1686 - 1687 - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ) مصغَّر زهر (ابْنُ حَرْبٍ) ضدُّ الصُّلح النَّسائي، بالنون وبالسين المهملة، مات ببغداد سنة أربع وثلاثين ومائتين، وروى عنه مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ جَرِيرٍ) هو وهب بن جَرِير، بفتح الجيم وكسر الراء، أبو العبَّاس.
قال (أَخْبَرَنَا أَبِي) هو جَرِير بن حازم بن يزيد أبو النَّضر البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن، وتكبير الأب، وهو ابن عُتبة بن مسعود، وعبيد الله هذا هو أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) بكسر الراء وسكون الدال، ويروى(مِنْ عَرَفَةَ
ج 8 ص 189
إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ)صلى الله عليه وسلم (الْفَضْلَ) بن عبَّاس رضي الله عنهما (مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى قَالَ فَكِلاَهُمَا قَالاَ لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُلَبِّي) في أوقات حجِّه (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي ابتداء الرَّمي غداة يوم النَّحر؛ أي قطعها عند رمي أوَّل حصاة من حُصيَّات جمرة العقبة، كما هو مذهب الحنفيَّة والشَّافعي، وكذا هو قول أحمد كما تقدَّم [خ¦1683] .
ونقل البرماويُّ والحافظ العسقلانيُّ أنَّ مذهب الإمام أحمد أنَّه لا يقطعها حتَّى يرميها، فيكون الحديث بظاهره مستَنَدًا له.
وفي «تنقيح المقنع» ما نصه ويقطع التَّلبية مع رمي أوَّل حصاةٍ منها، فلعلَّ ما نقله البَرماويُّ والحافظ العسقلانيُّ قول له أيضًا، وهو قول بعض الشَّافعية، واستدلُّوا له بحديث ابن عبَّاس، عن الفضلِ عند ابن خُزيمة، قال (( أفضت مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة، يكبِّر مع كلِّ حصاة، ثمَّ قطع التَّلبية مع آخر حصاة ) ).
قال ابن خزيمة هذا حديث صحيحٌ مفسِّر لما أُبهم في الرِّوايات الأُخرى، وإنَّ المراد بقوله (حتَّى رمى جمرة العقبة) ؛ أي أتمَّ رميَها، والله أعلم.
وذهب الإمام مالك إلى أنَّه إذا راح إلى مصلَّى عرفة، قال ابن القاسم وذلك بعد الزَّوال حين يريد الصَّلاة.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّه كان يقول التَّلبية شعار الحجِّ فإذا كنت حاجًّا فلبِّ، حتَّى بَدْء حلّك وبَدْء حلّك أن ترمي الجمرة ) ).
وروى سعيد بن منصورٍ من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال (( حججت مع عمر رضي الله عنه إحدى عشرة فكان يلبِّي حين يرمي الجمرة ) )، وذكر الطَّحاوي أنَّ الإجماع وقع من الصَّحابة والتَّابعين على أنَّ التَّلبية لا تقطع إلَّا مع رمي الجمرة، إمَّا مع أوَّل حصاة أو بعد تمامها، على اختلاف فيه.
ودليل الإجماع أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان يلبِّي غداة المزدلفة بحضور ملإٍ من الصَّحابة وغيرهم، فلم يُنكر عليه أحد منهم، وكذلك فعل عبد الله بن الزُّبير، ولم ينكر عليه أحدٌ ممَّن كانوا هناك من أهل الآفاق من الشَّام واليمن ومصر والعراق، فصار ذلك إجماعًا لا مخالف فيه.
تنبيه روى مسلم هذا الحديث من رواية إبراهيم بن عقبة، قال أخبرني كُريب أنَّه سأل أسامة بن زيد كيف صنعتم حين ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيَّة عرفة، الحديث بطوله، وفيه (( حتَّى جئنا المزدلفة فأقام المغرب، ثمَّ أناخ النَّاس في منازلهم ولم يَحِلِّوا حتَّى أقام العِشاء الآخرة فصلَّى، ثمَّ حلُّوا قُلتُ وكيف فعلتم حين أصبحتم، قال رَدِفَه الفضل بن عبَّاس، وانطلقت أنا في سُبَّاق قريش على رِجْلَيَّ ) ).
فمقتضى هذا أن يكون أسامة قد سبق إلى رمي الجمرة، فيكون إخباره بمثل ما أخبر به الفضل من التَّلبية مرسلًا، لكن لا مانع من رجوعه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وإتيانه معه إلى الجمرة، أو إنَّه أقام بالجمرة حتَّى أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
ويؤيِّد هذا ما رواه مسلم أيضًا من حديث أمِّ الحصين، قالت فرأيت أسامة بن زيد وبلالًا في
ج 8 ص 190
حجَّة الوداع، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ، حتَّى رمى جمرة العقبة.