فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 11127

150 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ) بكسر الهاء (بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطيالسي البَصري، وقد مرَّ في باب «علامة الإيمان» [خ¦17] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنْ أَبِي مُعَاذٍ) بضم الميم وبالذال المعجمة (وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) البصري التابعي، مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، وقيل مولى عمران بن الحُصَين وكان يرى القَدَر، توفي بَعْدَ الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومئة، وقد اقتصر في رواية على قوله أبي معاذ، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون وأنهم من فرسان (( الصحيحين ) )والأربعة إلا عطاء، فإن الترمذي لم يخرِّج له، وإنه من رباعيات البخاري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة أيضًا [خ¦500] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي في الطهارة أيضًا.

(قَالَ) أي إنَّه قال (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) حال كونه (يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذه اللَّفظة مُشعِرَة باستمرار ذلك واعتياده له (إِذَا خَرَجَ) من بيته أو من بين الناس (لِحَاجَتِهِ) أي البول والغائط (أَجِيءُ) أي أجيئه، وهو خبر كان وإذا للظرفية، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط فحينئذٍ قوله أجيء جوابه، وحينئذ يكون الكلام من قبيل حكاية الحال الماضية، فلا يرد أن «إذا» للاستقبال وخرج للمضي فكيف يجتمعان؟ فافهم. والجملة في محل النصب على أنها خبر كان.

(أَنَا) جيء به ليصح عطف قوله (وَغُلاَمٌ) عليه، وزِيْدَ في الرواية الآتية أي من الأنصار كما صرح به الإسماعيلي في روايته، ولمسلم «نحوي» أي مقارب لي في السن، والغلام هو الذي طَرَّ شاربه، وقيل هو من حين يولد إلى أن يَشِب.

وفي (( أساس البلاغة ) )للزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء فإن أُجريَ عليه بعد ما صار ملتحيًا اسم الغلام فهو مجاز، ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض أراجيزه

~أنا الغلامُ الهاشميُّ المكِّيُّ

وقيل يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ الاحتلام بشهوة النكاح كأنه يشتهي النكاح في ذلك الوقت، ويُسمى الغلام قبل [1] ذلك تفاؤلًا وبعد ذلك مجازًا.

ج 2 ص 63

وفي (( المُحْكم ) )من لَدُن فِطامه إلى سبع سنين والجمع أغلمة وغلِمة وغِلمان والأنثى غُلامة، وفي (( الموهب ) )لابن التياني لا يقال للأنثى غلامة إلا في كلام قد ذهب في ألسنة الناس؛ أي اشتهر فيها ولم يُسمَّ الغلام في الحديث، وقيل هو ابن مسعود رضي الله عنه ويكون سماه غلامًا مجازًا، وحينئذٍ فقول أنس وغلامٌ مِنَّا، معناه من الصحابة أو من خدمه صلى الله عليه وسلم، وأما رواية الإسماعيلي التي فيها من الأنصار فلعلها من تصرف الراوي حيث رأى في الرواية «منَّا» فحملها على القبيلة فرواها بالمعنى فقال من الأنصار أو هي من إطلاق الأنصار على جميع الصحابة، وإن كان العُرفُ خَصَّه بالأوس والخزرج، وتُعقِّب ذلك بأن فيه ارتكاب المجاز من غير داع، ومخالفة لما ثبت في صريح رواية الإسماعيلي، فافهم.

وقيل هو أبو هريرة فقد وجد لذلك شاهد وهو ما رواه المصنف في ذكر الجن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته، وما رواه أبو داود من حديثه أيضًا قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى» ، وتسميته أنصاريًا مجاز لكن يبعِّده أن إسلام أبي هريرة بعد بلوغ أنس، وأبو هريرة كبيرٌ، فكيف يقول أنس كما في رواية مسلم وغلام نحوي.

(مَعَنَا) قال صاحب (( المحكم ) )مع اسمٌ معناه الصحبة متحركة وساكنة غير أن المتحركة العين يكون اسمًا وحرفًا، والساكنة العين يكون حرفًا لا غير، وهاهنا يجوز تحريك العين وتسكينها وكذا في معكم، وأما عند اجتماعها مع لام التعريف فالأكثر فتح العين وقد تكسر فيقال مع القوم فتحًا وكسرًا، وقال الجوهري مع للمصاحبة وقد تسكن وتنوَّن فيقال جاؤوا معًا، والمعنى في صحبتنا.

(إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، وهي إناء صغير يتخذ للماء من جلد كالسطيحة ونحوها، والجمع أداوَى [2] ، وقال الجوهري الإداوة المطهرة، وهذه الجملة وقعت حالًا بدون الواو كما في قوله تعالى {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة 36] .

(مِنْ مَاءٍ) أي مملوءة من ماء، قال هشام (يَعْنِي) أنس رضي الله عنه (يَسْتَنْجِي بِهِ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا، وقد زعم الأَصيلي فيما ذكره المُهلَّب أن الاستنجاء بالماء ليس بِبَيِّنٍ في هذا الحديث؛ لأن قوله «يستنجي به» ليس من قول أنس رضي الله عنه، وإنما هو من قول أبي الوليد هشام الراوي، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه، وقال السَفَاقِسي مثله.

وقال أبو عبد الملك

ج 2 ص 64

البُونِي فيما حكاه عنه ابن التين إنَّ قوله «يستنجي به» مُدْرَجٌ من قول أبي معاذ الراوي عن أنس رضي الله عنه فيكون مُرسلًا فلا يكون حجة، وقال إنه لم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء، هذا، ويرده ما رواه عقبة من طريق محمد بن جعفر عن شعبة بلفظ «يستنجي بالماء» ، وللإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة «فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ما يستنجي منها النبي صلى الله عليه وسلم» ، وفي رواية البخاري من طريق رَوْح بن القاسم، عن عطاء بن أبي مَيْمونة «إذا تبرَّز لحاجته أتيته بماء فيغسل به» .

وفي رواية مسلم من طريق خالد الحذَّاء، عن عطاء، عن أنس «فخرج علينا وقد استنجى بالماء» ، فقد بان من هذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث رضي الله عنه، وقد تظاهرت الأخبار عن استنجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم بالماء وبالأمر به، فمنها ما ذكر في باب وضع الماء عند الخلاء [خ¦143] .

ومنها ما رواه مسلم في (( صحيحه ) )لما عدَّ الفطرة عشرة عدَّ منها انتقاص الماء، وفُسِّر بالاستنجاء، ومنها ما رواه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )من حديث إبراهيم بن جرير، عن أبيه «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل الغَيْضَة فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى بها، ومسح يده بالتراب» ، ومنها ما رواه ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها من طريقً ضَعيفةٍ «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل مقعده ثلاثًا» ، وفي لفظ «استنجوا بالماء البارد فإنه مصحَّة للبواسير» .

ومنها ما رواه ابن حبيب في (( شرح الموطأ ) )أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «استنجوا بالماء فإنَّه أطهر وأطيب» وإن كان في إسناده متروك، ثمَّ في الحديث فوائد منها خدمة الصَّالحين وأهل الفضل والتَّبرك بذلك، وتَفَقُّدُ حاجاتهم خصوصًا المتعلِّقة بالطَّهارة، ومنها استخدام الرجل الفاضل لبعض أتباعه الأحرار خصوصًا إذا أُرصِدُوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا ليحصل الشَّرف لهم بذلك.

وقد صرَّح الرُّوياني من الشافعيَّة أنه يجوز للأب أن يُعِير ولده الصَّغير ليخدم من يتعلم منه، وخالف صاحب (( العدة ) )فقال ليس للأب أن يُعِير ولده الصَّغير لمن يخدمه؛ لأن ذلك هبة لمنافعه فأشبه إعارة ماله، وأوَّله النووي في (( الرَّوضة ) )

ج 2 ص 65

فقال هذا محمول على خدمة تقابل بأجرة، وأما ما كان بلا أجرة فالظاهر والذي يقتضيه أفعال السَّلف أن لا منع منه.

وقال غيره من المتأخِّرين ينبغي أن يقيد المنع بما إن انتفت المصلحة، وأما إذا [3] وجدت كما لو قال لولده الصغير اخدم هذا الرجل في كذا؛ ليتمرن على التَّواضع ومكارم الأخلاق فلا منع منه، وهو حسن، ومنها التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم، ومنها جواز الاستعانة في أسباب الوضوء، ومنها اتخاذ آنية الوضوء كالأداوَى ونحوها، وحمل الماء معه إلى الكنيف، ومنها جواز الاستنجاء بالماء، ولذلك ترجم البخاري عليه، وفيه رد على من منع من ذلك كما سبق تحقيقه قبل [خ¦15] ، واحتج الطَّحاوي رحمه الله على الاستنجاء بالماء بقوله تعالى {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة 108] .

قال الشَّعبي رحمه الله لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم «يا أهل قباء! ما هذا الثَّناء الذي أثنى الله عليكم؟» قالوا ما منَّا أحد إلا وهو يستنجي بالماء، وقد مرَّ أن مذهب جمهور السَّلف والخلف، والَّذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يَجمع بين الماء والحجر فيُقدِّم الحجر، ثمَّ يستعمل الماء لتخفَّ النجاسة وتقل مباشرتها بيده ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يزيل عين النَّجاسة وأثرها، وأما الحجر فيزيل العين دون الأثر، لكنَّه معفو عنه في حقِّ نفسه، وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها.

وأما قول سعيد بن المسيِّب وقد سئل عن الاستنجاء بالماء أنه وضوء النساء، فأجابوا عنه بأنه لعل ذلك في مقابلة غلوِّ من أنكر الاستنجاء بالأحجار بَالَغَ في إنكاره بهذه الصِّيغة ليمنعه [4] من الغلوِّ، وحمله ابن قَانِع كما حكاه عنه الباجي على أنَّه في حقّ النِّساء، وأمَّا الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، وقال القاضي والعلَّة عند سعيد في كونه وضوء النساء أن الاستنجاء بالحجارة في حقِّهن متعذر، والله أعلم.

[1] في (خ) (( بعد ) ).

[2] في (خ) قال الكرماني المَطهرة بفتح الميم على اللغة الأعلى، ووجدت في الأصل بهامشها وختمها بـ منه.

[3] في (خ) (( إن ) ).

[4] في (خ) (( بمنعه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت