فهرس الكتاب

الصفحة 2637 من 11127

1676 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد الإمام المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهري المدني، أنَّه قال (قَالَ سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما.

(وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) وفي روايةِ ابن وهب عند مسلم، عن يونس، عن ابن شهاب أنَّ سالم بن عبد الله أخبره كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

(يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ) النِّساء والصِّبيان والعاجزين من منزله الَّذي نزله بالمزدلفة إلى منى، خوف التأذِّي بالاستعجال والازدحام (فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ) المَشعَر _ بفتح الميم والعين _، وحكى الجوهريُّ كسر الميم، وقيل إنَّه لغةُ أكثر العرب. وقال ابن قُرْقُول كسر الميم لغة لا رواية.

وقال ابن قتيبة ولم يُقْرأ بها في الشواذ، وذكر الهذليُّ أنَّ أبا السمَّاك قرأه بالكسر، وفي «الموعب» لابن التِّياني عن قطرب قالوا مَشعَر ومِشعَر _ بفتح الميم وكسرها وفتح العين _ ومَشعِر _ بفتح الميم وكسر العين _ ثلاث لغاتٍ.

وقال الأزهريُّ سمِّي مَشْعرًا؛ لأنَّه معلم للعبادة، والحرامُ صفةُ المَشْعر؛ أي الَّذي يحرم فيه الصَّيد وغيره، لأنَّه من الحَرَم، ويجوز أن يكون معناه ذا الحرمة.

ج 8 ص 171

وقال الكِرماني صاحب «المناسك» الأصحُّ أنَّ المَشْعر الحرام في المزدلفة لا عين المزدلفة، وحدُّ المزدلفة لغة ما بين مَأْزِمَي عرفة ووادي مُحَسِّر يمينًا وشمالًا من الشِّعاب والجبال.

وقال الكرماني شارح البخاري واختلف فيه يعني في المشعر الحرام، والمعروف عن أصحابنا أنَّه قُزَح؛ بضم القاف وفتح الزاي وبالمهملة، وهو جبلٌ معروفٌ بالمزدلفة، والحديث يدلُّ عليه. اهـ. وكذا حديث جابر رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا صلَّى الفجر بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتَّى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبَّر وهلَّل ولم يزل واقفًا حتَّى أسفر ) ).

وقال النَّووي وابن الصَّلاح جبلٌ صغيرٌ بآخر المزدلفة، يقال له قُزح وهو منها؛ لأنَّها ما بين مأْزِمَي عرفة ووادي مُحَسِّر، وقد استبدل النَّاس الوقوف به على بناءٍ محدثٍ هناك يظنُّونه المَشْعر، وليس كما يظنُّون، لكن يحصل بالوقوف عنده أصل السنَّة؛ أي وكذا بغيره من المزدلفة على الأصحِّ.

وقال المحبُّ الطَّبري هو بأوسط المزدلفة، وقد بُنِيَ عليه بناء، ثمَّ حَكَى كلامَ ابن الصَّلاح، ثمَّ قال والظَّاهر أنَّ البناء على الجبل والمشاهدة تشهدُ له، قال ولم أرَ ما ذكره ابن الصَّلاح لغيره.

وقال الزَّمخشري المشعر الحرام قُزح، وهو الجبل الَّذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، وفي حديثٍ أنَّ قُزح هو المشعر الحرام، وقال غيرهم إنَّه نفس المزدلفة.

وفي «التَّلويح» والمزدلفة لها اسمان آخران جمع، والمَشْعر الحرام، وعن ابن عمر رضي الله عنهما المشعر الحرام هو المزدلفة كلُّها.

وقال ابن الحاجِّ المزدلفة، والمَشعر، وجمع، وقُزح، أسماءٌ مترادفةٌ. انتهى.

وقال بعضهم لو كان المشعر الحرام هو المزدلفة، لقال عزَّ وجلَّ فاذكروا الله في المشعر الحرام لا عنده، كما إذا قلت أنا عند البيت لا تكون في البيت.

وقال أبو علي الهَجَري في كتاب «النوادر» وآخر مزدلفة مُحَسِّر، وأوَّل منى بطن مُحَسِّر، ومُحَسَّر _ بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المشددة المهملة، وفي آخره راء _ وادٍ بجَمْع، وهي مزدلفة.

وفي «التَّلويح» وهو بين يدي موقف المزدلفة ممَّا يلي منى، وهو مسيل قدر رمية بحجرٍ بين المزدلفة ومِنى. ذكره أبو عبيد.

وعند الطَّبري اسم فاعل من حَسَّر _ بتشديد السين _ سمِّي بذلك؛ لأنَّ فيل أصحاب الفيل حُسِرَ فيه؛ أي أعيى وكلَّ عن السَّير، قيل هذا غلط؛ لأنَّ الفيل لم يعبر الحرم. وقيل سمِّي به لأنَّه يُحَسِّر سَالكيه ويتعبهم، ويسمَّى وادي النَّار أيضًا، ويقال إنَّ رجلًا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته.

وحكمة الإسراع فيه

ج 8 ص 172

أنَّه كان موقفًا للنَّصارى فاستحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسراع فيه، ثمَّ إنَّ قوله تعالى {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة 198] معناه ممَّا يلي المشعر الحرام قريبًا منه، وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرَّحمة، وإلَّا فالمزدلفة كلُّها موقف إلَّا وادي مُحَسَّر، ثمَّ إنَّه يحصل أصل السنَّة بالمرور، وإن لم يقف كما في عرفة، نقله في «الكفاية» وأقرَّه.

(بِلَيْلٍ) أي في اللَّيل (فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) ويدعون (مَا بَدَا لَهُمْ) من غير همز؛ أي ما ظهر لهم وسنح في خواطرهم وأرادوا (ثُمَّ يَرْجِعُونَ) أي إلى منى، وفي رواية مسلم (( ثمَّ يدفعون ) )، قال الحافظ العسقلانيُّ وهو أوضح ومعنى الأوَّل أنَّهم يرجعون عن الوقوف إلى الدَّفع، ثمَّ يقدمون منى على ما فصِّل في الخبر.

(قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ) بالمَشعر الحرام أو بالمزدلفة، وفي رواية أبي الوقت (وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ) أي الإمام إلى منى (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ) بفتح المثناة التحتية والدال وسكون القاف بينهما (مِنًى لِصَلاَةِ الْفَجْرِ) أي عند صلاة الفجر، فاللام للتَّوقيت لا للعلَّة.

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا قَدِمُوا) بكسر الدال (رَمَوُا الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة، ويقال لها الجمرة الكبرى وهي تُرْمَى يوم النَّحر (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، يَقُولُ أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ) الضَّعَفةِ المذكورةِ في الحديث، وقوله أرخص فعل ماض من الإرخاص، وفي بعض الرِّوايات بالتشديد من التَّرخيص، وهو أظهر من حيث المعنى؛ لأنَّ التَّرخيص ضدُّ العزيمة، وهو المراد هنا، وأمَّا أَرْخَصَ، فالظَّاهر أنَّه من الرُّخص الذي ضدُّ الغلاء، وفاعله قوله

(رَسُولُ اللَّه ِصلى الله عليه وسلم) واحتجَّ به ابن المنذر، لقول مَن أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضَّعفة؛ لأنَّ حكم مَن لم يرخَّص له فيه ليس كحكم من رُخِّصَ له فيه، قال ومن زعم أنَّهما سواء لزمه أن يجيز المبيت على منى لسائر النَّاس؛ لكونه صلى الله عليه وسلم أرخص لأصحاب السِّقاية وللرِّعاء أن لا يبيتوا بمنى.

فإن قال لا تعدوا بالرُّخص مواضعها فلْيستعملْ ذلك هنا، ولا يَأْذَنْ لأحد أن يتقدَّم مِن جَمْعٍ إلَّا لِمَن رخَّص له رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وقد اختلف السَّلف في المبيت بمزدلفة، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والثَّوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور ومحمَّد بن إدريس الشَّافعي

ج 8 ص 173

في أحد قوليه على وجوب المبيت بها، وأنَّه ليس بركنٍ فمن تركه فعليه دمٌ، وهو قول عطاء والزُّهري وقتادة ومجاهد. وعن الشَّافعي أنَّه سنَّة، وهو قول مالك.

وقال ابن بنت الشَّافعي وابن خزيمة الشَّافعيَّان هو ركن. وقال علقمة والنَّخعي والشَّعبي من ترك المبيت بمزدلفة فاته الحجُّ، وفي «شرح التهذيب» وهو قول الحسن، وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، قالوا وإذا فاته الحجُّ جعل حجَّه عمرة، ونقل ابن المنذر عن علقمة والنَّخعي أنَّهما قالا من لم يقف بها فاته الحجُّ.

وقال الطَّحاوي إنَّ الله تعالى لم يذكر الوقوف، وإنَّما قال {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة 198] ، وقد أجمعوا على أنَّ من وقف بها بغير ذكر أنَّ حجَّه تامٌّ، فإذا كان الذِّكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحجِّ، فالموطن الَّذي يكون الذِّكر فيه أحرى أن لا يكون فرضًا.

قال وما احتجُّوا به من حديث عروة بن مُضَرِّس _ بضم الميم وفتح المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها مهملة _، رَفَعَه قال (( من شهد معنا صلاة الفجر بالمزدلفة، وكان قد وقف قبلَ ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه ) )فليس فيه حجَّة لإجماعهم على أنَّه لو بات بها، ووقف ونام عن الصَّلاة، فلم يصلِّها مع الإمام حتَّى فاتته أنَّ حجَّه تامٌّ. انتهى.

وحديث عروة أخرجه أصحاب السُّنن، وصحَّحه ابن حبَّان، والدَّارقطني، والحاكم. ولفظ أبي داود عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموقف؛ يعني بجَمْعٍ، قلت جئتُ يا رسول الله من جَبَلَي طَيء فأَكْلَلْت مطيَّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جَبَلٍ إلَّا وقفت عليه فهل لي من حجٍّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَن أدرك معنا هذه الصَّلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمَّ حجُّه وقضى تفثه ) ).

وللنَّسائي (( من أدرك جَمْعًا مع الإمام والنَّاس حتَّى يفيضوا فقد أدرك الحجَّ، ومن لم يدرك مع الإمام والنَّاس فلم يدرك ) ). ولأبي يعلى (( ومن لم يدرك جَمْعًا فلا حجَّ له ) ).

وقد صنَّف أبو جعفر العُقَيلي جزءًا في إنكار هذه الزِّيادة، وبيَّن أنَّها من رواية مطرف، عن الشَّعبي، عن عروة، وأنَّ مطرِّفًا كان يَهِمُّ في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشَّطط، فزعم أنَّه من لم يصلِّ صلاة الصُّبح بمزدلفة مع الإمام أنَّ الحجَّ يفوته، ولم يعبتر ابن قُدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء كما حكاه الطَّحاوي، والله أعلم.

وقال الفريق الأوَّل ومن بات بها لم يجز له الدَّفع قبل النِّصف، وقال الشَّافعي يحصل المبيت بساعة في النِّصف الثَّاني من اللَّيل دون الأوَّل، وعن مالك النُّزول بالمزدلفة واجبٌ، والمبيت بها سنَّة، فمن مرَّ بها ولم ينزل فعليه دم، وكذا الوقوف مع الإمام.

وقال أهل الظَّاهر من لم يدرك مع الإمام صلاة الصُّبح بالمزدلفة بطل حجُّه؛ بخلاف النِّساء والصِّبيان والضُّعفاء استدلالًا بحديث عُرْوةَ بن المضرِّس، وقد عرفت الشَّأن فيه.

وعند أصحابنا الحنفيَّة لو ترك الوقوف بها بعد الصُّبح من غير عُذْرٍ فعليه دم، وإن كان بعذر الزِّحام فتعجَّل السَّير إلى منى فلا شيء عليه، والمأمور به في الآية الكريمة هو الذِّكر دون الوقوف.

وقال الأوزاعيُّ لا دمَ عليه مطلقًا، وإنَّما هو منزلٌ مَنْ شاءَ نَزَلَ به، ومن شاء لم ينزلْ به. ووقْتُ الوقوف بالمَشعر بعد طلوع الفجر من يوم النَّحر إلى أن يُسْفِر جِدًّا. وعن مالك لا يقف أحد إلى الإسفار، بل يدفعون قبل ذلك، وفي الحديث دلالة على جواز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشَّمس لقول ابن عمر رضي الله عنهما، (( فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ) )مع قوله (( فإذا قدموا رموا الجمرة ) ). وسيأتي إن شاء الله تعالى صريحًا من صنيع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في الحديث الثَّالث من هذا الباب [خ¦1679] ، وسيأتي الكلام عليه أيضًا إن شاء الله تعالى، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة لا تحتاج إلى بيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت