فهرس الكتاب

الصفحة 2694 من 11127

1716 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، أبو عبد الله العَبْدي، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (قَالَ أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ بالإفراد فيهما (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النون، عبد الله بن يسار المكِّي الثَّقفي، وثَّقه أحمد وابن معين والنَّسائي وأبو زرعة، وقال أبو حاتم إنَّما يقال فيه من جهة القدر، وهو صالح الحديث، وذكره النَّسائي فيمن كان يدلس، واحتجَّ به الجماعة.

(عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبر (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) يسار الأنصاري المدني، ثمَّ الكوفي (عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وسيأتي في الباب الذي بعده [خ¦1718] التَّصريح بالإخبار بين مجاهد وعبد الرَّحمن، وبين عبد الرَّحمن وعلي رضي الله عنه (قَالَ بَعَثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُمْتُ عَلَى الْبُدْنِ) أي التي أرصدها للهدي، وفي الرِّواية الأخرى أي عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يراد أعم من ذلك؛ أي على مصالحها في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك، ولم يقع في هذه الرواية عدد البدن، لكن وقع في الرِّواية الثَّالثة أنها مائة بدنة.

وفي رواية أبي داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (( نحر النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين بدنة، وأمرني فنحرت سائرها ) ). والأصح من ذلك ما وقع في رواية مسلم في حديث جابر الطَّويل (( ثمَّ انصرف النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثمَّ أعطى عليًّا رضي الله عنه فنحر ما غبروا شركه في هديه، ثمَّ أمر من كل بدنة ببضعة، فجُعِلَتْ في قدر فطُبِخَت فأَكلا من لحمها، وشَرِبَا من مَرَقِها ) ).

فعرف بذلك

ج 8 ص 253

أنَّ البدن كانت مائة بدنة، وأنَّه صلى الله عليه وسلم نحر منها ثلاثًا وستين، ونحر علي رضي الله عنه الباقي، والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنَّه صلى الله عليه وسلم نحر ثلاثين، ثمَّ أمر عليًّا رضي الله عنه أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين مَثَلًا، ثمَّ نحر النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع، وإلَّا فما في «صحيح مسلم» أصح.

(فَأَمَرَنِي) صلى الله عليه وسلم (فَقَسَمْتُ لُحُومَهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي) صلى الله عليه وسلم (فَقَسَمْتُ جِلاَلَهَا) بكسر الجيم، جمع جُلٍّ (وَجُلُودَهَا) .

- (قَالَ) ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت بالواو (سُفْيَانُ) الثَّوري بالسَّند السَّابق وليس مُعَلَّقًا، وقد وصله النَّسائي قال أخبرنا إسحاق بن منصور حدَّثنا عبد الرَّحمن هو ابن مهدي حدَّثنا سفيان (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الْكَرِيمِ) هو ابن مالك الاصطخري، ثَّم (الْجَزَرِيُّ) مات سنة سبع وعشرين ومائة.

(عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ أَمَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلاَ أُعْطِيَ) بكسر الطاء وبالنصب عطفًا على المنصوب السَّابق (عَلَيْهَا فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا) والجِزارة، بكسر الجيم، اسم للفعل؛ يعني عمل الجزار [1] . وجَوَّزَ ابن التِّين ضمَّها، وهو اسم للسَّواقط كالسُّقاطه لما سقط من الشَّيء، والنُّشَارة لما انتشر من الحطب، فإن صحَّت الرِّواية بالضم جاز أن يكون المراد لا يُعطي من بَعْضِ الجَزور أجرةَ الجزار. نعم يجوز إعطاؤه منها صدقة إذا كان فقيرًا واستوفى أجرته كاملة، وهذا هو موضع التَّرجمة.

وفي الحديث جواز التَّوكيل في القيام على مصالح الهدي من ذبحه وقسمة لحومه وغير ذلك. وفيه أيضًا قسمة جلاله وجلوده؛ يعني بين الفقراء؛ لقول عليٍّ رضي الله عنه أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أتصدَّق بلحمها وجلودها، وأن لا أعطي أجر الجزَّار منها، وقال (( نحن نعطيه من عندنا ) )كما في رواية أخرى. وفيه أيضًا أنه لا يعطي أجرة الجزار من لحم الهدي.

وظاهر الحديث أن لا يعطي الجزَّار شيئًا البتَّة، وليس كذلك، بل المراد أن لا يعطي الجزَّار منها شيئًا كما وقع عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد، بل بيَّن النَّسائي في روايته من طريق شعيب بن إسحاق، عن ابن جريج أنَّ المراد منع عطيَّة الجزَّار من الهدي عوضًا عن أجرته ولفظه ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا.

وقال ابن خزيمة النَّهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يُعْطَى منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في «شرح السنَّة» . وأمَّا إذا أُعْطِيَ أجرته كاملة، ثمَّ تصدَّق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدَّق على سائر الفقراء فلا بأس بذلك، وقيل إعطاء الجازر على سبيل الأجرة ممنوع

ج 8 ص 254

لكونه معاوضة.

وأمَّا إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقِّه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشَّارع ذلك قد يفهم منه منع الصَّدقة؛ لئلا تقعَ مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه فيؤول إلى المعاوضة.

وقال القرطبي ولم يرخِّص في إعطاء الجزَّار منها في أجرته إلَّا الحسن البصري وعبد الله بن عمير. وقال القرطبي أيضًا في الحديث دليل على أنَّ جلود الهدي وجلالها لا تُباع لعطفها على اللَّحم وإعطائها حكمه، وقد اتَّفقوا على أنَّ لحمها لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو وجه عند الشَّافعية قالوا ويصرف ثمنه مصرف الأضحية.

واستدلَّ أبو ثور بأنَّهم اتَّفقوا على جواز الانتفاع، فكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه. وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوُّع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه. وأقوى من ذلك في ردِّ قوله ما أخرجه أحمد من حديث قتادة بن النُّعمان مرفوعًا (( لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدَّقوا وكلوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها فكلوا إن شئتم ) ).

وفي «التَّوضيح» واختلفوا في بيع الجلد فروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه لا بأس بأن يبيعه ويتصدَّق بثمنه، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال أبو هريرة رضي الله عنه من باع إهاب أضحيته فلا أضحية له.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( يتصدَّق به أو ينتفع به ولا يبيعه ) ). وقال القاسم وسالم لا يصحُّ بيع جلدها، وهو قول مالك، وقال النَّخعي والحكم لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها، وقال القدوري ويتصدَّق بجلدها.

قال صاحب «الهداية» لأنَّه جزء منها، أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت كالنطع والجراب والغربال ونحو ذلك. وقال صاحب «الهداية» أيضًا ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع بعينه مع بقاء عينه كالجراب ونحوه استحسانًا.

وقال شيخ الإسلام في «شرح الكافي» ولا بأس بأن يشتري بجلد أضحيته متاعًا للبيت؛ لأنَّه أطلق له الانتفاع دون البيع، فكل ما كان في معنى الانتفاع يجوز، وما لا فلا.

وقال محمَّد في «نوادر هشام» ولا يشتري به الخلَّ والبزر، وله أن يشتري ما لا يؤكل مثل الغربال والثَّوب، ولو اشترى باللَّحم خبزًا جاز؛ لأنَّه ينتفع به كما ينتفع باللَّحم، إذ اللَّحم لا يؤكل مفردًا، وإنما يؤكل مع الخبز، ولو اشترى باللَّحم متاع البيت لا يجوز.

وقال شيخ الإسلام خواهر زاده الجواب في اللَّحم كالجواب في الجلد إن باعه بالدَّراهم يتصدَّق بثمنه، وإن باعه بشيء آخر

ج 8 ص 255

ينتفع به كما في الجلد. انتهى.

وقال عطاء إن كان الهدي واجبًا تصدَّق بإهابه، وإن كان تطوُّعًا باعه إن شاء في الدّين.

وقال النَّووي في شرح «صحيح مسلم» ومذهبنا أنَّه لا يجوز بيع جلد الهدي ولا الأضحية ولا شيء من أجزائهما سواء كانا تطوعًا أو واجبين، لكن إن كانا تطوعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللَّبْسِ وغيره، وبه قال مالك وأحمد، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكسو جلالها الكعبة، فلما كسيت الكعبة تصدَّق بها.

وقال النَّووي قالوا يستحبُّ أن يكون قيمةُ الجِلال ونفاستُها بحسب حال المهدي، وكان بعض السَّلف يُجَلِّل بالوَشْي، وبعضهم بالحِبَرة، وبعضهم بالقَبَاطي والمَلاحِفِ والأُزُر.

ورجال إسناد حديث الباب ما بين بصري وهو شيخ المؤلِّف، وكوفي وهو سفيان وعبد الرَّحمن، ومكِّي وهو ابنُ أبي نجيح ومجاهد، وجزري وهو عبد الكريم. وقد أخرج متنه في الوكالة أيضًا [خ¦2299] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود في الحجِّ، وابن ماجه في الأضاحي.

[1] في هامش الأصل وقال ابن الجوزي، وتبعه المحبُّ الطَّبري الجُزارة _ بالضم _ اسم لما يعطى كالعمالة ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير الرأس واليدان والرجلان، سمِّيت بذلك لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت