فهرس الكتاب

الصفحة 2654 من 11127

1689 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز، لم تختلف الرُّواة عن مالك، عن أبي الزِّناد، فقال عن الأعرج، ورواه ابن عُيينة، عن أبي الزِّناد، فقال عن الأعرج، عن أبي هريرة أو عن أبي الزِّناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أخرجهُ سعيد بن منصور عنه، وقد رواه الثَّوري، عن أبي الزِّناد بالإسنادين مُفَرَّقًا.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه بعد طول البحث (يَسُوقُ بَدَنَةً) كذا وقع في أكثر الرِّوايات، وفي روايةٍ لمسلم من طريق بكير بن الأخنس، عن أنسٍ رضي الله عنه (( مرَّ ببَدَنَةٍ أو هَدِيَّة ) ). ولأبي عوانة

ج 8 ص 201

من هذا الوجه (( أو هدي ) )، وهو ممَّا يوضِّح أنَّه ليس المراد بالبدنة مجرَّد مدلولها اللُّغوي. ولمسلمٍ من طريق المغيرة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، قال بينا رجلٌ يسوق بدنةً مقلَّدةً.

وفي روايةٍ له عن همَّام بن منبِّه، قال هذا ما حدَّثنا أبو هريرة، عن محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث، منها أنَّه قال بينما رجلٌ يسوق بَدَنَةً مقلَّدةً قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ويلك اركبها ) )، فقال بُدنةٌ يا رسول الله، قال (( ويلك اركبها ) ).

وفي رواية لأحمد من حديث عبد الرَّحمن بن إسحاق والثَّوري كلاهما، عن أبي الزِّناد. ومن طريق عجلان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( اركبها ويحك ) )، قال إنَّها بُدنة، قال (( اركبها ويحك ) ). وزاد أبو يعلى من رواية الحسن (( فركِبها ) ).

وللبخاريِّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فلقد رأيت راكبها يساير النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والنَّعل في عنقها ) ). وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب (( تقليد البُدن ) ) [خ¦1706] .

(فَقَالَ) له صلى الله عليه وسلم (ارْكَبْهَا) ليخالف بذلك أمر الجاهليَّة من ترك الانتفاع بالسَّائبة والوصيلة والحام، كما سيجيء الحكم في ذلك تفصيلًا [خ¦1659] إن شاء الله تعالى.

وزاد النَّسائي من طريق سعيدٍ وقتادة. والجوزقي من طريق حميدٍ، عن ثابت، كلاهما، عن أنسٍ رضي الله عنه (( وقد جهده المشي ) ). ولأبي يعلى من طريق الحسن، عن أنسٍ رضي الله عنه حافيًا، لكنَّها ضعيفةٌ.

(فَقَالَ) الرَّجل (إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أي هدي (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له (ارْكَبْهَا قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَكَ) نصب أبدًا على المفعول المطلق بفِعْلٍ مِن معناه محذوفٍ وجوبًا؛ أي أهلكه الله ويلًا أو ألزمه الله ويلًا، وهي كلمة تقال لمن وَقَعَ في هلكة، فالمعنى أشرفت على الهلَكة، فاركب، فعلى هذا هي إخبار، وقيل هي كلمةٌ تَدعم بها العربُ كلامَها ولا تقصدُ مَعناها، كقولهم لا أُمَّ لك. ويقويِّه ما تقدَّم في رواية أحمد (( ويحك ) )بدل ويلك.

وقال الهرويُّ وَيْلٌ كلمة تُقال لمن وقع في هَلكة يستحقَّها، وويحٌ لمن وقع في هلكةٍ لا يستحقُّها. وفي «التوضيح» ويلك مخرَّجةٌ مخرج الدَّعاء عليه من غير قصدٍ؛ إذ أبى من ركوبها أوَّل مرَّة، وقال له إنَّها بدنة، وقد كان عليه السَّلام يعلم ذلك فكأنَّه قال له الويل لك في مراجعتك إيَّاي فيما لا تعرف وأعرف. وكان الأصمعيُّ يقول ويلٌ كلمةُ عذابٍ، وويحٌ كلمة رحمةٍ.

وقال سيبويه ويحٌ زجرٌ

ج 8 ص 202

لمن أشرف على هلكةٍ. وقيل إنَّه بمعنى الهلاك، أو مشقَّة العذاب أو الحزن. وفي الحديث (( ويلٌ وادٍ في جهنَّم ) )، وقيل بئرٌ فيها. ويُحتمل إجراؤها على هذه المعاني لتأخُّر المخاطب عن امتثال أمره صلى الله عليه وسلم لقول الرَّاوي (فِي الثَّالِثَةِ) أي في المرَّة الثَّالثة (أَوْ فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ) شكٌّ من الرَّاوي في أنَّه قال ويلك في الثَّالثة أو في الثَّانية، وفي رواية أبي ذرٍّ ، قال القرطبي قالها له تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، وكذا قال ابن عبد البرِّ وابن العربي، وبالغ حتَّى قال الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا، قال ولولا أنَّه صلى الله عليه وسلم اشترط على ربِّه ما اشترط لهلك ذلك الرَّجل لا محالةَ.

قال القرطبيُّ ويحتمل أن يكون فهم عنه أنَّه يترك ركوبها على عادة الجاهليَّة في السَّائبة وغيرها، فزَجَره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء، ورجَّحه القاضي عياض وغيره وقالوا والأمر هنا وإن قلنا إنَّه للإرشاد لكنَّه استحقَّ الذَّمَّ بتوقُّفه عن امتثال أمره أوَّل وَهْلةٍ. والَّذي يظهر أنَّه ما ترك عنادًا؛ إذ يحتمل أن يكون ظنَّ أنَّه يلزمه غُرْمٌ بركوبها، أو إثم، وأنَّ الإذن الصَّادر له بركوبها إنَّما هو للشَّفقة عليه فتوقَّف، فلمَّا أغلظ له بادر إلى الامتثال؛ وقيل لأنَّه كان أشرف على هلكة من الجهد.

فائدة قيل تبيَّن من هذا الحديث أنَّ البَدنة تطلق على الواحدة من الإبل المُهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد بها مدلولها اللُّغويُّ لم يحصل الجواب بقوله إنَّها بدنةٌ؛ لأنَّ كونها من الإبل معلومٌ، فالظَّاهر أنَّ الرَّجل ظنَّ أنَّه خفيَ عليه صلى الله عليه وسلم كونها هديًا، فقال إنَّها بدنةٌ والحقُّ أنَّه لم يخف ذلك على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لكونها كانت مقلَّدةً، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته (( ويلكَ ) ).

وقال النَّووي البدنة حيث أطلقت في الفقه والحديث يُراد بها البعير ذكرًا أو أنثى، وشرطها أن تكون في سنِّ الأُضحية، وهي الَّتي دخلت في السَّادسة. وقال صاحب «العين» هي ناقةٌ تُهدى إلى مكَّة.

وفي الحديث جوازُ ركوب الهدي سواءٌ كان واجبًا أو متطوَّعًا به؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُفَصِّل في قوله ولا استَفْصَل صاحبُ الهَدي عن ذلك فدلَّ على أنَّ الحُكم لا يختلف بذلك.

ويوضِّح هذا ما رواه أحمد من حديث عليٍّ رضي الله عنه (( أنَّه سئل هل يركب الرَّجل هَدْيَه، فقال لا بأس؛ قد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يمرُّ بالرِّجال يمشون فيأمرهم بركوب هديه هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ) )وإسناده صالح. قاله الحافظ العسقلانيُّ.

وقد اختلفوا في هذا على ستَّة أقوالٍ

ج 8 ص 203

الأوَّل الجواز مطلقًا، وبه قال عروة بن الزُّبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق، وبه قالت الظَّاهريَّة، وهو الَّذي جزم به النَّووي في «الرَّوضة» تبعًا لأصله في الضَّحايا، ونقله في «شرح المهذب» عن القفَّال والماورديُّ.

الثَّاني تقيِّيده بالحاجة، كما نقله في «شرح المهذب» عن أبي حامدٍ والبندينجي وغيرهما. وقال الرَّويانيُّ تجويزه بغير الحاجة يخالف النَّص، وهو الَّذي حكاه التِّرمذي عن الشَّافعيِّ، وأحمد، وإسحاق حيث قال وقد رخَّص قومٌ من أهل العلم من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وغيرِهم ركوبَ البَدَنة إذا احتاج إلى ظهرها، وهو قول الشَّافعي وأحمد وإسحاق.

وهذا هو المنقول عن جماعةٍ من التَّابعين أنَّها لا تُرْكَبُ إلَّا عند الاضطرار إلى ذلك، وهو المنقول عن الشَّعبيِّ [1] ، والحسن البصريُّ، وعطاء بن أبي رباحٍ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فلذلك قيَّده صاحب «الهداية» من أصحابنا بالاضطرار.

والثَّالث ما ذكره ابن عبد البرِّ من كراهة الرُّكوب من غير حاجة، ونقله عن الشَّافعي ومالك.

الرَّابع ما قاله ابن العربيِّ تُرْكَبُ للضَّرورة فإذا استراح نزل، ومقتضى تقييده بالضَّرورة أنَّ من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلَّا من ضرورةٍ أخرى، والدَّليل على اعتبار القيود الثَّلاثة، وهي الاضطرار، والرُّكوب بالمعروف، وانتهاء الرُّكوب بانتهاء الضَّرورة، ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ (( اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتَّى تجد ظهرًا ) )فإنَّ مفهومه أنَّه إذا وجد غيرها تركها، وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النَّخعيُّ، قال يركبها إذا أَعْيَى قَدْرَ ما يستريحُ على ظهرها.

الخامس المنع مطلقًا، نقله ابن العربيِّ عن أبي حنيفة، وشنَّع عليه من غير وجه.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ولكنَّ الَّذي نقله الطَّحاوي وغيره الجواز بغير الحاجة إلَّا أنَّه قال ومع ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه، وقيل ضمان النَّقض وافق عليه الشَّافعيَّة في الهدي الواجب كالنذر.

وقال العينيُّ الَّذي نقله الطَّحاوي وغيره أنَّ مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب «الهداية» كما مرَّ.

السَّادس وجوب الرُّكوب، نقله ابن عبد البرِّ عن بعض أهل الظَّاهر تمسُّكًا بظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهليَّة من البَحِيْرة والسَّائبة. وردَّه بأنَّ الَّذين ساقوا الهَدي في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

ج 8 ص 204

كانوا كثيرًا، ولم يأمر أحدًا منهم بذلك. انتهى، وفيه نظرٌ؛ لما تقدَّم من حديث عليٍّ رضي الله عنه، وله شاهد مرسلٌ عند سعيدٍ بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ رواه أبو داود في «المراسيل» عن عطاء، كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يأمر البدنة إذا احتاج إليها سيِّدها أن يحمل عليها ويركبها غير منهكها، فإن نتجت حمل عليها ولدها، ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيَّن طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسانٍ من الهلاك.

وفي «الاستذكار» كره مالك وأبو حنيفة والشَّافعي وأكثر الفقهاء شُرْبَ لَبَنِ النَّاقة بعد ريِّ فَصِيْلِها. وقال أبو حنيفة والشَّافعيُّ أنْ نَقّصَها الرُّكوب والشُّرب فعليه قيمةُ ذلك.

وقال مالك لا يشرب من لبنها، فإن شرب لم يغرم، وكذا إن ركب للحاجة لا يغرم شيئًا.

وقال الطَّحاوي في اختلاف العلماء قال أصحابنا والشَّافعي إن احتلب منها شيئًا تصدَّق به، فإن أكله تصدَّق بثمنه ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن.

ثمَّ إنَّه اختلف المجيزون هل يحمل عليها متاعه؟ فمَنَعَه مالكٌ، وأجازه الجمهور، وكذا إن حَمل عليها غيرَه، أجازه الجمهور على التَّفصيل المذكور.

ونقل القاضي عياض الإجماع على أنَّه لا يؤجرها، ثمَّ إنَّه يجوز في الهدي الذَّكر والأنثى، وإليه ذهب مالك. وقال ابن التِّين إنَّه لا يهدي إلَّا الإناث، نقله عن الشَّافعي.

وفي «التوضيح» يجوز إهداء الذَّكر والأنثى من الإبل، وهو مذهبنا، وقول جماعةٍ من الصَّحابة؛ لأنَّ الهدي جهةٌ من جهات القُرب فلم يختصَّ بالذُّكور والإناث كالضَّحايا. وفي الحديث أيضًا تكرير العالم الفتوى، وتوبيخ من لا يأتمُّ بها وزجرُه. وفيه النَّدبُ إلى المبادرة إلى امتثال الأمر. وجوازُ مسايرة الكبار في السَّفر. وأنَّ الكبير إذا رأى مصلحةً للصَّغير لا يأنف عن إرشاده إليها.

واستنبط منه المؤلِّف جواز انتفاع الواقف بوقفه، وهو موافقٌ للجمهور في الأوقاف العامَّة، أمَّا الخاصَّة فالوقف على النَّفس لا يصحُّ عند الشَّافعية ومن وافقهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محلِّه. والحديث أخرجه المؤلِّف في الوصايا [خ¦2755] ، والأدب أيضًا [خ¦6160] . وأخرجه مسلم في الحجِّ، وكذا أبو داود والنَّسائي فيه أيضًا.

[1] في هامش الأصل وعن الشعبي عند ابن أبي شَيبةَ بلفظِ لا يركب الهَدي إلَّا من لم يجد منهُ بُدًّا، ولفظ الشَّافعي الَّذي نقلهُ ابن المنذر، وترجمَ له البيهَقي يركبُ إذا اضطر ركوبًا غير قادحٍ. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت