فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 11127

145 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ، وقد تقدَّموا في أول الصَّحيح (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، الأنصاريِّ النَّجاريِّ بالنون والجيم المُزَني التَّابعي، كان له حَلَقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مفتيًا، ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومئة.

(عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) بالفتح أيضًا الأنصاريِّ الثِّقة، قيل إن له رؤية فلذلك ذُكِرَ في الصَّحابة رضي الله عنهم، وأبوه حبَّان

ج 2 ص 48

هو ابن مُنقِذ بن عمرو له ولأبيه صحبة رضي الله عنهما، وحبَّان يحتمل صَرْفه ومَنْعه نظرًا إلى أنه من حبِن _ بكسر الموحدة _ إذا طرأ له الشقاء أو من حبَّ.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد كلهم على شرط الشيخين والأربعة إلا عبد الله بن يوسف فإنه من رجال البخاري، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وكلهم مدنيون سوى عبد الله، فإنه مصريٌّ تِنِّيسيٌّ _ بكسر التاء المثناة من فوق وتشديد النون _، وأنَّ ثَّلاثةً منهم تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ على قولِ من يَعُد وَاسِعًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد أخرج متنه البخاري في الخُمُس أيضًا [خ¦3102] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه في الطَّهارة أيضًا، وقال التِّرمذيُّ حسن صحيح. (أَنَّهُ) أي عبد الله بن عمر كما صرَّح به مسلم في روايته، وزعم الكِرماني أنَّ الضَّمير يعود إلى واسع لا إلى ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأن السياق لا يساعده يريد به قوله «فقال عبد الله بن عمر» ، وقوله «وقال لعلك» إلى آخره وسنقف على ما فيه (كَانَ يَقُولُ إِنَّ نَاسًا) يعني بالناس من كان يقول بعموم النَّهي في استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة في الصَّحراء والبنيان كأبي أيُّوب، وأبي هريرة، ومَعْقِل الأسدي وغيرهم رضي الله عنهم.

(يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ) كناية عن التَّبرُّز، وذَكَرَ القعودَ لكونه الغالب، وإلَّا فلا فرق بين حالة القعود وحالة القيام (فَلاَ تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ) بكسر اللام على النَّهي (وَلاَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان مشهورتان فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المخففة، وضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، والمشدَّدُ معناه المطهَّر؛ فيكون من إضافة الموصوف إلى الصِّفة نحو مسجد الجامع، والمخفَّف لا يخلو إما أن يكون مصدرًا أو مكانًا، ومعناه بيت المكان الَّذي جعل فيه الطَّهارة، أو بيت مكان الطَّهارة وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، أو من الذنوب.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، وهذا ليس جوابًا لِوَاسع بل الفاء فيه سببية؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما أورد القول الأوَّل مُنكرًا له، ثمَّ بيَّن سبب إنكاره بما رآه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وكان يمكنه أن يقول «فلقد ارتقيت ... إلى آخره» ،

ج 2 ص 49

لكن الرَّاوي عنه وهو واسع أراد التَّأكيد بإعادة قوله فقال عبد الله بن عمر والله (لَقَدِ ارْتَقَيْتُ) وفي بعض الأصول ؛ أي صَعَدت (يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا) وفي رواية يزيد عن يحيى الآتية «على ظهر بيتنا» [خ¦149] ، وفي رواية عبيد الله بن عمر «على ظهر بيت حفصة» ، يعني أخته كما صرَّح به في رواية مسلم، ولابن خزيمة «دخلتُ على حفصة بنت عمر رضي الله عنهما فصَعَدتُ ظهر البيت» .

وطريق الجمع أن يقال إضافته البيت إلى نفسه على سبيل المجاز لكونها أخته، أو حيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الَّذي أسكنها النبي صلى الله عليه وسلم فيه، واستمرَّ في يدها إلى أن ماتت فوُرِث عنها، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه وَرِث حفصة دون إخوته لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب.

(فَرَأَيْتُ) أي أبصرت (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (عَلَى لَبِنَتَيْنِ) وحال كونه (مُسْتَقْبِلًا) فهما حالان يحتمل أن تكونا مترادفتين وأن تكونا متداخلتين (بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ) أي لأجل حاجته أو وقت حاجته، ولابن خزيمة «فأشرفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على خلائه» ، وفي رواية له «فرأيته يقضي حاجته محجوبًا عليه بلَبِن» ، وللحكيم الترمذي بسند صحيح «فرأيته في كَنِيف» وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية.

وفي رواية تأتي عن قريب «مُستقبِلَ الشَّام مُستَدبِرَ القبلة» [خ¦148] ، ولم يقصد ابن عمر رضي الله عنهما الإشراف على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وإنَّما صعد السَّطح لضرورة له كما في الرِّواية الآتية [خ¦148] ، فحانت منه التفاتة كما في روايةٍ للبيهقي من طريق نافع عن ابن عمر، ولمَّا اتَّفقت له رؤيته في تلك الحالة من غير قصد أحبَّ أن لا يخلي ذلك من فائدة فحَفِظَ هذا الحكم الشُّرعي فنقل ما رآه، وإن كان قصد ذلك لا يجوز كما لا يتعمَّد الشُّهود ينظروا إلى الزِّنا، ثمَّ يجوز أن تقع أبصارهم عليه ويتحمَّلوا الشَّهادة بعد ذلك.

هذا، ويُحتمل أن يكون قَصَد ذلك، ورأى من جهة ظهره من غير أن ينظر إلى عورته، وتأمَّل قعوده فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله فنقل ما شاهد من غير محذور، ودلَّ ذلك على شدَّة حرصه على تتبُّع أحوال النَّبي صلى الله عليه وسلم ليتَّبعها، وكذا كان رضي الله عنه.

(وَقَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما لواسع (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) جمع ورك كفَخِذٍ وفَخْذٍ على ما تقدم آنفًا، قال الكِرماني هي ما بين الفخذين. وقال محمود العيني ليس كذلك بل الوركان العظمان على طرفي عظمي الفخذين على ما قاله الأصمعي؛

ج 2 ص 50

أي لعلك من الَّذين لا يعرفون السنة، إذ لو كنت عارفًا بالسنَّة لعرفت جواز استقبال بيت المقدس، ولما التفتَّ إلى قولهم، وإنَّما كنَّى عن الجاهلين بالسنَّة بالذين يصلُّون على أوراكهم؛ لأنَّ المصلِّي على الورك لا يكون إلَّا جاهلًا بالسنَّة وإلَّا لما صلَّى كذلك، وفيه أنَّ الحَصْرَ مردود؛ لأنَّه قد يسجد على وركَيه مَن يكون عارفًا بسنَنِ الخلاء فلا يُحمل قول ابن عمر رضي الله عنهما على هذا، وأبعدُ منه قول مَن قال _أي من الجاهلين بالسُّنة_ في السجود من تجافي البطن عن الوركين فيه؛ إذ لو كُنتَ ممَّن لا يَجْهلها لعرفتَ الفرق بين الفضاء وغيره، وذلك لأنَّه ليس في السِّياق ما يدلُّ على الفرق بين الفضاء وغيره كما لا يخفى.

والَّذي يظهر في مناسبة هذا القول بما قبله في سياق مُسلم عن واسع قال «كنت أصلي في المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالسٌ، فلمَّا قضيتُ صلاتي انصرفتُ إليه، فقال عبد الله يقول ناس ... إلى آخره» ، فكأن ابن عمر رضي الله عنهما رأى منه في حال سجوده شيئًا لم يتحقَّقه فسأله عنه بالعبادة المذكورة، وكأنَّه بدأ بالقصَّة الأولى لأنَّها من روايته المرفوعة المحقَّقة عنده، فقدَّمها على ذلك الأمر المظنون.

ولا يبعُدُ أن يكونَ قريب العهد بقول من نقل عنهم ما نقل فأحبَّ أن يُعرِّف الحكم لهذا التابعي لينقله عنه على أنه لا يمتنع إبداء مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما، وأن لإحداهما بالأخرى تعلقًا بأن يقال لعلَّ الَّذي كان يسجد وهو لاصق بطنه بوركيه كان يظن امتناع استقبال القبلة بفرجه في كل حالة، وأحوال الصَّلاة أربعة قيام، وركوع، وسجود، وقعود، وانضمام الفرج فيها بين الوركين ممكنٌ إلَّا إذا جاء في السُّجود فرأى أنَّ في الإلصاق ضمًّا للفرج ففعله ابتداعًا والسنة بخلاف ذلك، والتستُر بالثِّياب كافٍ في ذلك كما أنَّ الجدار كافٍ في كونه حائلًا بين العورة والقِبلة إن قلنا أن مَثَار النَّهي الاستقبال بالعورة، فلمَّا حدَّثَ ابن عمر رضي الله عنهما التَّابعي بالحكم الأول، أشار له إلى الحكم الثاني منبِّهًا له على ما ظنَّه منه في تلك الصَّلاة الَّتي رآه صلاها، فلمَّا لم يكن لواسع شعور بشيء ممَّا ظنه ابن عمر رضي الله عنهما به. (قَالَ) أي واسع

ج 2 ص 51

(فَقُلْتُ لاَ أَدْرِي وَاللَّهِ) أنا منهم أو لا، أو لا أدري السنة في استقبال بيت المقدس (قَالَ مَالِكٌ) الإمام المذكور في السَّند في تفسير الصَّلاة على الورك (يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلاَ يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ) استئنافٌ مبيِّن لِمَا قَبْلَه (وَهُوَ لاَصِقٌ بِالأَرْضِ) جملة وقعت حالًا من فاعل يسجد، والحاصل أنَّه فسَّر الصَّلاة على الورك باللُّصوق بالأرض حالة السُّجود، وهو خلافُ هيئة السجود المشروعة الَّتي هي تجافي البطن عن الوركين فيه، وهذا القول تعليق من البخاري رحمه الله.

وقد استدلَّ بهذا الحديث مالك، والشَّافعي، وإسحاق وآخرون فيما ذهبوا إليه من جواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة في البنيان دون الصَّحراء، وقالوا إنَّه مخصِّصٌ لعموم النَّهي كما سبق، وقد تقدَّم ما يدلُّ على عموم النَّهي في تحقيق حديث أبي أيوب رضي الله عنه، ومنهم من رأى هذا الحديث ناسخًا لحديث أبي أيُّوب رضي الله عنه المذكور، واعتقد الإباحة مطلقًا، وقَاسَ الاستقبال على الاستدبار، وتَرَكَ حُكْمَ تخصيصه بالبنيان، ورأى أنَّه وصفٌ مَلغي الاعتبار، ومنهم من جمع بينهما وأعملهما، ومنهم من توقَّف في المسألة، فَتذكَّر، وفي الحديث جواز استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل.

وفي قوله «إن ناسًا يقولون ... إلى آخره» ، دليل على أن الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في معاني السُّنن، وكان كلُّ واحد منهم يستعمل ما سمعه على ما فهمه، فمن هاهنا وقع بينهم الاختلاف، وقال الخطَّابي قد يتوهَّم السَّامع من قول ابن عمر رضي الله عنهما «إن ناسًا يقولون ... إلى آخره» أنَّه يريد به إنكار ما روي في النَّهي عن استقبال القبلة عند الحاجة نسخًا لما حكاه من رؤيته صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مُستقبِلَ القبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يتوهَّم؛ لأنَّ المشهور من مذهبه أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصَّحراء، ويجوز كلاهما في البُنيان، وإنَّما أنكر قول من يزعُم أنَّ الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثل بما شاهده من قعوده في الأبنية.

وقال محمود العيني ظاهر عبارة الكلام يدلُّ على إنكار ابن عمر رضي الله عنه على من يزعم أنَّ استقبال بيت المقدس عند الحاجة غير جائز، فعن ذلك قال أحمد بن حنبل حديث ابن عمر رضي الله عنهما ناسخٌ للنهي عن استقبال بيت المقدس

ج 2 ص 52

واستدباره، والدليل على هذا ما روى مروان الأصفر، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه «أناخ راحلته مُستَقْبِلَ بيت المقدس، ثمَّ جلس يبول إليها فقلت يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ قال إنما نُهي عن هذا في الفضاء، وأما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» ، ثمَّ إنَّ النهي عن استقبال بيت المقدس يحتمل أن يكون على معنى الاحترام إذ كان مرَّة قبلة لنا، ويحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة؛ لأنَّ من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة، ويستفاد من الحديث أنَّ تتبُّعَ أحوال النبي صلى الله عليه وسلم كلِّها، ونقلَها جائزٌ، وأنَّها كلَّها أحكامٌ شرعيَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت