1660 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، أنَّه (قَالَ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ) هو ابن مروان الأموي الخليفة (إِلَى الْحَجَّاجِ) هو ابن يوسف الثَّقفي حين أرسله إلى قتال ابن الزُّبير، وجعله واليًا بمكَّة، وأميرًا على الحجَّاج سنة ثلاث وسبعين (أَنْ لاَ يُخَالِفَ) بلفظ النَّهي وأن تفسيرية، ويروى بلفظ النفي على أنَّ كلمة (أن) مصدريَّة والفعل غائب.
(ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (فِي) أحكام (الْحَجِّ) قال سالم (فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَنَا مَعَهُ) أي مع ابن عمر رضي الله عنهما، والواو للحال (يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ) ووقع في رواية عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن الزُّهري (( فركب هو وسالم وأنا معهما ) )وفي روايته أيضًا عن معمر قال ابن شهاب (( وكنت يومئذٍ صائمًا فلقيت من الحرِّ شدَّة ) )، واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه فقال يحيى بن معين هي وهم، وابن شهاب لم ير ابن عمر رضي الله عنه ولا سمع منه.
وقال الذُّهلي لست أرفع رواية معمر؛ لأنَّ ابن وهب روى عن العمري عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وروى عَنْبَسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب قال وفدت إلى مروان وأنا محتلم، قال الذُّهلي ومروان مات سنة خمس
ج 8 ص 131
وستِّين، وهذه القصَّة كانت سنة ثلاث وسبعين. انتهى.
وقال غيره إنَّ رواية عنبسة هذه وهم أيضًا، وإنَّما قال الزُّهري وفدت على عبد الملك، ولو كان الزُّهري وفد على مروان لأدرك جلَّة الصَّحابة ممن ليست له عنهم رواية إلَّا بواسطة. وقد أدخل مالك وعُقَيل وإليهما المرجع في حديث الزُّهري بينه وبين ابن عمر رضي الله عنهما في هذه القصَّة سالمًا، فهذا هو المعتمد.
(فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ) بن يوسف، والسُّرادق، بضم السين، قال الكرماني والحافظ العسقلاني والبرماوي إنَّه هو الخيمة.
وقال العيني وليس كذلك، وإنَّما السرادق هو الذي يحيط بالخيمة، وله باب يدخل منه إلى الخيمة، ولا يعمل هذا غالبًا إلَّا للسَّلاطين والملوك الكبار، ويقال له بالفارسية سَرايَرده.
وفي «القاموس» أنَّه الذي يمدُّ فوق صحن البيت، والبيت من الكرسف، وزاد الإسماعيلي من هذا الوجه أين هذا يعني الحجَّاج.
(فَخَرَجَ) أي الحجَّاج من سرادقه (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ) بكسر الميم؛ أي إزار كبير (مُعَصْفَرَةٌ) أي مصبوغة بالعصفر (فَقَالَ) أي الحجَّاج (مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو كنية ابن عمر رضي الله عنهما (فَقَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (الرَّوَاحَ) بالنصب؛ أي رُح أو عجِّل بالرَّواح، قاله الكِرماني، وتبعه الحافظ العسقلاني.
وقال العيني والأصوب أن يقال إنَّه منصوب على الإغراء؛ أي إلزم الرَّواح، والإغراء هو تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله.
(إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ) النبويَّة، وفي رواية ابن وهب إن كنت تريد أن تصيب السنَّة، وقال أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لقوله إن كنت تريد السنَّة، فإنَّ المراد سنَّة سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا إذا أطلقها ما لم تَضَفْ إلى صاحبها كقولهم سنة العمرين وما أشبه ذلك. انتهى.
وهذه مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول الجمهور على ما قال ابن عبد البر، وهي طريقة البخاري ومسلم، ويقوِّيه قول سالم لابن شهاب إذا قال له أَفَعَل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وهل يتبعون في ذلك إلَّا سنَّته.
(قَالَ) أي الحَجَّاج (هَذِهِ السَّاعَةَ)
ج 8 ص 132
أي أروح هذه السَّاعة وهي وقت الهاجرة (قَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (نَعَمْ، قَالَ) أي الحجَّاج (فَأَنْظِرْنِي) بفتح الهمزة وكسر الظاء المعجمة من الإنظار وهو الإمهال؛ أي أمهلني، وفي رواية الكُشْمِيْهني بهمزة الوصل وضم الظاء المعجمة؛ أي انتظرني (حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي) من الإفاضة؛ أي أغتسل؛ لأنَّ إفاضة الماء على الرَّأس إنَّما يكون غالبًا في الغسل.
(ثُمَّ أَخْرُجَ) بالنصب عطف على قوله أفيض، وأصله حتَّى أن أفيض (فَنَزَلَ) ابن عمر رضي الله عنهما عن مركوبه فانتظر (حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ) قال سالم (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ يحتمل أن يكونوا ركبانًا؛ لأنَّ السنَّة حينئذٍ الرُّكوب لمن له راحلة (فَقُلْتُ) للحجَّاج (إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ) بوصل الهمزة وضم الصاد، كذا في اليونينية (وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ) كذا في رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ووافقه القَعْنَبِي في «الموطَّأ» وأشهب عند النَّسائي لكن قالا (( فأقم الخطبة وعجِّل الوقوف ) )، وخالفهم يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف عن مالك فقالوا (( وعجِّل الصَّلاة ) ). قال أبو عمر ورواية عبد الله بن يوسف وهي عندي غلط؛ لأنَّ أكثر الرُّواة عن مالك على خلافها، ووُجِّهَتْ بأنَّ تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصَّلاة، وكأنه ذكره باللازم؛ لأنَّ الغرضَ بتعجيلِ الصَّلاةِ حينئذٍ تعجيلُ الوقوف. ومع هذا فقد وافق عبدُ الله بن يوسف القعنبيَّ وأشهب.
وقال الحافظ العسقلاني والظَّاهر أنَّ الاختلاف فيه عن مالك رحمه الله.
(فَجَعَلَ) الحجَّاج (يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر كأنَّه يستدعي علم ما عنده فيما قاله ابنه سالم هل هو كذا أو لا (فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ صَدَقَ) سالم فيما قاله، وفي الحديث فوائد جمَّة
منها أنَّ تعجيل الصَّلاة يوم عرفة سنَّة مُجْمَعٌ عليها في أوَّل وقت الظُّهر يصلِّي الظُّهر ثمَّ العصر بإثر السَّلام والفراغ من الظُّهر، ومنها أنَّ إقامة الحجِّ إلى الخلفاء ومن جعلوا ذلك، وهو واجب عليهم، فيقيمون مَن كان عالمًا به. ومنها أنَّ الصَّلاة خلف الفاجر من الولاة جائزة ما لم تُخْرِجْه بدعتُه عن الإسلام، ومنها أنَّ الرجل الفاضل لا يؤخذ عليه في مشيته إلى السُّلطان الجائر فيما يحتاج إليه ومداخلة العلماء السَّلاطين وأنَّه لا نقيصة عليهم في ذلك سواء كانوا جائرين أو لا؛ لأجل إرشادهم إيَّاهم إلى الخير وإيقافهم على ما لم يعلموا من السنَّة.
ومنها أنَّ تعجيل الرَّواح للإمام للجمع بين الظُّهر والعصر بعرفة في أوَّل وقت الظُّهر سنَّة، ولا يضرُّ التَّأخير بقدر ما يشتغل به المرء من متعلَّقات الصَّلاة كالغسل ونحوه، ومنها
ج 8 ص 133
الغسل للوقوف بعرفة لقول الحجَّاج لعبد الله أنظرني فانتظره وأهل العلم يستحبُّونه، قاله ابن بطَّال.
ويحتمل أن يكون ابن عمر رضي الله عنهما إنَّما انتظره لِحَمْلِه على أنَّ اغتساله عن ضرورة، لكن روى مالك في «الموطَّأ» عن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل لوقوفه عشيَّة عرفة.
ومنها جواز لبس المعصفر للمحرم، فإنَّ الحجَّاج خرج وهو محرم وعليه ملحفة مُعصْفَرة، ولم يُنْكِر عليه ذلك ابنُ عمر رضي الله عنهما، قاله الطحاوي.
وتعقَّبه ابن المنيِّر في «الحاشية» بأنَّ الحَجَّاج لم يكن ينفي المنكر الأعظم من سفك الدِّماء وغيره حتَّى ينفي المعصفر، وإنَّما لم ينهه ابن عمر رضي الله عنهما لعلمه أنَّه لا ينجع فيه النَّهي، ولعلمه بأنَّ النَّاس لا يقتدون بالحَجَّاج. انتهى ملخصًا.
قال الحافظ العسقلاني وفيه نظر؛ لأنَّ الاحتجاج إنَّما هو بعدم إنكار ابن عمر رضي الله عنهما فبعدم إنكاره يتمسَّك النَّاس في اعتقاد الجواز. وقد تقدَّم البحث في مسألة المعصفر في بابه [1] ، ومنها جواز تأمير الأدون على الأفضل والأعلم، قاله المهلَّب.
وتعقَّبه ابن المنيِّر أيضًا بأنَّ صاحب الأمر في ذلك هو عبد الملك، وليس بحجَّة ولاسيَّما في تأمير الحجَّاج، وأمَّا ابن عمر رضي الله عنهما فإنَّما أطاع فرارًا من الفتنة، ومنها ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنها، قاله المهلَّب أيضًا.
وتعقَّبه ابن المنيِّر أيضًا بأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما إنَّما ابتدأ بذلك لمسألة عبد الملك له في ذلك، فإنَّ الظَّاهر أنَّه كتب إليه بذلك كما كتب إلى الحجَّاج، وفيه نظر. ومنها الفهم بالإشارة والنَّظر لقول سالم، فجعل الحجَّاج ينظر إلى عبد الله، فلمَّا رأى ذلك قال صدق، ومنها أنَّ اتِّباعَ الشَّارع هو السنَّة وإن كان في المسألة أوجه جائزة غيرها، ومنها جواز فتوى التِّلميذ بحضرة معلِّمه عند السُّلطان وغيره.
ومنها جواز صياح العالم عند مكانٍ السُّلطان فيه ليسرع إليه في الإجابة، ومنها أنَّ السُّلطان أو نائبه يعمل في الدِّين بقول أهل العلم ويرجع إلى رأيهم وقولهم، ومنها تعليم الفاجر السنن لمنفعة النَّاس، ومنها احتمال المفسدة القليلة لتحصيل المصلحة الكثيرة، يؤخذ ذلك من مضي ابن عمر رضي الله عنهما على الحَجَّاج وتعليمه.
ومنها طلب العلو للعلم لتشوُّق الحَجَّاج إلى سماع ما أخبر به سالم عن أبيه ابن عمر رضي الله عنه ولم ينكر عليه ذلك ابن عمر رضي الله عنهما،
ج 8 ص 134
فمن سمع مسألة من التِّلميذ ينبغي له أن يطلب سماعها من الأستاذ أيضًا لتحصيل العلوِّ للعلم.
ومنها الحرص على نشر العلم لانتفاعِ النَّاسِ به، ومنها الخطبة فعند أبي حنيفة يخطب خطبتين بعد الزَّوال وبعد الأذان قبل الصَّلاة كخطبة الجمعة ولو خطب قبل الزَّوال جاز، وعند أصحابنا في الحج ثلاث خطب أوَّلها في اليوم السَّابع من ذي الحجَّة، وهو قبل يوم التَّروية بيوم يعلِّم النَّاس فيها الخروج إلى منى، والثَّانية يوم عرفة وهو التَّاسع من الشَّهر المذكور يعلِّم النَّاس فيها ما يجب من الوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والنَّحر وطواف الزِّيارة، والثَّالثة بمنى بعد يوم النَّحر وهو الحادي عشر من الشَّهر؛ يحمد الله فيها ويشكره على ما وفق من قضاء مناسك الحجِّ، ويحضَّ النَّاس على الطَّاعات ويحذِّرهم عن اكتساب الخطايا فيفصل بين كلِّ خطبتين بيوم.
وقال زفر يخطبها في ثلاثة أيَّام متواليات يوم التَّروية ويوم عرفة ويوم النَّحر، وعند الشَّافعي في الحج أربع خطب مسنونة إحداها بمكَّة يوم السَّابع، والثَّانية يوم عرفة، والثَّالثة يوم النَّحر بمنى، والرَّابعة يوم النَّفر الأوَّل بمنى.
وعند مالك ثلاث خطب؛ الأولى يوم السَّابع بمكَّة بعد الظُّهر خطبة واحدة ولا يجلس فيها، الثَّانية بعرفات بعد الزَّوال بجلسة في وسطها، الثَّالثة في اليوم الحادي عشر. وعند أحمد كذلك ثلاث خطب ولا خطبة في اليوم السَّابع بمكَّة، بل يخطب بعرفات بعد الزوال ثمَّ يخطب بمنى يوم النَّحر في أصحِّ الرِّوايتين، ثمَّ كذلك ثاني أيَّام منى بعد الظُّهر.
وقال ابن حزم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحد ثاني يوم النَّحر، وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا وهو يوم النَّفْرِ الأوَّل. وفيه حديث في «سنن أبي داود» وآخر في «مسند أحمد» والدارقطني وقال ابن حزم وقد رُوِيَ أيضًا أنَّه خطبهم يوم الاثنين وهو يوم الأَكَارِع، وأوصى بذوي الأرحام خيرًا.
وقال ابن قدامة وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يخطب العشر كله، وروي عن ابن الزُّبير، كذلك رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ، ثمَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله هذه الساعة؛ لأنَّه أشار بها إلى وقت زوال الشَّمس عند الهاجرة، وهو وقت الرَّواح إلى الموقف.
[1] في هامش الأصل وحاصله أنه أجاز الأكثرون لبس المعصفر للمحرم. وعن أبي حنيفة المعصفر طيب، وفيه الفدية، واحتج بأن عمر رضي الله عنه كان ينهى عن الثياب المصبغة. انتهى.