1643 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال (قَالَ عُرْوَةُ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى) أي أخبريني عن هذه الآية؛ إذ مفهومها
ج 8 ص 95
عدم وجوب السَّعي بين الصَّفا والمروة، إذ فيه عدم الإثم على التَّرك، كما قال تعالى ( {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ) مرَّ تفسيره آنفًا ( {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} ) والحج لغة القصد ( {أَوِ اعْتَمَرَ} ) الاعتمار الزِّيارة والقصد إلى مكان عامر، ويقال الزِّيارة التي فيها عمارة الودِّ فَغُلَّبا شرعًا على قصد البيت وزيارته على الوجهين المخصوصين.
( {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ) فهذا كما ترى يدلُّ بظاهره على عدم الإثم على الترك {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي فعل طاعةً فرضًا كان أو نفلًا، أو زاد على ما فرض الله تعالى عليه من حجٍّ أو عمرةٍ أو طواف أو تطوُّع بالسَّعي على قول من يقول إنَّه سنَّة و (خيرًا) ، نصب على أنَّه صفة مصدر محذوف أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه، ويؤيِّده القراءة الشَّاذة (( بخير ) )بالباء أو بتعدية الفعل لتضمُّنه معنى أتى أو فعل {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} الآية [البقرة 158] ؛ مثيب على الطَّاعة لا تخفى عليه.
(فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) محصِّله أنَّ عروة احتجَّ للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأنَّ رفعَ الإثم علامةُ الإباحة، ويزداد المستحبُّ بإثبات الأجر ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التَّارك (فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَتَطَوَّفَ بِهِمَا وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ) أي يحجُّون (لِمَنَاةَ) بفتح الميم وتخفيف النون وبعد الألف تاء مثنَّاة، من فوق وهو اسم صنمٍ كان في الجاهليَّة.
وقال ابن الكلبي كانت صخرةً أصابها عَمرو بن لُحَي بجهة البحر فكانوا يعبدونها، وقيل هي صخرةٌ لهذيل بقُدَيْد، وسمِّيت مناة؛ لأنَّ النَّسائك كانت تمنى بها؛ أي تراق، ومنه منى، وقال الحازمي هي على سبعةِ أميال من المدينة، وإليها نسبوا زيد مناة.
(الطَّاغِيَةِ) صفةٌ لمناة إسلاميَّةٌ، وهي على زنة فاعلة من الطُّغيان، ولو روي لمناة الطاغية بالإضافة ويكون الطَّاغية صِفَه للطَّائفة؛
ج 8 ص 96
أي الطَّائفة الطَّاغية وهم الكفَّار لجاز (الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ) بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد اللام الأولى المفتوحة، اسم موضعٍ قريب من قُدَيْد من جهة البحر، ويقال هو الجبلُ الذي يهبطُ منه إلى قُدَيْد من ناحية البحر.
وقال البكريُّ هي ثنية مشرفة على قديد، وقال السَّفاقسي هي عند الجُحْفة، وفي رواية لمسلم، عن سفيان، عن الزُّهري (( بالمُشَلَّل من قُدَيْد ) ).
وفي رواية للبخاري في تفسير البقرة [خ¦4495] من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال (( قلت لعائشة رضي الله عنها وأنا يومئذٍ حديث السن. .. ) )فذكر الحديث، وفيه (( كانوا يهلُّون لمناة فكانت مناة حذو قُدَيْد ) )أي مقابله.
وقُديد _ بضم القاف مصغرًا _ قريةٌ جامعة بين مكَّة والمدينة كثيرة المياه، قاله أبو عُبيد البكري.
(فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ) أي يحترز من الحرج ويخاف الإثم (أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ويقتصرون على الطَّواف بمناة، وتصرِّح بذلك رواية سفيان المذكورة بلفظ (( إنَّما كان من أهلَّ لمناة الطَّاغية التي بالمُشَلَّل لا يطوفون بين الصَّفا والمروة ) ) [خ¦4861] . وفي رواية معمر، عن الزُّهري (( إنَّا كنَّا لا نطوف بين الصَّفا والمروة تعظيمًا لمناة ) ). أخرجه البخاري تعليقًا [خ¦4861] ، ووصله أحمد وغيره، وسيجيء التحقيق في ذلك إن شاء الله تعالى.
(فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ) أي عن حكم الطَّواف بالصَّفا والمروة في الإسلام (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآيَةَ [البقرة 158] ) ومحصِّل جوابها رضي الله عنها أنَّ الآية ساكتةٌ عن الوجوب وعدمه مصرِّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأمَّا المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التَّارك.
والحكمة في التَّعبير بذلك مطابقة الجواب لسؤال السَّائلين؛ لأنَّهم توهَّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك [1] في الجاهلية أنَّه يستمرُّ في الإسلام فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم.
فأمَّا الوجوب فيستفاد من دليلٍ آخر كفعله صلى الله عليه وسلم مع انضمام قوله (( خذوا عنِّي مناسككم إليه ) )، أو فُهِمَ بالقرائن أنَّ فعله صلى الله عليه وسلم يدلُّ على الوجوب، كما قاله ابن شريح وغيره من العلماء، ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة فيقال له لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم نفي الوجوب كمن عليه صلاة العصر، وظنَّ أنَّه لا يجوز فعلها عند الغروب فيسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك أن تصلِّيها في هذا الوقت فيكون جوابًا صحيحًا، ولا يقتضي نفي وجوب صلاة العصر، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفيَ الإثمِ عن التَّارك، فلو كان المراد مطلقَ الإباحةِ لنَفَى الإثمِ
ج 8 ص 97
عن التَّارك.
وقد وقع في بعض الشَّواذ باللَّفظ الذي قالت عائشة رضي الله عنها أنَّها لو كانت للإباحة لكانت كذلك، حكاه الطَّبري وابن أبي داود في «المصاحف» وابن المنذر وغيرهم عن أبي بن كعب رضي الله عنه، وأجاب الطَّبريُّ بأنَّها محمولةٌ على القراءة المشهورة ولا زائدة، وكذا قال الطَّحاوي.
وقال غيره لا حجَّة في الشَّواذ إذا خالفت المشهور، وقال الطَّحاوي أيضًا لا حجَّة لمن قال إنَّ السَّعي مستحبٌّ لقوله تعالى {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} الآية [البقرة 158] لأنَّه راجعٌ إلى أصل الحجَّة والعمرة لا إلى خصوص السَّعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوُّع بالسَّعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع، والله أعلم.
وفي رواية مسلم، عن يونس، عن الزُّهري أنَّ الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلُّون لمناة، فتحرَّجوا أن يطوفوا بين الصَّفا والمروة، وكان ذلك سنة في أيامهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصَّفا والمروة. فطُرُقُ الزُّهريِّ متَّفِقَةٌ.
وقد اختلف فيه على هشام بن عروة، عن أبيه فرواه مالك عنه بنحو رواية شعيب عن الزُّهري، ورواه أبو أسامة عنه بلفظ (( إنَّما أنزل الله تعالى هذا في أناسٍ من الأنصار كانوا إذا أهلُّوا أهلوا لمناة في الجاهليَّة فلا يحلُّ لهم أن يطوفوا بين الصَّفا والمروة ) )، أخرجه مسلم وظاهره يوافق رواية الزُّهري.
وبذلك جزم محمَّد بن إسحاق فيما رواه الفاكهي من طريق عثمان بن ساج عنه أنَّ عمرَو بن لُحَي نصب مناةَ على ساحل البحر ممَّا يلي قُدَيْدًا، فكان الأزد وغسَّان يحجُّونها ويعظمونها إذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من منى أتَوا مناةَ فأهلُّوا لَها، فمن أهلَّ لها لم يطف بين الصَّفا والمروة.
قال وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسَّان، ومن دان دينهم من أهل يثرب، فهذا يوافق رواية الزُّهري. وأخرج مسلم من طريق؛ أبي معاوية، عن هشام هذا الحديث فَخالفَ جميعَ ما تقدَّم، ولفظه (( إنَّما كان ذلك لأنَّ الأنصار كانوا يهلُّون في الجاهليَّة لصنمين على شطِّ البحر يقال لها إساف، بكسر الهمزة وتخفيف المهملة، ونائلة بالنون والألف والهمزة، ثمَّ يجيئون فيطوفون بين الصَّفا والمروة ثمَّ يحلون،
ج 8 ص 98
فلمَّا جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية فأنزل الله تعالى الآية )) .
فهذه الرِّواية تقتضي أن تَحَرُّجَهم إنَّما كان لئلا يفعلوا في الإسلام شيئًا كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنَّ الإسلام أبطل أفعال الجاهليَّة إلا ما أذن فيه الشَّرع، فخشوا أن يكون ذلك من أمر الجاهليَّة الذي أبطله الشَّارع، فهذه الرِّواية توجيهها ظاهرٌ بخلاف رواية أبي أسامة فإنَّها تقتضي أن التحرُّج عن الطَّواف بين الصَّفا والمروة لكونهم كانوا لا يفعلونه في الجاهليَّة، ولا يلزم من تركهم فعل شيءٍ في الجاهليَّة أن يتحرَّجوا من فعله في الإسلام.
ولولا الزِّيادة التي في طريق يونس عند مسلم حيث قال (( وكانت سنة في أيَّامهم ) )إلى آخره، لكان الجمع بينهما ممكنًا بأن نقول وقع في رواية الزُّهري حذفٌ تقديره أنَّهم يهلُّون في الجاهليَّة لمناة، ثمَّ يطوفون بين الصَّفا والمروة فكان مَن أهلَّ؛ أي بعد ذلك في الإسلام يتحرَّج أن يطوف بين الصَّفا والمروة؛ لئلَّا يضاهي فعل الجاهليَّة.
ويمكن أيضًا أن يكون في رواية أبي أسامة حذفٌ، تقديره كانوا إذا أهلُّوا أهلوا لمناة في الجاهليَّة، وطافوا بين الصَّفا والمروة فجاء الإسلام، فظنُّوا أنَّه أبطل ذلك أيضًا، فلا يحلُّ لهم.
ويبيِّن ذلك رواية أبي معاوية المذكورة حيث قال فيها فلمَّا جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهليَّة، إلَّا أنَّه وقع فيها وهمٌ غير هذا، نبَّه عليه القاضي فقال قوله (( لصنمين على شطِّ البحر ) )وهم، فإنَّهما ما كانا قط على شطِّ البحر، وإنَّما كانا على الصَّفا والمروة، وإنَّما كانت مناة ممَّا يلي جهة البحر. انتهى.
وسقط من روايته أيضًا إهلالهم أوَّلًا لمناة، فإنَّهم كانوا يهلُّون لمناة فيبدؤون بها، ثمَّ يطوفون بين الصَّفا والمروة لأجل إساف ونائلة، فمن ثمَّة تحرَّجوا من الطَّواف بينهما في الإسلام.
ويؤيِّد ذلك حديث أنس رضي الله عنه المذكور في الباب الذي بعده بلفظ (( أكنتم تكرهون السَّعي بين الصَّفا والمروة، فقالوا نعم؛ لأنها كانت من شعار الجاهليَّة ) ).
وروى الطَّبراني وابن أبي حاتم في «التَّفسير» بإسنادٍ حسن من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( قالت الأنصار إنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة من أمر الجاهليَّة، فأنزل الله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة 158] .
وروى الفاكهي وإسماعيل
ج 8 ص 99
القاضي في الأحكام بإسنادٍ صحيح عن الشَّعبي، قال كان صنمٌ بالصَّفا يدعى إساف، ووثنٌ بالمروةِ يدعى نائلة، فكان أهل الجاهليَّة يسعون بينهما، فلمَّا جاء الإسلام رمى بهما وقالوا إنَّما كان يصنعه أهل الجاهليَّة من أجل أوثانهم فأمسكوا عن السَّعي بينهما، قال فأنزل الله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة 158] .
وذكر الواحدي في «أسبابه» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحو هذا، وزاد حيث قال (( كان على الصَّفا صنم على صورة رجلٍ يقال له إساف، وعلى المروة صنمٌ على صورة امرأةٍ تدعى نائلة، يزعم أهل الكتاب أنَّهما زنيا في الكعبة فَمَسَخَهما الله تعالى حجرين فوضعا على الصَّفا والمروة ليعتبر بهما، فلمَّا طالت المدَّة عُبِدَا، فكان أهل الجاهليَّة إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلمَّا جاء الإسلام وكُسِرت الأصنام كَرِهَ المسلمون الطَّواف بينهما لأجل الصنمين فنزلت هذه الآية ) ).
وروى الفاكهي أيضًا بإسنادٍ صحيح إلى أبي مجلز نحوه، وفي كتاب «مكَّة» لعمر بن شبَّة بإسنادٍ قويٍّ عن مجاهد في هذه الآية قال قالت الأنصار إنَّ السَّعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية فنزلت.
ومن طريق الكلبي قال كان النَّاس أوَّل ما أسلموا كرهوا الطَّواف بينهما؛ لأنَّه كان على كلِّ واحدٍ منهما صنم فنزلت، فهذا كلُّه يوضِّح قوِّة رواية أبي معاوية وتقدُّمَها على رواية غيره.
ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهليَّة كانوا فريقين، منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يطوف بينهما على ما اقتضته رواية الزُّهري، واشترك الفريقان في الإسلام على التَّوقف عن الطواف بينهما؛ لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهليَّة، فيجمع بين الرِّوايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي، والله أعلم.
(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا) أي شرعه، وقال الكرماني وجُعِلَ ركنًا، وقال السَّعي ركنٌ عند الشَّافعي ومالك وأحمد. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله (وجعل ركنًا) غير مُوَجَّه؛ لأنَّ لفظ (سَنَّ) لا يدلُّ على معنى أنَّه ركنٌ، وإلَّا لا يبقى فرقٌ بين السنَّة والرُّكن، وكيف يقول إنَّه ركن، وركن الشَّيء ما هو داخل في ذات الشَّيء،
ج 8 ص 100
ولم يقل أحدٌ إنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة داخلٌ في ماهيَّة الحجِّ؛ يعني إنَّما قالوا فرض [2] على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
هذا، وأنت خبيرٌ بأنَّ مراده من الرُّكن هو الفرض، وقال الحافظ العسقلاني أي فَرَضَه بالسنَّة، وليس مرادها نفي فرضيَّتها، ويؤيِّده قولها (( لم يتمَّ الله حج أحد ولا عمرته ما لم يطف بينهما ) ). انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ أيضًا بأنَّه ليس مدلول اللَّفظ، وقوله وليس مراد عائشة رضي الله عنها نفي فرضيَّتها فيه أنَّه لا دلالة فيه على إثبات فرضيَّتها أيضًا.
وقوله ويؤيِّده. .. إلى آخره لا يؤيِّده أصلًا، ولا يدلُّ على ما ادَّعاه؛ لأنَّ نفي إتمام الشَّيء لا يدلُّ على نفي وجوده، فعلى كلِّ حال لا يثبت الفرضيَّة، غاية ما في الباب أنَّه يدلُّ على أنَّه سنَّةٌ مؤكَّدة، وهي في قوَّة الواجب ونحن نقول به. انتهى، وفي كلامه تسامحٌ فافهم.
(فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْبَرْتُ) المخبر هو الزُّهري (أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو أبو بكر بن عبد الرَّحمن بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ويقال له راهب قريش لكثرة صلاته، ولد في خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ومات سنة أربع وتسعين، قاله عمرو بن علي. وفي رواية مسلم، عن سفيان، عن الزُّهري، قال الزُّهري فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرَّحمن بن هشام فأعجبه ذلك.
(فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ) بفتح اللام التي هي للتأكيد وتنكير العِلْم في رواية الكُشْمِيْهني؛ أي لعلمٍ عظيم، وفي رواية الأكثرين يعني كلام عائشة رضي الله عنها (مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ) بلفظ المتكلِّم، وكلمة (ما) نافية، فالجملة على رواية الكُشْمِيْهني خبر بعد خبر، والخبر الأوَّل هو قوله لعلم أو صفة له، وعلى رواية الأكثرين خبر لإنَّ، واسمها قوله (هذا العلم) ، ويجوز أن يكون اسمها (هذا) ، وخبرها العلم على معنى إن هذا العلم هو العلم المبيَّن، ويحتمل أن تكون كلمة (ما) موصولة، و (كنتُ سمعته) بلفظ المخاطب منصوب على الاختصاص، أو مرفوع على أنَّه خبر بعد خبر أو صفة. وحاصل هذا الكلام استحسان قولها، فتدبَّر.
قال أبو بكر بن عبد الرَّحمن المذكور (وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلاَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ) هذا الاستثناء معترضٌ بين اسم إنَّ وخبرها، فاسمها (النَّاس) وخبرها قوله الآتي (كانوا يطوفون. .. ) إلى آخره، وقوله(مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ
ج 8 ص 101
بِمَنَاةَ كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ)بتشديد الطاء، وأصله أن نتطوَّف فأدغمت بعد ما أبدلته التاءُ طاء (بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآيَةَ [البقرة 158] )
ومحصَّل ما أخبر به أبو بكر بن عبد الرَّحمن، أنَّ المانع لهم من التطوُّف بينهما أنَّهم كانوا يطوفون بالبيت، وبين الصَّفا والمروة في الجاهليَّة، فلمَّا أنزل الله تعالى الطَّواف بالبيت، ولم يذكر الطَّواف بينهما ظنوا رفع ذلك الحكم فسألوا هل عليهم من حرجٍ إنْ فعلوا ذلك؛ بناءً على ما ظنُّوه من أنَّ التطوُّف بينهما من فِعْلِ الجاهليَّة، ووجْهُ الاستثناء المذكور أنَّه أشار إلى أنَّ الرِّجال من أهل العلم الذين أخبروا أبا بكر بن عبد الرَّحمن أطلقوا ولم يخصُّوا طائفةً، وأنَّ عائشة رضي الله عنها خصَّت الأنصار بذلك، كما رواه الزُّهري، عن عروة، عنها، وهو قولها في صدر الحديث (( ولكنها أنزلت في الأنصار ) ).
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ) المذكور (فَأَسْمَعُ) بإثبات الهمزة وضم العين بصيغة المضارع للمتكلم، كذا في أكثر الرِّوايات، وضبطه الدِّمياطي في نسخته بالوصل وسكون العين بصيغة الأمر، والأوَّل أصوب.
فقد وقع في رواية سفيان، عن الزُّهري عند مسلم (( إنَّما كان من لا يطوف بهما من العرب يقولون إنَّ طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهليَّة، وقال آخرون من الأنصار إنَّما أُمِرْنا بالطَّواف بالبيت، ولم نُؤْمَر به بين الصَّفا والمروة، فأنزل الله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة 158] ) ).
قال أبو بكر فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء فقوله فأُراها، بضم الهمزة؛ أي أظنُّها، وهو يؤيِّد أنَّ رواية العامة في قوله (فأسْمَعُ) بصيغة المضارع المتكلم (هَذِهِ الآيَةَ) أي قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} الآية [البقرة 158] (نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا) ويروى (( كلاهما ) )، وهو على مذهب من يجعل المثنى في الأحوال كلها بالألف، ثمَّ أبدل من قوله في الفريقين قوله
ج 8 ص 102
(فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وهم الأنصار (وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإِسْلاَمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ) أي الطَّواف بين الصَّفا والمروة.
(بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) أي بعد ذكره، وهو قول تعالى {ولْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} الآية [الحج 29] ، وأمَّا ذِكْرُ الطَّواف بينهما فهو قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} الآية [البقرة 158] . ووقع في رواية المُسْتَملي وغيره .
قال الحافظ العسقلاني وفي توجيهه عُسْر، وكأنَّ قوله (( الطَّواف بالبيت ) )بدل من قوله (( ما ذكر ) ).
هذا، وقال الكِرماني وتوجيهه أن يقال لفظ (ما ذكر) بدلٌ عن ذلك، أو أن (ما) مصدرية والكاف مقدر كما في زيد أسد؛ أي ذكر السَّعي بعد ذكر الطَّواف كذكر الطَّواف واضحًا جليًّا مشروعًا مأمورًا به.
وحاصل ما قاله أبو بكر إنَّ سبب نزول الآية على هذا الأسلوب كان للرَّدِّ على الفريقين اللَّذين تحرَّجوا أن يطوفوا بهما؛ لكونه عندهم من أفعال الجاهليَّة، والذين امتنعوا من الطَّواف بهما؛ لكونهما لم يُذكرا.
واحتجَّت الحنفيَّة بهذا الحديث على أنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة واجبٌ، فإنَّ قول عائشة رضي الله عنهما (( وقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطَّواف بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطَّواف بينهما ) )يدلُّ على الوجوب.
ويمكن أن يكون الوجوب أيضًا مستفاد من قولها (( ما أتمَّ الله حج امرئٍ ولا عمرته من لم يطف بين الصَّفا والمروة ) )، وهو في بعض طرق حديثها المذكور في هذا الباب عند مسلم. وما ذهب إليه الحنفيَّة هو مذهب الحسن وعطاء وقتادة والثَّوري، فلو تركه صحَّ حجُّه ويجب بتركه دمٌ، وبه قال النَّووي في النَّاسي لا في العامد.
وعند الحنفيَّة تفصيل فيما إذا ترك بعض السَّعي، كما هو عندهم في الطَّواف بالبيت، وعن عطاء أنَّه سنَّةٌ لا شيء فيه، وبه قال أنس، فيما نقله ابن المنذر.
وقال مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود هو فرضٌ لا يصحُّ الحج إلَّا به، ومن بقي عليه شيءٌ منه يرجع إليه من بلده، فإن كان وَطَأَ النِّساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجِّه أو عمرته، ويحج من قابل ويهدي، كذا حكاه ابن بطَّال
ج 8 ص 103
عنهم، ونقل المروزي عن أحمد أنَّه مستحبٌّ.
واختار القاضي وجوبه وانجباره بالدَّم، وقال ابنُ قدامة وهو أقربُ إلى الحقِّ، وعن طاوس من ترك منه أربعة أشواطٍ لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكلِّ شوط نصف صاع.
وذكر ابن القصَّار عن القاضي إسماعيل أنَّه ذكر عن مالك فيمن تركه حتَّى تباعدَ، وأصاب النِّساء أنَّه يجزئه ويهدي، وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرحه للتِّرمذي» اختلفوا في السَّعي بين الصَّفا والمروة للحاج على ثلاثة أقوال
أحدها أنَّه ركن؛ أي فرضٌ لا يصحُّ الحجُّ إلا به، وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر رضي الله عنهم، وبه قال الشَّافعي ومالك في المشهور عنه وأحمد في أصح الرِّوايتين عنه، وإسحاق وأبو ثور لقوله صلى الله عليه وسلم (( اسعوا فإنَّ الله كتب عليكم السَّعي ) ). رواه أحمد والدَّارقطني والبيهقي من رواية صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تِجْرَاة، بإسنادٍ حسن، وقال عبد العظيم المنذري إنَّه حديثٌ حسن. قال ابن حزم في «المحلَّى» إنَّ حبيبة بن أبي تِجْرَاة مجهولة، وهو مردود؛ لأنَّها صحابيَّة، وكذلك صفيَّة بنت شيبة صحابيَّة.
هذا، وحبيبة بنت أبي تِجْرَاة، بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثمَّ ألف ساكنة ثمَّ هاء، هي إحدى نساء بني عبد الدَّار، قالت دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى، وإنَّ مئزره ليدور من شدَّة السَّعي وسمعته يقول (( اسعوا فإنَّ الله كتب عليكم السَّعي ) )أخرجه الشَّافعي وأحمد وغيرهما، وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المُؤَمَّل وفيه ضعف. ومن ثمَّة قال ابن المنذر إن ثبتَ فهو حجَّةٌ على الوجوب، قال الحافظ العسقلاني وله طريقٌ أخرى عند الطَّبراني، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إذا انضمَّت إلى الأولى قويت.
واختلف على صفيَّة بنت شيبة في اسم الصحابيَّة التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعةٍ؛ فقد وقع عند الدَّارقطني عنها (( أخبرتني نسوة من بني عبد الدَّار ) )فلا يضرُّه الاختلاف.
هذا والقول الثَّاني أنَّه واجبٌ يُجْبَرُ بدمٍ، وبه قال الثَّوري وأبو حنيفة ومالك في «العتبية» كما حكاه ابن العربي.
والقول الثَّالث أنَّه ليس
ج 8 ص 104
بركنٍ ولا واجبٍ بل هو سنَّةٌ ومستحبٌّ، وهو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية ومن طاف فقد حل.
هذا، وأغْرَبَ ابنُ العربيِّ فحكى الإجماع على أن السَّعيَ ركنٌ في العُمْرة، وإنَّما الاختلاف في الحجِّ.
وقال الشَّيخ زين الدِّين قد يستدلُّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( خذوا عنِّي مناسككم ) )على اشتراط الموالاة بين الطَّواف والسَّعي بحيث يضرُّ الفصل الطَّويل، وهو أحد القولين فيما حكاه المتولِّي، وقال الرَّافعي والظَّاهر أنَّه لا يقدح، والله أعلم.
ثمَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرجه النَّسائي في الحجِّ، والتَّفسير أيضًا.
[1] في هامش الأصل (( أي التحرج عن الطواف بين الصفا والمروة ) ). منه.
[2] عبارة العمدة (فرضه بالسُّنة) .