1691 - 1692 -(حَدَّثَنَا
ج 8 ص 206
يَحْيَى ابنُ بُكَيْرٍ)هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ، بضم الموحدة وفتح الكاف، ونسبه إلى جدِّه؛ لشهرته به، المخزوميُّ، مولاهم، المصري بالميم، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ الإمام (عنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، هو ابن خالدِ بن عَقيل، بفتح العين، الأيْليُّ، بفتح الهمزة وسكون التحتية، وفي رواية مسلم من طريق شُعيب بن اللَّيث، عن أبيه حدَّثني عُقيل.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (أنَّ) أباه (ابنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) التَّمتُّع بلغة القرآن الكريم، وعُرْفِ الصَّحابة أعمُّ من القِران كما ذكره غيرُ واحدٍ، وإذا كان أعمَّ احتمل أن يُراد به الفَرْد المسمَّى بالقِران في الاصطلاح الحادث، وأن يُراد به الفرد المخصوص باسم التَّمتُّع في ذلك الاصطلاح، لكن يبقى النَّظر في أنَّه أعمُّ في عرف الصَّحابة أو لا.
ففي (( الصَّحيحين ) )عن سعيد بن المسيَّب، قال اجتمع عليٌّ وعثمان رضي الله عنهما بعُسْفان، فكان عثمان رضي الله عنه ينهى عن المتعة، فقال عليٌّ ما تُريد إلى أمرٍ فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهي عنه، فقال عثمان دعنا منك، فقال عليٌّ رضي الله عنه إنِّي لا أستطيع أن أدعك، فلمَّا رأى علي رضي الله عنه ذلك أهلَّ بهما جميعًا، فهذا يبيِّن أنَّه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، ويُفيد أنَّ الجمع بينهما تمتُّع، فإنَّ عثمان رضي الله عنه كان ينهى عن المتعة، وقصد علي رضي الله عنه إظهارَ مخالفتِه؛ تقريرًا لِما فعله صلى الله عليه وسلم، وأنَّه لم يُنْسَخ فَقَرَن، وإنَّما يكون ذلك مخالفةً إذا كانت هي المتعة الَّتي نهى عنها عثمان رضي الله عنه، فدلَّ على الأمرين اللَّذين عيَّنَاهَما، وتضَمَّنَ ذلك اتِّفاق عليٍّ وعثمان رضي الله عنهما على أنَّ القِران من مسمَّى التَّمتُّع، وحينئذٍ يجب حَمْلُ قولِ ابن عمر رضي الله عنهما (( تمتَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )على التَّمتُّع الَّذي نسمِّيه قِرَانًا، وإنا لو لم يكن عنه ما يُخالف ذلك اللَّفظ، فكيف وقد وُجِدَ عنه ما يفيد ذلك، وهو ما في (( صحيح مسلم ) )عن ابن عمر رضي الله عنهما، (( أنَّه قرن الحجَّ مع العمرة وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثمَّ قال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
فظهر أنَّ مراده بلفظ التَّمتُّع في هذا الحديث هو الفرد المسمَّى بالقِران،
ج 8 ص 207
والله أعلم.
وقال المهلَّب معناه أمر بذلك كما تقول رَجَم ولم يَرْجُم؛ لأنَّه كان ينكر على أنس رضي الله عنه قوله أنَّه قرن، ويقول بل كان مفْرِدًا، وأمَّا قوله وبدأ فأهلَّ بالعمرة فمعناه أمرهم بالتَّمتُّع، وهو أن يُهلُّوا بالعمرة أولًا، ويقدموها قبل الحجِّ، قال ولا بدَّ من هذا التَّأويل لدفع التَّناقض عن ابن عمر رضي الله عنهما.
وقال الحافظ العسقلانيُّ لم يتعيَّن هذا التَّأويل المتعسِّف، وقد قال ابن المنيِّر في «الحاشية» إنَّ حمل قوله (تمتَّع) على معنى أمر به من أبعد التَّأويلات، والاستشهاد عليه بقوله (رجم) ، وإنَّما أمر بالرَّجم من أوهن الاستشهادات؛ لأنَّ الرَّجم وظيفة الإمام فالَّذي يتولَّاه إنَّما يتولَّاه نيابةً عنه، وأمَّا أعمال الحجِّ من إفراد وقرانٍ وتمتُّعٍ فإنَّه وظيفةُ كلِّ أحدٍ عن نفسه.
ثمَّ أجاز تأويلًا آخر، وهو أنَّ الرَّاوي عهد أنَّ النَّاس لا يفعلون إلَّا كفعله، لا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم (( خذوا عنِّي مناسككم ) )، فلمَّا تحقَّق أنَّ النَّاس تمتَّعوا ظنَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم تمتَّع فأطلق.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم يتعيَّن هذا التَّأويل أيضًا؛ بل يُحتمل أن يكون معنى قوله تمتَّع محمولًا على مدلوله اللُّغوي، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيره.
قال النَّووي إنَّ معنى تمتَّع أنَّه صلى الله عليه وسلم أحرم بالحجِّ مُفْرِدًا، ثمَّ أحرم بالعمرة، فصار قارنًا في آخر أمره، والقَارن هو متمتِّعٌ من حيث اللُّغة ومن حيث المعنى؛ لأنَّه ترفَّه باتِّحاد الميقات والإحرام والفعل جَمْعًا بين الأحاديث.
أقول وهذا مطابقٌ لحديث أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم قَرَنَ، وإنكار ابن عمر رضي الله عنهما عليه يُحتمل أن يكون لكونه أطلق أنَّه صلى الله عليه وسلم جمع بينهما؛ أي في ابتداء الأمر، والله أعلم.
قال وأمَّا لفظ (( فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ ) )، فهو محمولٌ على التَّلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنَّه أحرم أوَّل مرَّة بالعمرة ثمَّ أحرم بالحجِّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى مخالفة الأحاديث، ويؤيِّد هذا التَّأويل لفظ (( فتمتَّع النَّاس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، ومعلومٌ أنَّ أكثرهم أحرموا أولًا بالحجِّ مفْرِدين، وإنَّما فسَخَوا إلى العمرة آخرًا وصاروا متمتِّعين، فقوله (( فتمتَّع النَّاس ) )معناه في آخر أمرهم.
وقال العينيُّ هذا الحديث أخرجه البيهقي في «سننه الكبرى» من حديث اللَّيث، عن عُقيل إلى آخره نحوه، ثمَّ قال وقد رَوَينا عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما ما يُعارض هذا، وهو الإفراد، وحيث لم يتحلَّل من إحرامه إلى آخر شَيءٍ، ففيه دلالةٌ على أنَّه لم يكن متمتِّعًا،
ج 8 ص 208
قال وهذا لا يَرِدُ على فقهاء الكوفة؛ لأنَّ عندهم المتمتِّع إذا أهدى لا يتحلَّل حتَّى يفرغ من حجِّه.
وهذا الحديث أيضًا ينفي كونه مفردًا؛ لأنَّ الهدي لا يمنع المفرد من الإحلال، فهو حجَّةٌ على البيهقي.
وفي «الاستذكار» لا يصحُّ عندنا أن يكون متمتِّعًا إلَّا تمتُّع قِران، لا خلاف بين العلماء أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يتحلَّلْ من عمرته، وأقام مُحْرِمًا من أجل هَدْيه، وهذا حكم القَارن لا المتمتِّع.
وفي «شرح الموطَّأ» لأبي الحسن الإشبيليِّ ولا يصحُّ عندي أن يكون صلى الله عليه وسلم متمتِّعًا إلَّا تمتُّع قِران؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لم يحلَّ من عمرته حتَّى أمر أصحابَه أن يَحلُّوا ويَفْسَخوا حَجَّهم إلى عمرة. وفسخُ الحجِّ في العمرة خُصَّ به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز اليوم أن يُفْعَل ذلك عند أكثر الصَّحابة وغيرهم؛ لقوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ} [البقرة 196] يعني لمَن دخل فيه، وما أعلم من الصَّحابة من يجيز ذلك إلَّا ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وتابعه أحمد وداود دون سائر الفقهاء، وقد مرَّ الكلام فيه مستقصى في باب التَّمتُّع والقِران [خ¦1561] [خ¦1569] .
(وَأَهْدَى) صلى الله عليه وسلم؛ أي تقرَّب إلى الله تعالى بما هو مألوفٌ عندهم من سوق شيءٍ من النَّعم إلى الحَرم ليُذبَح ويُفْرَّقَ على ساكنيه تعظيمًا له (فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ) وكان أربعًا وستِّين بدنة (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة، وفيه النَّدب إلى سوق الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدَة، وهي من السُّنن الَّتي أغفلها كثيرٌ من النَّاس.
(وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَهَلَّ) أي لبَّى في أثناء الإحرام (بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ) أي لبَّى (بِالْحَجِّ) وقد تقدَّم أنَّه ليس المراد أنَّه أحرم بالحجِّ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى مخالفة الأحاديث في هذا الباب، فوجب تأويل هذا بما يوافق الأحاديث، ويؤيِّدهم هذا التَّأويل كما سبق قوله (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أي بحضرته (بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي في آخر الأمر، فإنَّ أكثرهم أحرموا بالحجِّ أولًا مُفْرِدين، وإنَّما فَسَخُوه إلى العمرة آخرًا، فصاروا متمتِّعين.
قال ابن بطَّال إنَّ قوله (( وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )؛ إنَّما يريد أنَّه بدأ حين أمرهم بالتَّمتُّع؛ أي أن يهلوا بالعمرة أولًا ويقدِّموها قبل الحجِّ، وأن ينشئوا الحجَّ بعدها إذا حلُّوا منها.
(فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ) زاد في بعض الأصول(الهَدْي وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ،
ج 8 ص 209
قَالَ لِلنَّاسِ)في رواية عائشة رضي الله عنها ما يقتضي أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم ذلك بعد أن أهلُّوا بذي الحليفة، لكنَّ الَّذي تدلُّ عليه الأحاديث الصَّحيحة في الصَّحيحين وغيرهما من رواية عائشة وجابر رضي الله عنهما أنَّه إنَّما قال لهم ذلك في منتهى سفرهم ودنوِّهم من مكَّة وهم بسَرِف، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، أو بعدَ طوافه، كما في حديث جابر رضي الله عنه، ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأنَّ العزيمة كانت أخيرًا حين أمرهم بفَسْخِ الحجِّ إلى العمرة.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِشَيْءٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكرَ (حَرُمَ مِنْهُ) أي من أفعاله (حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ) إن كان حاجًّا، فإن كان مُعْتَمِرًَا فكذلك؛ لما في الرِّواية الأخرى [خ¦319] (( ومن أحرم بعمرةٍ فلم يهدِ فليحلِلْ، ومن أحرمَ بعمرةٍ وأهدى فلا يَحلُّ حتَّى ينْحَرَ هَدْيَه ) ) (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ) من شعر رأسه، وهكذا في رواية مسلم بصيغة أمر الغائب، وفي رواية أبي ذرٍّ على صورة المضارع، وقال الكِرماني وهو بالرَّفع والجزم. انتهى.
ووجه الرَّفع أن يكون المضارع على أصله؛ لتجرُّده عن النَّواسخ والتَّقدير، وبعد الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة يُقصر من التَّقصير، وهو أخذُ بعض شعر رأسه.
ووجه الجزم أن يكون عطفًا على المجزوم قبله، ويكون التَّقدير وليقصِّر، وإنَّما لم يقل ولْيَحْلِق، وقد كان الحلقُ جائزًا بل أفضل؛ ليبقي له شعر يحلقه في الحجِّ، فإنَّ الحَلْقَ في تحلُّل الحجِّ أفضل منه في تحلُّل العمرة. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الحلق والتَّقصير نسكٌ وهو الصَّحيح، وقيل استباحةُ محظورٍ.
(وَلْيَحْلِلْ) بسكون اللام الأولى والثالثة وكسر الثانية، ولفظه أمرٌ، ومعناه الخبر، يعني ويصير حلالًا، فله فِعل كلِّ ما كان محظورًا عليه بسبب الإحرام، ويُحتمل أن يكون إذنًا، كقوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة 2] ، والمراد فسخ الحجِّ عمرةً، وإتمامها حتَّى يحلَّ منها (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) أي بعد تقصيره وتحلُّله يُحْرِم بالحجِّ؛ أي في وقت خروجه إلى عرفات، لا أنَّه يلزم أن يهلَّ بالحجِّ عقيب إحلاله من العمرة، فلذلك أتى بكلمةِ (ثمَّ) الدَّالة على التَّراخي لتدلَّ على ذلك.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) أي لم يجده هناك إمَّا لعدم الهدي،
ج 8 ص 210
أو لعدم ثمنه، أو لكونه يُباع بأكثر من ثمن المِثل، أو كان صاحبُه لا يريد البيع (فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) وهو اليوم السَّابع من ذي الحجَّة والثَّامن والتَّاسع، كما هو الأفضل عندنا، وعند الشَّافعيَّة، وذلك بعد الإحرام بالحجِّ كما هو الأفضل عند الشَّافعيَّة أيضًا، فإن صامها قبل الإهلال به أجزأه على الصَّحيح، وأمَّا قبل التَّحلُّل من العمرة فجوَّزه مالك والثَّوري وأكثرُ الحنفيَّة، ومنعه الشَّافعيَّة على الصَّحيح من الأقوال منهم.
وعلى الأوَّل، فمَن استحبَّ صيامَ يوم عرفة بعرفات، قال يحرم يوم السَّابع ليصوم السَّابع والثَّامن والتَّاسع، وإلَّا فيحرم يوم السَّادس ليفطر بعرفة، والتَّتابع فيه وفي السَّبعة ليس بشرطٍ، كما في النُّتف، لكن يُندَبُ فيها التَّتابع.
(وَسَبْعَةً) أي وليصم سبعةً (إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) وبظاهره أخذ الشَّافعيُّ، فقال يصوم السَّبعة ببلده، أو بمكانٍ توطَّن به كمكَّة، ولا يجوز صومها في توجُّهه إلى أهله؛ لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها.
وقالت الحنفيَّة معناه إذا فرغ من أفعال الحجِّ؛ إذ الفراغ سَبَبُ الرُّجوع، فأطلق المسبِّب على السَّبب، فلو صام هذه السَّبعة بمكَّة فإنَّه يجوز عندنا. وقال الشَّافعيُّ لا يجوز إلَّا أن ينوي الإقامة بها، فإن لم يَصُمِ الثَّلاثة في الحجِّ إلى يوم النَّحر؛ تعيَّن الدَّم، فلا يجوز أن يصوم الثَّلاثة ولا السَّبعة بعدها.
وقال الشَّافعيُّ يصوم الثَّلاثة بعد هذه الأيَّام؛ يعني أيَّام التَّشريق، وقال مالك يصومها في هذه الأيَّام، قلنا النَّهي عن صوم هذه الأيَّام معروفٌ ولا يُؤَدَّى بعدها أيضًا؛ لأنَّ الهدي أصلٌ، وقد نُقِلَ حُكْمُه إلى بَدَلٍ موصوفٍ بصفةٍ، وقد فاتت فعادَ الحكمُ إلى الأصلِ وهو الهَدي.
وفي «شرح الموطَّأ» للإشبيليِّ ووقت هذا الصَّوم من حين يُحْرِمُ بالحجِّ إلى آخر أيَّام التَّشريق، والاختيار تقديمه في أوَّل الإحرام، رواه ابن الجلَّاب، وإنَّما اختار تقديمه لتعجيل إبراء الذِّمة، ولأنَّه وقت متَّفقٌ على جواز الصَّوم فيه، فإن فاته ذلك قبل يوم النَّحر صامه أيَّام منى، فإن لم يصم أيَّام منى صام بعدها، قاله عليُّ وابن عمر وعائشة وابن عبَّاسٍ رضي الله عنهم، وبه قال الشَّافعيُّ.
ورُوِي عن عطاء بن أبي رباح أنَّه أجاز للمُتَمتِّع أن يصوم في العشر وهو حلالٌ، وقال مجاهد وطاوس إذا صامهنَّ في أشهر الحجِّ أجزأه،
ج 8 ص 211
وهذان القولان شاذَّان.
وقال أبو بكر الجصاص في «أحكام القِران» اختلف السَّلف فيمن لم يجد الهَدي، ولم يصم الأيَّام الثَّلاثة قبل يوم النَّحر، فقال عمر بن الخطَّاب وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وسعيد بن جُبيرٍ وإبراهيم وطاوس (( لا يجزئه إلَّا الهدي ) )، وهو قول أبو حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم يصوم أيَّام مِنى وهو قول مالك، وقال عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه (( يصوم بعد أيَّام التَّشريق ) )، وهو قول الشَّافعي. انتهى.
فإن قيل روى البخاريُّ في كتاب الصَّوم [خ¦1997] من حديث الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، وعن سالمٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قالا (( لم يُرَخَّص في أيَّام التَّشريق أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يَجِدِ الهَدْي ) ). وروى الطَّحاوي من حديث الزُّهري ومَن لم يصم في العشر أنَّه يصوم أيَّام التَّشريق، ورواه البيهقي في «سننه» .
فالجواب أنَّه رُوِيَ عن جماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ هذه الأيَّام أيامُ أكلٍ وشربٍ ) )، وأراد بهذه الأيَّام أيَّام التَّشريق، منهم عليُّ بن أبي طالبٍ، أخرج حديثه الطَّحاوي بإسناد حسن عنه أنَّه قال خرج منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيَّام التَّشريق، فقال (( إن هذه الأيَّام أيام أكلٍ وشربٍ ) ).
وقد أخرج الطَّحاوي أحاديث في منع الصَّوم في أيَّام التَّشريق عن ستَّة عشر نفسًا من الصَّحابة رضي الله عنهم. وقد ذكرهم العينيُّ في «شرح معاني الآثار» للطَّحاوي.
وقد قال الطَّحاوي إذًا ثَبَتَ بهذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّهي عن صيام أيَّام التَّشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى، والحُجَّاج مقيمون بها وفيهم المتمتِّعون والقارنون.
وأمَّا الحديث الَّذي رواه سالم، عن أبيه مرفوعًا فهو ضعيفٌ، وفي سنده يحيى بن سلام نزيلُ مِصر، قال الدَّارقطنيُّ ضعيفٌ، وفيه محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وفيه مقالٌ.
وذكر الطَّحاوي عن شُعبة أنَّ حديثَ يحيى بن سلام حديثٌ منكرٌ لا يُثْبِتُه أهلُ العلم بالرِّواية؛ لضَعْفِ يحيى بن سلام، وابن أبي ليلى، وسوءِ حفظهما.
(فَطَافَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرَّح به هكذا في «صحيح مسلم» (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ) أي مسح
ج 8 ص 212
(الرُّكْنَ) أي الحجر الأسود حال كونه (أَوَّلَ شَيْءٍ) أي مَبْدوءٍ به (ثُمَّ خَبَّ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة؛ أي رمَل وأسرع (ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ) أي في الثَّلاثة الأُوَل من الأطواف (وَمَشَى أَرْبَعًا) أي أربع مرَّاتٍ؛ أي لم يَرْمُل في بقيَّة الأطواف وهي الأربعة، وفي رواية أبي ذرٍّ أي أربعة أطوافٍ.
(فَرَكَعَ) أي صلَّى (حِينَ قَضَى) أي أدَّى (طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ) سبعًا (عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم عليه السَّلام، وقد مرَّ تفصيله [خ¦1627] (رَكْعَتَيْنِ) صلاة الطَّواف (ثُمَّ سَلَّمَ) عقيب الرَّكعتين (فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا) بالقصر (فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعى بينهما (سَبْعَةَ أَطْوَافٍ) وظاهرُ الكلام أنَّه حين فرغ من الرَّكعتين توجَّه إلى الصَّفا ولم يشتغل بشيءٍ آخر، لكن في حديث جابر رضي الله عنه الطَّويل عند مسلم (( ثمَّ رجع إلى الحَجَرِ فاستَلَمَه، ثمَّ خرج من باب الصَّفا ) ).
(ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ) أي بالوقوف بعرفة؛ لأنَّه من أركان الحجِّ، ورَمَى الجمرات؛ لأنَّه من واجباته، ولم يقل (وعمرته) لدخولها في الحجِّ، أو لأنَّه كان مُفْرِدًا، على اختلاف الأقوال (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) الَّذي ساقه معه من المدينة (يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ) أي دفع نفسه أو راحلته بعد الإتيان بهذه الأفعال إلى المسجد الحرام (فَطَافَ بِالْبَيْتِ) المعظَّم طواف الإفاضة.
(ثُمَّ حَلَّ) صلى الله عليه وسلم (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) أي حصل له حلُّ كلِّ شيءٍ حُرِّم لأجل الإحرام، وقد تقدَّم أنَّ سبب عدم إحلاله قبل ذلك كونه ساق الهَدي، وإلَّا لكان يفسخ الحجَّ إلى العمرة ويتحلَّل منها، كما أمر به أصحابه، واستدلَّ به على أنَّ التَّحلُّل لا يقع بمجرد طواف القدوم، خلافًا لابن عبَّاس رضي الله عنهما.
قال ابن عمر رضي الله عنهما (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أي مثل فعله صلى الله عليه وسلم، فما مصدريَّة، وتحتمل الخبريَّة، وفاعل (فعل) قوله (مَنْ أَهْدَى) ممَّن كان معه صلى الله عليه وسلم (وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ) ومن للتَّبعيض؛ لأنَّ كل من كانوا معه لم يسوقوا الهدي.
قال الحافظ العسقلانيُّ وأغربَ الكِرماني فشَرَحَه على أنَّ فاعل (فعل) هو ابن عمر راوي الخبر رضي الله عنهما. هذا، والكِرماني لم يشرحْه على هذه النُّسخة كذا، بل قال وفي بعضها وقع هنا بابٌ، وعلى هذه النُّسخة فاعل (فعل) ابن عمر، لكنَّ الصَّحيح هو الأوَّل، فالحافظ العسقلانيُّ لم يُصب في تخطئته هنا.
قال ابن شهاب (وَعَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير، فهو عطفٌ على قوله عن سالمٍ، ووقع في بعض النُّسخ هنا، ونُسب إلى رواية أبي الوقت
ج 8 ص 213
بعد قوله صلى الله عليه وسلم باب من أهدي وساق الهدي من النَّاس، وعن عروة وهو غير صحيحٍ، كما قال الكِرماني، بل هو من تخبيط النَّاسخ. وقد أخرجه مسلم مثل النُّسخة الصَّحيحة.
(أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ) أي عروة (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية ابن عساكر (صلى الله عليه وسلم) وقد تعقَّب المهلَّب قول ابن شهابٍ بمثل الَّذي أخبرني سالم، فقال يعني مثله في الوهم؛ لأنَّ أحاديث عائشة رضي الله عنها كلَّها شاهدةٌ بأنَّه حجَّ مُفْرِدًا.
وأجاب عنه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه ليس وهمًا؛ إذ لا مانع من الجمع بين الرِّوايتين، فيكون المراد بالإفراد في حديثها البداءة بالحجِّ وبالتَّمتُّع بالعمرة إدخالها على الحجِّ، قال وهو أولى من توهيم جَبَلٍ من جِبَال الحفظ. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.