طريق الناس ولا في ظلِّهم، ولا في الماء الراكد، ومساقط الثمار، وضفة الأنهار، وأن يتكئ على رجله اليسرى، وأن ينثر ذكره ثلاثًا.

[1] (( مالك ) )ليست في (خ) .

[2] (( قد ) )ليست في (خ) .

[3] في (خ) (( بنيت قِبَل القبلة فننحرف عنها ) ).

[4] في هامش الأصل و (خ) وجه التأمل أنه على هذا لا يكون الحديث مطابقًا للترجمة فتذكر. منه.

[5] (( منه ) )ليست في (خ) .

[6] في (خ) زيادة (( القياس ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت