فهرس الكتاب

الصفحة 2652 من 11127

1688 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهرام أبو يعقوب الكَوْسج المروزيُّ، شيخ مسلم أيضًا، قال (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، هو (ابْنُ شُمَيْل) مصغَّر الشَّمل، بالشين المعجمة، صاحب العربية، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦152] ، قال (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بفتح الجيم وبالراء، نَضر بن عِمْران الضّبعي.

(قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنِ الْمُتْعَةِ) أي عن مشروعيَّتها وهي أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ ويَفْرغ منها، ثمَّ يحجُّ من عامه (فَأَمَرَنِي بِهَا) أي فأذن لي فيها، وإلَّا فالإفراد أفضل عند البعض، ولم ينقل عن ابن عبَّاس خلافه، وقد تقدَّم البحث فيه في باب التَّمتُّع والقِران [خ¦1564] .

(وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْهَدْيِ) الواجب فيها (فَقَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (فِيهَا) أي في المتعة (جَزُورٌ) بفتح الجيم وضم الزاي، على وزن فَعُول، من الجَزْر؛ وهو القَطْع، وهو من الإبل؛ يقع على الذَّكر والأنثى.

وقال صاحب «المحكم» الجَزُور النَّاقة المجزورة، ولفظه مؤنَّث تقول هذه الجَزُور، هكذا قال الحافظ العسقلاني، ومَنَعَه العينيُّ فقال لا يُقال هذه الجزور مطلقًا؛ لأنَّه يقع على الذَّكر أيضًا.

(أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ) واحدة الغنم يُطلق على الذَّكر والأنثى من الضَّأن والمعز (أَوْ شِرْكٌ) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء؛ أي مشاركة (فِي دَمٍ) أي في إراقة دمٍ، وذلك

ج 8 ص 192

لأنَّ البدنةَ أو البقرةَ تجزئ عن سبْعِ شِيَاه، فإذا شارك غيره في سُبْع إحْدَاهما أَجْزَأ عنه.

روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلِّين بالحجِّ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كلُّ سَبْعةٍ منَّا في بدنة ) ).

وهو قول أبي حنيفة والثَّوري والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ سواءٌ كان الهدي تطوُّعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلُّهم متقرِّبين بذلك، أو كان بعضهم يريد التَّقرُّب، وبعضهم يريدُ اللَّحم.

وعن أبي حنيفة يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلُّهم متقرِّبين بذلك، وعن زُفَر مثله بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة. وعن داود وبعض المالكيَّة يجوز في هدي التطوُّع دون الواجب، وعن مالك لا يجوز مطلقًا.

واحتجَّ له إسماعيل القاضي بأنَّ حديث جابر رضي الله عنه إنَّما كان في الحديبيَّة، حيث كانوا مُحْصَرين، وأمَّا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فخالف أبا جمرة عنه ثقاتُ أصحابه، فرووا عنه أنَّ ما استيسر من الهدي شاةٌ، ثمَّ ساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

قال وقد روى ليثٌ عن طاوس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثلَ روايةِ أبي جَمْرة، وليثٌ ضعيف، قال وحدَّثنا سليمان، عن حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، عن محمَّد بن سيرين، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال (( ما كنت أرى أنَّ دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد ) ). انتهى.

وليس بين رواية أبي جَمْرة ورواية غيره منافاة؛ لأنَّه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشَّاة. وإنَّما أراد ابن عبَّاس رضي الله عنهما بالاقتصار على الشَّاة الرَّدَّ على من زَعَم اختصاص الهدي بالإبل والبقر، وذلك سيتَّضح عن قريب إن شاء الله تعالى [1] .

وأمَّا رواية محمَّد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فمُنْقَطِعَة، ومع ذلك لو كانت متَّصِلةً احتمل أن يكون ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخبر أنَّه كان لا يرى ذلك من جهة الاجتهاد، حتَّى صحَّ النَّقل بصحَّة الاشتراك، فأفتى أبا جمرة بذلك.

وبهذا تجمع الأخبار، وهو أولى من الطَّعن في رواية من أجمع العلماء

ج 8 ص 193

على توثيقه والاحتجاج بروايته وهو أبو جمرة الضُّبعي.

وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان لا يرى التَّشريك، ثمَّ رجع عن ذلك لمَّا بلغته السنَّة، قال أحمد حدَّثنا عبد الواحد حدَّثنا مجالد، عن الشَّعبي، قال (( سألت ابن عمر رضي الله عنهما، قلت الجزور والبقرة عن سبعة، قال يا شعبي ولها سبعة أنفس، قال قلت فإنَّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يَزعمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سنَّ الجزور عن سبعة، والبقرة عن سبعة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما لرجل أكذلك يا فلان، قال نعم، قال ما شعرت بهذا ) ).

وأمَّا تأويل إسماعيل لحديث جابر رضي الله عنه بأنَّه كان في الحديبية فلا يدفع الاحتجاج بالحديث. بل روى مسلم من طريقٍ أخرى عن جابر رضي الله عنه في أثناء حديث، قال (( فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا أن نهدي ونجمع النَّفر منَّا في الهدية ) )، وهذا يدلُّ على صحَّة أصل الاشتراك.

ثمَّ إنَّه اتَّفق من قال بالاشتراك على أنَّه لا تُجْزِئ البدنة أو البقرة عن أكثر من سبعة، ولا الشَّاة عن أكثر من واحد.

وأمَّا ما روي (( أنَّه صلى الله عليه وسلم ضحَّى بشاة عن أمَّته ) )، فإنَّما كانت تطوُّعًا، وعند المالكيَّة تجوز البدنة والبقرة عن أكثر من سبعة إذا كانت ملكًا لرجل واحد، وضحَّى بها عن نفسه وأهله.

وعن سعيد بن المسيَّب أنَّه قال تجزئ البدنة عن عشرة، وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خُزيمة من الشَّافعية، واحتجَّ لذلك في «صحيحه» .

واحتجَّ له ابن حزم بحديث رافع بن خديج (( أنَّه صلى الله عليه وسلم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعيرٍ ) )، الحديث، وهو في الصَّحيحين.

هذا، ثمَّ إنَّهم اختلفوا في قوله تعالى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الآية [البقرة 196] ، فقالت طائفةٌ إنَّها شاة، روي ذلك عن عليٍّ وابن عبَّاس رواه عنهما مالك في «الموطأ» وأخذ به، وقال به جمهور العلماء ورُوِيَ عن طاوس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ما يقتضي أنَّ ما استيسر من الهدي في حقِّ الغنيِّ بدنةٌ، وفي حقِّ غيره بقرة، وفي حقِّ الفقير شاة.

وعن ابن عمر، وابن الزُّبير، وعائشة رضي الله عنهم أنَّه لا يكون إلَّا من الإبل والبقر، ووافقهم القاسم بن محمَّد وطائفة.

قال إسماعيل القاضي في «الأحكام» له أظنُّهم ذهبوا إلى ذلك بقوله تعالى {والْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [الحج 36]

ج 8 ص 194

فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البُدن، قال ويردُّه قوله تعالى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} الآية [المائدة 95] .

قال وأجمع المسلمون على أنَّ في الظَّبي شاةٌ فوقع عليها اسم هدي، وقد احتجَّ بذلك ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وأخرج الطَّبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمير، قال قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( الهدي شاةٌ، فقيل له في ذلك، فقال أنا أقرأ عليكم من كتاب الله تعالى ما تقوون به ما في الظَّبي ) )؟ قالوا شاة، قال فإنَّ الله تعالى يقول {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} الآية [المائدة 95] .

ثمَّ إنَّ قوله تعالى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الآية [البقرة 196] ، يُحتمل أن يشير به إلى أقلِّ أجناس الهدي، وهو الشَّاة، وإلى أقلِّ صفات كلِّ جنسٍ، فهو ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما (( البُدنة دون البُدنة، والبقرة دون البقرة ) )، فهذا عنده أفضل من الشَّاة ولا خلاف يُعْلَم في ذلك، وإنَّما الخلاف في أنَّ الواجد للإبل والبَقَرِ هل يُخْرِجُ شاةً؟ فعند ابن عمر رضي الله عنهما يُمنع إمَّا تحريمًا، وإمَّا كراهةً، وعند غيره نعم، والله أعلم.

(قَالَ) أي أبو جمرة (وَكَأَنَّ نَاسًا) يعني كعمر بن الخطَّاب، وعثمان بن عفَّان، وغيرهما ممَّن نُقِلَ عنه الخلافُ في ذلك، كما تقدَّم (كَرِهُوهَا) أي المتعة (فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا) وفي رواية ابن عساكر (يُنَادِي حَجٌّ مَبْرُورٌ وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ) قال الإسماعيلي وغيره تفرَّد به النَّضر بقوله متعة، ولا أعلم أحدًا من أصحاب شعبة رواه عنه إلا قال (عُمْرة) .

وقال أبو نعيم قال أصحاب شعبة كلُّهم (عمرة) إلَّا النَّضر، فقال (متعة) ، وقد أشار البخاري إلى هذا بما علَّقه بعدُ، كما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى [خ¦1688 بعد] .

(فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فَحَدَّثْتُهُ) بما رأيت (فَقَالَ) متعجِّبًا من الرُّؤيا الَّتي وافقت السنَّة (اللَّهُ أَكْبَرُ) فإنَّه يقال هذا حين يسمع المرء ما يسرُّ به ويتعجَّب منه (سُنَّةُ) أي هذا سنَّة (أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم) أي طريقته، وهو المبين عن ربِّه عزَّ وجلَّ لِمَا أُجْمِلَ، وليس المراد بها ما يُقابل الفَرْض، وإنَّما حدَّث به ابن عبَّاس رضي الله عنهما ليعرِّفه أنَّ فتواه حقٌّ، ويستأنس بالرُّؤيا لما قام به الدَّليل الشَّرعيُّ، فإنَّ

ج 8 ص 195

الرُّؤيا الصَّالحةَ جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جُزْءًا من النُّبوَّة، كما في «الصَّحيح» .

(قَالَ) أي قال أبو عبد الله البخاري (وَقَالَ آدَمُ) هو ابن أبي إياس، فيما وصله المؤلِّف في باب التَّمتُّع والقران [خ¦1567] (وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بن حازم الأزدي البصري فيما وصله البيهقيُّ (وَغُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر البصري، ابن امرأة شعبة، فيما وصله أحمد عنه والثَّلاثة (عَنْ شُعْبَةَ عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ مَبْرُورٌ) بدل قول النَّضر (حجٌّ مبرورٌ ومتعةٌ متقبَّلة) ، وقد تقدَّم فائدة إتيان المؤلِّف بهذا التَّعليق آنفًا.

فإن قيل المتعة في الآية للمُحْصَرين في الحجِّ، ولم يذكر معهم من لم يحصر فما حكمه؟

فالجواب أنَّ في الآية ما يدلُّ على أنَّ غير المُحْصَر قد دخل فيها بما قد اجتمعوا عليه، وهو قوله تعالى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} الآية [البقرة 196] ؛ إذ لم يختلف أهل العلم في المُحرِم بالحجِّ والعمرة ممن لم يحصر أنَّه إذا أصابه أذى من رأسه أو مرض أنَّه يَحْلِق، وأنَّ عليه الفدية المذكورة في الآية، وأنَّ القصد بها على المحصَر لا يمنع أن يكون غيره فيه كهو، بل هو أولى بما ذكرنا من المعنى الأوَّل الَّذي في الآية؛ لأنَّه قال في المعنى الأوَّل {فمَنْ كَان مِنْكم} [البقرة 196] ، ولم يقل ذلك في المعنى الثَّاني فيها، والله أعلم.

وقد مرَّ معنى الحديث مفصَّلًا في باب التَّمتُّع [خ¦1572] ، ومرَّ تفسير الحجِّ المبرور فيه، وفي باب الإيمان هو العمل [خ¦26] .

[1] في شرح هذا الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت