1666 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) وفي رواية ابن خزيمة من طريق سفيان عن هشام (( سمعت أبي ) ) (أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ أُسَامَةُ) هو أسامة بن زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه، سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وتوفِّي في آخر خلافة معاوية رضي الله عنهم (وَأَنَا جَالِسٌ) الجملة حالية، وفي رواية النَّسائي من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم، عن مالك (( وأنا جالس معه ) )، وفي رواية مسلم من طريق حمَّاد بن زيد، عن هشام، عن أبيه سئل أسامة وأنا شاهد أو قال سألت أسامة بن زيد.
(كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 8 ص 150
يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) سمِّيت به لأنَّه صلى الله عليه وسلم ودَّع النَّاس فيها وقال (( لا ألقاكم بعد عامي هذا ) )وغلط من كره تسميتها بذلك، وتسمَّى البلاغ أيضًا لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال فيها (( هل بلَّغت ) )وحجَّة الإسلام لأنها التي حجَّ فيها بأهل الإسلام ليس فيها مشرك.
(حِينَ دَفَعَ) أي انصرف من عرفات إلى المزدلفة، وفي رواية يحيى بن يحيى وغيره عن مالك في «الموطَّأ» (( حين دفع من عرفة ) ) (قَالَ) أي أسامة رضي الله عنه (كَانَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي الوقت بالفاء (يَسِيرُ الْعَنَقَ) بالنون وبالقاف نصب على المصدريَّة كالقهقرى في قولهم رجع القهقرى، والتقدير يسير السير العنق وهو السير بين الإبطاء والإسراع.
قال التياني في «الموعب» هو سيرٌ مُسْبَطِرٌ، وقال معمر هو أدنى المشي وهو أن يرفع الفرس يديه ليس برفع هَمْلجة ولا هَرْوَلة.
وفي «التَّهذيب» للزُّهري العنَق والعنيق ضرب في السَّير وقد أعنقتُ الدَّابة، وقال ابن سيده فهي مُعنِق ومِعناق وعنيق، وفي «المخصَّص» عن الأصمعي العَنَق من الشيء هو أوَّله، وقال القزَّاز هو سيرٌ سريعٌ ولم يقولوا عَنقة، وفي كتاب «الاحتفال» لابن أبي خالد في صفات الخيل ومن أنواع سير الإبل والدَّواب العنق وهو سير سهل مُسْبَطِر تمد فيه الدَّابةُ عُنُقَها للاستعانة وهو دون الإسراع.
وفي «المجمل» هو نوع من سير الدَّواب طويل. وقال في «المشارق» هو سيرٌ سهلٌ في سرعة. وفي «الفائق» العَنَق الخطو الفَسيح.
(فَإِذَا وَجَدَ) صلى الله عليه وسلم (فَجْوَةً) بفتح الفاء وسكون الجيم؛ المكان المتسع، كما سيجيء تفسيره في آخر الباب [خ¦1666] ، وكذا الفجواء ممدودًا، وقال ابن سيده هو ما اتَّسع من الأرض، وقيل ما اتَّسع منها وانخفض.
وقال النَّووي رواه بعضهم في «الموطَّأ» بضم الفاء وفتحها، ورواه أبو مصعب ويحيى بن بُكَيْر وغيرهما عن مالك بلفظ فُرْجة، بضم الفاء وسكون الراء، وهو بمعنى الفجوة.
(نَصَّ) فعل ماض؛ أي أسرع وسار سيرًا شديدًا يبلغ به الغاية، وفي كتاب «الاحتفال» النَّص والنَّصيص في السَّير أن تُسارَ الدَّابة أو البعير سيرًا شديدًا حتَّى يستخرج أقصى ما عندها، ونصُّ كل شيء منتهاه.
وقال أبو عبيد النَّص أصله منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها.
وقال ابن بطَّال تعجيل الدَّفع من عرفة، والله أعلم، إنَّما هو لضيق الوقت؛ لأنَّهم إنَّما يدفعون من عرفة إلى المزدلفة عند
ج 8 ص 151
سقوط الشَّمس، وبين عرفة والمزدلفة نحو ثلاثة أميال، وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء بالمزدلفة في أوَّل وقت العشاء، على ما في النظم [1] ، وتلك سنَّتها فتعجَّلوا في السَّير لاستعجال الصَّلاة.
وقال الطَّبري الصَّواب في صفة السَّير في الإفاضتين جميعًا ما صحَّت به الآثار إلَّا في وادي مُحَسِّر، فإنَّه يُوضِعُ؛ أي يُسْرِع؛ لصحَّة الحديث بذلك، فلو أوضع أحد في موضع العَنَق أو العكس لم يلزمه شيء؛ لإجماع الجميع على ذلك، غير أنَّه يكونُ مُخطِئًا طريقَ الصَّواب. انتهى.
وأشار بقوله لصحة الحديث إلى ما روى التِّرمذي بسنده عن جابر رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أوضع في وادي محسر ) )الحديث وقال أبو عيسى حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فقوله أوضع؛ أي أسرع في السَّير من الإيضاع، وهو السَّير السَّريع، وفي الأصل مفعول أوضع محذوف؛ أي أوضع راحلته؛ لأنَّ أوضع متعدٍّ والقاصر منه ثلاثي.
قال الجوهريُّ وضع البعير وغيره؛ أي أسرع في سيره، وفي الحديث من الفوائد أنَّ السلف كانوا يحرصون على السُّؤال عن كيفية أحواله صلى الله عليه وسلم في جميع حركاته وسكناته ليقتدوا به في ذلك.
(قَالَ هِشَامٌ) هو ابن عروة (وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ) أي أدفع منه في السُّرعة، وهذا تفسير منه، وكذا رواه مسلم من رواية حميد بن عبد الرَّحمن عن هشام بن عروة. قال هشام والنصُّ فوق العنق، وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق أنس بن عياض، وأدرجه يحيى القطَّان فيما أخرجه البخاري في الجهاد [خ¦2999] حيث قال حدَّثنا محمَّد بن المثنى حدَّثنا يحيى، عن هشام قال أخبرني أبي قال (( سئل أسامة بن زيد _كان يحيى يقول وأنا أسمع فَسَقَطَ عنِّي_ عن مسير النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجَّة والوداع قال فكان يسير العَنَق فإذا وَجد فجوة نَصَّ والنَّصُّ فوق العَنَق ) ).
وكذلك أدرجه سفيان فيما أخرجه النَّسائي وعبد الرَّحمن بن سليمان ووكيع فيما أخرجه ابن خزيمة كلهم، عن هشام، وقد رواه إسحاق في «مسنده» عن وكيع ففصله، وجعل التَّفسير من كلام وكيع، وكذا رواه ابن خزيمة من طريق سفيان ففصله، وجعل التفسير من كلام سفيان.
وسفيان ووكيع إنَّما أخذا التفسير المذكور عن هشام فرجع التفسير إليه، وقد رواه أكثر رواة «الموطَّأ» عن مالك فلم يذكروا التفسير، وكذلك رواه أبو داود الطَّيالسي من طريق حمَّاد بن سلمة
ج 8 ص 152
ومسلم من طريق حمَّاد بن زيد كلاهما، عن هشام، وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في الجهاد [خ¦2999] ، والمغازي [خ¦4413] ، ومسلم في المناسك، وكذا أبو داود والنَّسائي وابن ماجه.
(فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ) وفي رواية المُسْتملي أي البخاري فجوة متَّسع؛ يريد المكان الخالي عن المارة ثمَّ بيَّن جَمْعَها فقال (وَالْجَمِيعُ) بالمثناة التحتية بعد الميم (فَجَوَاتٌ) بفتحتين (وَفِجَاءٌ) بكسر الفاء وبالمد ومثَّلَ ذلك بقوله (وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ) على وزن فَجْوة، وهو الزورق الصَّغير (وَرِكَاءٌ) على وزن فِجَاء، وقوله ( {مَنَاصٌ} ) بالرفع، ويجوز جره على الحكاية للفظ القرآن في قوله تعالى {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} الآية [ص 3] .
(لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ) بنصب حين خبر (ليس) واسمها محذوف تقديره ليس الحين حين هرب، وقوله (مناص ليس حين فرار) لم يثبت في كثير من النُّسخ، وأمَّا على ما ثبت فوجهه دفع توهُّم أنَّ المناص والنص من وادٍ واحدٍ وأنَّ أحدهما مشتقٌّ من الآخر، وليس كذلك، فإنَّ النصَّ مضاعَفٌ وحروفه صحاح، والمناص أجوف واوي من النَّوص.
قال الفرَّاء النَّوص التأخُّر، ويقال ناص عن قرينه يَنُوص نَوْصًا ومَنَاصًا؛ أي فرَّ وزاغ. وقال الجوهريُّ قال الله تعالى {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} الآية [ص 3] ؛ أي ليس وقت تأخُّر وقرار.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (كان يسير العنق) فإنَّه صفة سيره إذا دفع من عرفة.
تتمَّة قال ابن خزيمة في هذا الحديث دليل على أنَّ الحديث الذي رواه ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن أسامة أنَّه قال (( فما رأيت ناقته رافعة يدها حتَّى أتى جمعًا ) )أنَّه محمول على حال الزِّحام دون غيره. انتهى.
وأشار بذلك إلى ما أخرجه هو من طريق الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن أسامة رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أردفه حين أفاض من عرفة، وقال (( أيُّها النَّاس عليكم السَّكينة، فإنَّ البرَّ ليس بالإيجاف ) )، قال فما رأيت ناقته رافعة يدها حتَّى أتى جمعًا، الحديث.
وأخرجه أبو داود، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعد باب من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ليس فيه أسامة [خ¦1670] . وأخرج مسلم من طريق عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنه، عن أسامة رضي الله عنه في أثناء حديث قال (( فما زال يسير على هينته حتَّى أتى جمعًا ) )، وهذا يشعر بأنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنَّما أخذه عن أسامة رضي الله عنه.
ج 8 ص 153
وقال ابن عبد البر في هذا الحديث كيفيَّة السَّير في الدَّفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصَّلاة؛ لأنَّ المغرب لا تصلَّى إلَّا مع العشاء بالمزدلفة فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسَّكينة عند الزَّحمة ومن الإسراع عند عدم الزِّحام.
[1] لعل المعنى على ما هي عليه من النظم أي الترتيب فيصلي المغرب ثم العشاء.