153 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُعَاذُ) بضم الميم وبالذال المعجمة (ابْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة، البصري الزهراني أبو زيد، روى عن الثوري وغيره، وعنه البخاري وآخرون (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي ابن عبد الله (هُوَ الدَّسْتَوَائِيُّ) بفتح الدال وسكون السين المهملتين وبالتاء المثناة من فوق وبهمزة بلا نون، وقيل بالقصر وبالنون، وقد مرَّ تحقيقه في باب زيادة الإيمان [خ¦44] ، وهذا القول لإخراج هشام بن حسَّان؛ لأنهما بصريان ثقتان مشهوران من طبقة واحدة؛ فقُيِّد به لدفع الالتباس.
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة، هو أبو نصر الطَّائي، وقد مر في باب [1] كتابة العلم [خ¦112] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) هو أبو إبراهيم السَّلَمي، روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره، مات سنة خمس وتسعين، روى له الجماعة (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث، أو النعمان، أو عمرو بن رِبْعيّ بكسر الراء وسكون الموحدة وتشديد المثناة التحتية، السَّلَمي _ بفتح المهملة واللام ويجوز كسر اللام _ نسبة إلى سلمة أحد أجداده، المدني الخزرجي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أُحُدًا والخندق وما بعدها من المشاهد، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث وسبعون حديثًا، اتفقا منها على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية ومناقبه جمَّة، مات بالمدينة على الأصح، وقيل بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقوال عن سبعين سنة، وصلى عليه علي بن أبي طالب وكبَّر عليه سبعًا، وهو ممن غلبت عليه كنيته، ولا يعلم في الصَّحابة من يكنى بهذه الكنية سواه.
ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الأشربة أيضًا [خ¦5630] ، وأخرجه مسلم،
ج 2 ص 71
وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في الطَّهارة أيضًا، وقال الترمذي حسن صحيح.
(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا شَرِبَ) بكسر الراء (أَحَدُكُمْ) ماء أو غيره (فَلاَ يَتَنَفَّسْ) بالجزم على النهي أو الرفع على النفي، وكذا الفعلان اللاحقان (فِي الإِنَاءِ) أي الوعاء؛ أي داخله والتَّنَفس خروج النَّفَس من الفم وكل ذي رئة يتنفس، ودواب الماء لا رئة لها، كذا قاله الجوهري وله معنيان
أحدهما أن يشرب ويتنفس في الإناء من غير أن يُبِيْنَه عن فِيه.
والآخر أن يشرب من الماء بثلاثة أنفاس، ويُبِيْنَ فاه عن الإناء في كل نفس ويمص مصًا ولا يَعُبُّ عَبًَّا إلى أن يأخذ رِيَّه منه وهو السُنَّة، وأما الأول فهو منهي عنه نهي أدب وتنزيه لإرادة المبالغة في النظافة، وذلك لأنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يخرج من فِيْهِ مع النَّفَس بصاق أو مخاط أو بخار فيخالط الماء فيعافه الشاربُ غيرُه بل نفسه، وربما يروح الماء بنكهة المتنفس إذا كانت فاسدة لرداءة معدته، فإن الماء للُطفه ورِقَة طبعه تُسرع إليه الروائح، والحال أنه يُعدُّ من فِعْلِ الدواب فإنها إذا كَرَعت في الأواني تنفست فيها، ثمَّ عادت فشربت، فالتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب، وأبعد عن الشَرَهِ، وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حَلْقه وأثقل معدته، وربما شَرِق وآذى كبده، وقيل عِلَّة الكراهة أن كل غبَّة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخلَّ بعدة سُنَن، ثمَّ إنه وإن لم يبين عدد التنفس خارج الإناء في هذا الحديث لكنه بيَّن في الحديث الآخر بالتثليث، وقد اختلف العلماء في أي هذه الأنفاس الثلاثة أطول على قولين
أحدهما الأول أطول، والثاني دونه، والثالث دونه.
والآخر أن الأول أقصر، والثاني أزيد منه، والثالث أزيد منه وهو الموافق للطِّب؛ لأنه إذا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث «مصُّوا الماء مصًا ولا تعبوه عَبًا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ» ، ثمَّ إن ما صح عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثًا، معناه يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم لا التنفس في الإناء، أو فعله
ج 2 ص 72
بيانًا للجواز، أو هو خاص بغيره، وهو الأحسن الأليق بحال المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما يتقذر من غيره يُستطابُ منه حتى البول، ثمَّ إن الحكم المذكور غير مختص بالماء، بل شرب غيره كذلك على ما يشهد به حذف المفعول كما أشير إليه فيما قبل، وكذلك الطعام فكُرِه النفخ فيه، والتنفسُ في معنى النفخ.
وفي (( جامع الترمذي ) )مصحَّحًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القَذَاة أراها في الإناء؟ قال «أهرِقها» قال فإني لا أروى من نفس واحد، قال «فأَبِنِ القدح إذًا عن فيك» .
(وَإِذَا أَتَى الْخَلاَءَ) فبَالَ كما فسرته الرواية الآتية (فَلاَ يَمَسَّ) بفتح الميم، من مَسِست الشَّيء بالكسر أَمَسُّه مَسًّا ومَسيسًا وميسِيسَى مثل خِصِّيصَى، وهذه هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد مَسَسْته بالفتح أمُسَّه بالضم، وربما قالوا مِست بحذف السين الأولى وتحويل كسرتها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة.
(ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) وكذا الدُّبر، وكذا فرج المرأة، والتنصيص على الذكر لا مفهوم له، وإنَّما خصَّ الذَّكَر بالذِكْرِ لكون الرجال في الغالب هم المُخاطَبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خُصّ، وهذا النَّهي أيضًا للتنزيه عند الجمهور؛ لأن النَّهي فيه لمعنيين
أحدهما رفعُ قَدْرِ اليمين بأن ينزهها عن مباشرة العضو الذي فيه الأذى والحدث.
والآخر أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرتْ يمينه من النجاسة فينفر طبعه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه مصونة عن مباشرة الثفل ومماسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنَّجاسات، ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة ما هنالك من القاذورات، وتنظيف ما يحدث منها من الأدناس، وحمَلَه أهل الظاهر على التحريم حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري في كتابه المبرهن على مذهب أهل الظاهر ولو استنجى بيمينه لا يجزئه، وهو وجهٌ عند الحنابلة وطائفة من الشافعية.
ثمَّ إن ظاهر الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين حالة البول فإن محصل قوله «وإذا أتى الخلاء» ، «وإذا بال أحدكم» فيكون النهي مقيدًا بحالة التَّبول، لكن روى أبو داود بسند صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
وأخرجه بقية الجماعة أيضًا، وروي أيضًا من حديث حفصة
ج 2 ص 73
زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك، وظاهر هذا الحديث يدل على عموم الحكم على أنه قد ورد النهي عن مسه مطلقًا غير مقيد بحالة البول، فمن النَّاس من أخذ بهذا المطلق وقال هذا التقييد سلوك إلى الطَّريقة البرهانيَّة، فإنه إذا كان ممنوعًا في تلك الحالة فأولى أن يكون ممنوعًا في غيرها فتأمل [2] .
ومنهم من حمله على الخاص بعد أن ينظر في الرِّوايتين هل هما حديثان أو حديث واحد، فإن كانا حديثًا واحدًا، ومَخْرَجُه واحدٌ وكان الاختلاف فيه من بعض الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيَّد بلا خلاف؛ لأن التقييد حينئذٍ يكون زيادةً من عَدْلٍ فتُقْبل، وأمَّا إذا كانا حديثين مختلفين أو تغايرت مَخَارِجُهما بحيث يُعَدَّا حديثين مختلفين، فالأمر في حكم الإطلاق والتقييد أيضًا كذلك على المختار، وسيجيء تتمة لهذا في الترجمة الآتية إن شاء الله تعالى.
(وَلاَ يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) أي لا يستنج بها، والنهي فيه أيضًا للتنزيه عند الجمهور؛ خلافًا للظاهرية كما ذكرنا، وقد أثار الخطَّابي هنا بحثًا وهو أنَّه متى استجمر بيساره استلزم مسَّ الذكر باليمين، ومتى مسَّه باليسار استلزم الاستجمار باليمين وكلاهما منهيٌّ عنه، ثمَّ أجاب عن ذلك بقوله إنَّه يقصد الأشياء الضَّخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه ويستجمر بيساره فلا يكون متصرفًا في شيء من ذلك بيمينه.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأن هذه هيئة منكرة، بل قد يتعذر فعلها في غالب الأوقات، والصَّواب ما قاله إمام الحرمين ومَنْ بَعْدَه كالغزالي في (( الوسيط ) )، والبغوي في (( التَّهذيب ) )أنَّه يُمِرُّ العضوَ بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه وهي قارَّةٌ غيرُ متحرِّكةٍ فلا يُعدُ مستجمرًا باليمين ولا ماسًَّا بها فهو كمن صبَّ الماء بيمينه على يساره حالة الاستنجاء.
وقال محمود العيني دعواه بأن هذه هيئة منكرة فاسدة؛ لأن الاستجمار بالجدار ونحوه غير بشيع وتصويبه ما قاله هؤلاء إنما يمشي في استجمار الذَّكَر، وأما في الدُّبُر فلا، وأنت خبير بما فيه من العُذْر، وأما ما قاله الطيبي في جواب هذا الإيراد من أن النهي عن
ج 2 ص 74
الاستنجاء باليمين مختص بالدبر والنهي عن المس مختص بالذَّكَر، ففيه أن النهي عن المس وإن كان مختصًا بالذَّكَرِ في الذِّكْرِ لكن يُلْحَقُ به الدبر قياسًا كما عرفت، على أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي «ولا يستَنْجِ بيمينه» يدل على العموم.
وفي الحديث فضل اليمين، وفيه أيضًا جواز الشُّرب من نفس واحد؛ لأنه إنَّما نهى عن التنفس في الإناء، والذي يشرب في نفس واحد لم يتنفس فيه فلا يكون مخالفًا للنَّهي، وكرهه جماعة وقالوا هو شرب [3] الشيطان، وفي التِّرمذي مُحسَّنًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمُّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوه إذا أنتم رفعتم» .
[1] (( باب ) )ليست في (خ) .
[2] في هامش الأصل وجه التأمل إشارة إلى أن مظنة الحاجة لا تختص بحال الاستنجاء حتى يكون ذلك سلوكًا إلى الطريقة البرهانية. منه.
[3] في (خ) (( شراب ) ).