1700 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، وعَمرو، بفتح العين، وهو ساقط في رواية أبي ذرٍّ، وقد مرَّ في باب الوضوء مرتين [خ¦158] (عَنْ) خالته (عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) كذا وقع في «الموطَّأ» وكان شيخ مالك حدَّث به كذلك في زمن بني أمية، وأمَّا بعدهم فما كان يقال له إلا زيادُ بن أبيه.
وزِياد، بكسر الزاي وتخفيف المثناة التحتية، أبو المغيرة، وهو الذي ادَّعاه معاوية أخًا لأبيه، فألحقه بنسبه، وقيل له زياد بن أبيه، وقيل في استلحاق معاوية رضي الله عنه له كان يقال له زياد بن عبيد، وكانت أمه سميَّة مولاة الحارث بن كِلْدة الثَّقفي تحت عبيد المذكور، فولدت زيادًا على فراشه، فكان ينسب إليه، فلمَّا كان في خلافة معاوية رضي الله عنه شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأنَّ زيادًا ولده، فأستلحقه معاوية لذلك وزوَّج ابنه ابنته، وأمَّر زيادًا على العراقين البصرة والكوفة جمعهما له، ومات في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة ثلاث وخمسين.
ووقع عند مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن مالك أنَّ ابن زياد بدل قوله أنَّ زياد بن أبي سفيان، قالوا إنَّه وهم، نبَّه عليه الغسَّاني ومن تبعه ممَّن يتكلَّم على «صحيح مسلم» ، والصَّواب ما وقع في البخاري، فهو الموجود عند جميع رواة «الموطَّأ» ، وكذا وقع في «سنن أبي داود» وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأنَّ ابن زياد لم يدرك عائشة رضي الله عنها.
(كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) بكسر همزة إن في الفرع، وفي غيره بالفتح (قَالَ مَنْ أَهْدَى) أي بعث إلى مكَّة (هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ) ويروى ؛ أي من محظورات الإحرام، وراءُ حَرُم ويحرُم مضمومة (حَتَّى يُنْحَرَ) على البناء للمفعول، وقوله (هَدْيُهُ) رفع لنيابته عن الفاعل.
قال الكِرماني الظَّاهر أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال ذلك قياسًا للموكَّل في أمر الهدي على المباشِر له، فقالت له عائشة رضي الله عنها لا اعتبار للقياس في مقابلة السنَّة الظَّاهرة.
وتعقَّبه العيني بأنَّا لا نسلِّم أنَّه قال ذلك قياسًا، بل الظَّاهر أنَّه إنَّما قاله لقيام دليل من السنَّة عنده، والله أعلم.
(قَالَتْ عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بالسَّند المذكور (فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لَيْسَ) أي ليس الأمر (كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَا فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صلى الله عليه وسلم بِيَدَيَّ) بفتح الدال وتشديد التحتية، وفي رواية بالإفراد، وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فُتِلَتْ بأمرها.
(ثُمَّ قَلَّدَهَا
ج 8 ص 227
رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدَيْهِ) الكريمتين (ثُمَّ بَعَثَ بِها) أي بالبدن التي كان أهداها (مَعَ أبِي) أي أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه لمَّا حجَّ بالنَّاس سنة تسع (فَلَمْ يَحْرُمْ) بضم الراء (عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ) وفي روايةٍ زيادة (حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ) على البناء للمفعول، وفي رواية على البناء للفاعل؛ أي حتَّى نحر أبو بكر رضي الله عنه الهدي في المحرم.
فإن قيل عدم الحرمة ليس مغيًّا إلى النَّحر، إذ هو باق بعده، فلا مخالفة بين ما بعد الغاية وما قبلها.
فالجواب أنَّه غاية للنَّحر لا لكلمة (لم يحرم) ؛ أي الحرمة المنتهية إلى النَّحر لم تكن وذلك؛ لأنَّه ردٌّ لكلام ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو كان مثبتًا للحرمة إلى النَّحر، هكذا أجاب الكِرماني، ولا يذهب عليك أنَّ الظَّاهر أن يقال أنَّه غاية للحرمة لا لعدم الحرمة يعني أن َّالنَّفي داخل على المغيا لا أنَّه مغيًا فافهم.
ورجال الإسناد كلُّهم مدنيون إلَّا شيخ البخاري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الوكالة أيضًا [خ¦2317] ، وأخرجه مسلم والنَّسائي في الحج، ووقعت زيادة في رواية مسلم هنا (( عن يحيى بن يحيى بعد قوله حتَّى ينحر هديه، وهي وقد بعثت بهدي فاكتبي إليَّ بأمرك ) )، ووقعت في رواية الطَّحاوي زيادة أخرى وهي بعد قوله [1] (( فاكتبي بأمرك أو مرُي صاحب الهدي؛ أي الذي معه الهدي يعني مري بما يصنع ) ).
وأخرج الطَّحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقًا كلها في بيان حجَّة من قال لا يجب على من بعث بهدي أن يتجرَّد عن ثيابه ولا تَرْكَ شيءٍ ممَّا يتركه المحرم إلا بدخوله في الإحرام، إمَّا بحجة أو عمرة، وقد مضى كلام فيه مستقصى في باب من أشعر وقلَّد بذي الحُليفة [خ¦1696] ، وقد مرَّ أنهم ردُّوا قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيما ذهب إليه من قوله إنَّ من بعث بهديه إلى مكَّة وأقام هو فإنَّه يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم حتَّى ينحر هديه.
وقال ابن التِّين خالف ابن عبَّاس رضي الله عنهما في ذلك جميع الفقهاء، واحتجَّت عائشة رضي الله عنها بفعل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه، ولعلَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما رجع عنه. انتهى.
قال العيني إنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم منهم ابن عمر، رواه ابن أبي شيبة، عن ابن عليَّة، عن أيُّوب، وابن المنذر
ج 8 ص 228
من طريق ابن جُريج كلاهما، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( كان إذا بعث بالهدي يمسك عمَّا يمسك عنه المُحْرم إلَّا أنَّه لا يلبي ) ).
ومنهم قيس بن سعد بن عبادة أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيَّب عنه نحو ذلك، وروى ابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن علي بن الحسين، عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنَّهما قالا في الرجل يرسل ببدنته (( أنَّه يمسك عمَّا يمسك عنه المحرم ) ). وهذا منقطع.
وقال ابن المنذر قال عمر وعلي وقيس بن سعد وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وكذا النَّخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون منهم الشَّعبي والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير (( من أرسل الهدي، وأقام حرم عليه ما يحرم على المحرم ) ).
وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزُّبير وآخرون رضي الله عنهم (( لا يصير بذلك محرمًا ) )وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار. ومن حجة الأوَّلين ما رواه الطَّحاوي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنت عند النَّبي صلى الله عليه وسلم جالسًا فقَدَّ قميصَه من جيبه حتَّى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( إنِّي أمرت ببدنتي التي بعثت بها أن تقلَّد اليوم، وتشعر على مكان كذا، فلبست قميصي ونسيت، ولم أكن لأخرج قميصي من رأسي ) )، وكان بعث ببَدَنَةٍ وأقام بالمدينة، وإسناده حسن، وأخرجه أبو عمر أيضًا. انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني وهذا لا حجَّة فيه؛ لضعف إسناده، إلَّا أن نسبة ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى التفرُّد بذلك خطأ. وقد ذهب سعيد بن المسيَّب إلى أنَّه لا يجتنب شيئًا ممَّا يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جَمْع. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسنادٍ صحيحٍ.
نعم، جاء عن الزُّهري ما يدلُّ على أنَّ الأمر استقرَّ على خلاف ما قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ففي نسخة أبي اليمان، عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقي أيضًا من طريقه قال أوَّل من كشف العمى عن النَّاس وبيَّن لهم السنَّة في ذلك عائشة رضي الله عنها، فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها قالت (( فلمَّا بلغ النَّاس قول عائشة رضي الله عنها أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عبَّاس رضي الله عنهما ) ). انتهى.
ومن الأحاديث التي رُوِيَت عن عائشة رضي الله عنها ما أخرجه المؤلِّف
ج 8 ص 229
في الضَّحايا [خ¦5566] عن مسروق ولفظه (( أنَّه قال يا أمَّ المؤمنين إنَّ رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أن يقلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتَّى يحل النَّاس ) ). فذكر الحديث نحو حديث القاسم.
ولفظ الطَّحاوي في حديث مسروق قال قلت لعائشة رضي الله عنها (( إنَّ رجالًا هاهنا يبعثون بالهدي إلى البيت، ويأمرون الذي يبعثون معه بمُعَلِّمٍ لهم يقلِّدها في ذلك اليوم، فلا يزالون مُحْرمين حتَّى يحل النَّاس ) )الحديث.
وقال سعيد بن منصور حدَّثنا هشيم حدَّثنا يحيى بن سعيد حدَّثنا محدِّث عن عائشة رضي الله عنها وقيل لها إنَّ زيادًا إذا بعث بالهدي أمسك عمَّا يمسك عنه المحرم حتَّى ينحر هديه، فقالت عائشة رضي الله عنها (( أَوَله كعبة يطوف بها ) ). قال وثنا يعقوب حدَّثنا هشام، عن أبيه بلغ عائشة رضي الله عنها (( أنَّ زيادًا بعث بالهدي وتجرَّد فقالت إنِّي كنت لأفتل قلائد هدي النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ يبعث بها وهو مقيم عندنا ما يجتنب شيئًا ) ).
وروى مالك في «الموطَّأ» عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم التَّيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر (( أنَّه رأى رجلًا متجرِّدًا بالعراق فسأل عنه فقالوا أنَّه أمر بهديه أن يُقَلَّد قال ربيعة فلقيت عبد الله بن الزُّبير فذكرت ذلك له فقال بدْعَةٌ وربِّ الكعبة ) ).
ورواه ابن أبي شيبة عن الثَّقفي عن يحيى بن سعيد أخبرني محمَّد بن إبراهيم أنَّ ربيعة أخبره (( أنَّه رأى ابن عبَّاس رضي الله عنهما وهو أمير على البصرة في زمان عليٍّ رضي الله عنه متجرِّدًا على منبر البصرة فذكره ) )فعُرِفَ بهذا اسمُ المبهم في رواية مالك هذا.
وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أنَّ من أراد النسك صار بمجَرَّد تقليده الهدي محرمًا، حكاه ابن المنذر عن الثَّوري وأحمد وإسحاق. قال وقال أصحاب الرَّأي من ساق الهدي وأمَّ البيت، ثمَّ قلَّد وجب عليه الإحرام. قال وعلى قول الجمهور لا يصير بتقليد الهدي محرمًا ولا يجب عليه شيء.
ونقل الخطَّابي عن أصحاب الرَّأي يريد السَّادة الحنفيَّة مثل قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما وهو خطأ عليهم، فالطَّحاوي أعلمُ بمذهبهم منه، ونقل هو عنهم مثل قول عائشة رضي الله عنها.
وفي الحديث تناول الكبير الشَّيء بنفسه، وإن كان له من يكفيه إذا كان ممَّا يهتم به، ولا سيَّما إذا كان من إقامة الشَّرائع وأمور الديانة. وفيه ردُّ بعض العلماء على بعض. وفيه ردُّ الاجتهاد بالنَّص. وفيه أن الأصل في أفعال النَّبي صلى الله عليه وسلم التأسي حتَّى تثبتَ الخصوصيَّة.
ج 8 ص 230
تنبيه استفيد من قول عائشة رضي الله عنها (( مع أبي ) )وقتَ البعث، وأنَّه كان لسنة تسع عام حج أبو بكر رضي الله عنه بالنَّاس، قال ابن التِّين أرادت عائشة رضي الله عنها بذلك علمها بجميع القصَّة. ويحتمل أن تريد أنَّه آخرُ فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حج في العام الذي يليه حجَّة الوداع؛ لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أوَّل الإسلام ثمَّ نسخ، فأرادت إزالة هذا اللَّبس وأكملت ذلك بقولها (( فلم يحرم عليه شيء كان له حلٌّ حتَّى نحر الهدي ) )؛ أي وانقضى أمره ولم يحرم، وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى؛ لأنَّه إذا انتفى في وقت الشُّبهة فلأن ينتفي عند انتفاء الشُّبهة أولى.
[1] من قوله (( ينحر هديه. .. إلى قوله بعد قوله ) )ليس في (خ) .