1762 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف الواو وبعد الألف نون، هو الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعي (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعي، وهو خال إبراهيم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ خَرَجْنَا) من المدينة.
(مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) في حجَّة الوداع (وَلاَ نُرَى) بضم النون؛ أي لا نظنُّ، وفي نسخة بفتحها (إِلاَّ الْحَجَّ) أي لا نعرف غيره، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحجِّ (فَقَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) مكَّة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) هو من باب علفتُه تبنًا وماء باردًا، أو على طريق المجاز (وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوله؛ أي من إحرامه.
(وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَطَافَ) وفي رواية أبي الوقت
ج 8 ص 358
بالواو دون الفاء (مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ) منهم (فَحَاضَتْ هِيَ) أي عائشة رضي الله عنها، وكان ابتداء حيضها بسرف يوم السَّبت لثلاث خلون من ذي الحجة (فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين، وفي رواية أبي ذرٍّ والحمُّويي والمُسْتَملي بالمد (لَيْلَةُ النَّفْرِ) عطف بيان لليلة الحصبة، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي ليلة النَّفر.
والنَّفْر _ بفتح النون وإسكان الفاء وبفتحها أيضًا _ قال الجوهريُّ يقال يوم النَّفر وليلة النَّفر لليوم الذي ينفر النَّاس فيه من منى، وقيل ليلة الحصبة هي التي تتقدَّم النَّفر من منى قبلها فهي شبيهةٌ بليلة عرفة.
وقيل فيه ردٌّ على من قال كلُّ ليلةٍ تسبق يومها إلَّا ليلة عرفة فإنَّ يومها يسبقها فقد شاركتها ليلة النَّفر في ذلك، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ قوله ليلة بالرَّفع في الموضعين على أنَّ كان تامَّة، وقال في «التنقيح» وجوز رفع الأولى ونصب الثانية وعكسه ولم يبيِّن وجهه.
قال في «المصابيح» ولا يمكن أن يكون نصب ليلة النَّفر على أنَّها خبر كان إذ لا معنى له، وإنَّما كان تامة، وليلة النَّفر منصوب بمحذوف تقديره أعني ليلة النَّفر، وأمَّا نصب الأولى ورفع الثانية فوجهه أن يجعل كان ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الرَّحيل المفهوم من السِّياق وليلة الحصبة خبرها، وليلة النَّفر خبر مبتدأ محذوف؛ أي هي ليلة النَّفر. انتهى.
والذي في اليونينية رفعهما، وفي رواية أبي ذرٍّ بنصبهما.
(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ) منفرد عن العمرة (وَعُمْرَةٍ) منفردًا عن الحجِّ (غَيْرِي) فإني أرجع بحجٍّ ليس لي عمرة منفردة عن الحجِّ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا كُنْتِ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) بحذف النون تخفيفًا، وقيل حذفها من غير ناصبٍ أو جازم لغة فصيحة، وفي رواية أبي ذرٍّ بإثباتها.
(لَيَالِيَ قَدِمْنَا) مكَّة (قُلْتُ لاَ) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُسْتملي . قال الحافظ العسقلانيُّ وهي محمولةٌ على أنَّ المراد ما كنت طفت، وقال الكِرمانيُّ والغرض من السُّؤال أنَّك ما كنت متمتِّعة فلمَّا قالت لا، كما رواه مسدَّد، أمرها بالعمرة، فإن قلت لا يلزم من نفي التَّمتع الاحتياج إلى العمرة لاحتمال أن تكون قارنة، قلت الأكثر على أنَّها كانت قارنةً، ورواية مسلم صريحةٌ بقرانها، وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة نافلة تطييبًا لقلبها حيث أرادت أن تكون لها عمرةٌ منفردةٌ مستقلةٌ، وأمَّا إن كانت مفردة فالأمر بالعمرة إنَّما هو على سبيل الإيجاب.
فإن قلت في بعض النُّسخ مكان لا، فما توجيهه إذ تكون حينئذٍ
ج 8 ص 359
متمتِّعةً فلِمَ أمرها بالعمرة.
قلت يستعمل بلى بحسب العرف استعمال نعم مقرِّرًا لما سبق فمعناه معنى كلمة النَّفي. انتهى.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما (إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ) لما سألها أكانت متمتِّعةً؟ قالت لا، وقد تقدَّم عن الكِرمانيِّ أنَّه لا يلزم من نفي التَّمتع الاحتياج إلى العمرة لجواز أن تكون قارنةً كما عند الأكثر، إلَّا أنَّه أمرها صلى الله عليه وسلم بالعمرة تطييبًا لقلبها حيث أرادت عمرةً منفردةً (وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا) بنصب مكان على الظَّرفية، وقد سبق في باب قول الله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة 197] ثمَّ أتينا هاهنا؛ أي المحصَّب.
قالت عائشة رضي الله عنها (فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) أي في أيَّام منى، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الإدلاج من المُحَصَّب [خ¦1772] أنَّ حيضها كان ليلة النَّفر، وعند مسلمٍ زاد الحكم، عن إبراهيم لمَّا أراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر إذا صفيَّة على باب خبائها كئيبةً حزينةً (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَقْرَى حَلْقَى) وهذا يشعر بأنَّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرَّجل من أهله كان بالقرب من وقت النَّفر من منى.
واستشكله بعضهم بناءً على فهمه أنَّ ذلك كان وقت الرَّحيل وليس ذلك بلازمٍ لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقًا على الوقت الذي رآها فيه على باب خبائها الذي هو وقت الرَّحيل، بل ولو اتَّحد الوقت لم يكن ذلك مانعًا من الإرادة المذكورة، والله أعلم.
وقوله عَقْرَى حَلْقَى، بالفتح فيهما ثمَّ السكون وبالقصر على وزن فعلى من غير تنوين، هكذا في الرِّواية، ويجوز في اللغة التَّنوين، وصوَّبه أبو عبيد؛ لأنَّ معناه الدُّعاء بالعَقْر والحَلْق، كما يقال سَقْيًا ورَعْيًا، ونحو ذلك من المصادر التي يُدْعى بها، وعلى الأوَّل هو نعتٌ لا دعاء.
ثمَّ معنى عَقَرَى عقرها الله؛ أي جرحها وجعلها عاقرًا لا تلد، وقيل عقر قومها، ومعنى حَلْقَى حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجعٌ في حَلْقها أو حلق قومُها بشؤمها؛ أي أَهْلَكهم.
وحكى القرطبيُّ أنَّها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثمَّ اتَّسع العرب في قولهما بغير إرادة حقيقتهما، كما قالوا قاتله الله، وتربت يداك، ونحو ذلك.
وقال الزَّركشي وابن بطَّال فيه توبيخ الرَّجل أهله على ما يدخل النَّاس بسببها، كما وبَّخ الصِّديق
ج 8 ص 360
عائشة رضي الله عنها في قصَّة العقد.
وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّه لا يمكن أن يحمل على التَّوبيخ؛ لأنَّ الحيض ليس من صنيعها، وقد جاء في الحديث الآخر (( إنَّ هذا الأمر كتبه الله تعالى على بنات آدم ) )، وإنَّما هذا القول يجري مجرى التَّعجب ولم يقصد معناه.
وقال القرطبيُّ وغيره شتَّان بين قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لمَّا حاضت معه في الحجِّ (( هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم ) )لما يشعر به من الميل لها والحنوِّ عليها؛ بخلاف صفيَّة رضي الله عنها.
وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه ليس فيه دليلٌ على اتِّضاع قدر صفيَّة رضي الله عنها عنده لكن اختلف الكلام باختلاف المقام فعائشة رضي الله عنها دخل عليها النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسك فسلاها بذلك، وصفيَّة رضي الله عنها أراد النَّبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرَّجل من أهله فأبدت له المانع فناسب كلًا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة، والله أعلم.
(إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) عن السَّفر بسبب الحيض المانع من طواف الإفاضة (أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ) طواف الإفاضة (قَالَتْ بَلَى) طفت (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَلاَ بَأْسَ، انْفِرِي) بكسر الفاء، وهذا بيانٌ لقوله في الرِّواية الماضية في أوَّل الباب (( فلا إذًا ) )، وفي رواية أبي سلمة (( قال اخرجوا ) )، وفي رواية عمرة (( اخرجي ) ). وفي رواية الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها في المغازي (( فلتنفر ) )ومعانيها متقاربةٌ، والمراد بها كلها الرَّحيل من منى إلى جهة المدينة.
قالت عائشة رضي الله عنها (فَلَقِيتُهُ) صلى الله عليه وسلم بالمحصَّب حال كونه (مُصْعِدًا) بضم الميم وكسر العين بمعنى صاعدًا إذا صعد، لغةٌ في صعد (عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا) أي والحال أنا (مُنْهَبِطَةٌ) عليهم (أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ) عليهم (وَهُوَ) أي والحال أنَّه (مُنْهَبِطٌ) عليهم بالشَّك من الرَّاوي (وَقَالَ مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد (قُلْتُ لاَ) رواه مسدَّد في «مسنده» ولفظه (( ما كنتِ طفتِ ليالي قدمنا؟ ) )قلت لا. وهذا التَّعليق لم يقع في رواية أبي ذرٍّ وثبت لغيره.
(تَابَعَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو؛ أي تابع مسدَّدًا (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ)
ج 8 ص 361
هو ابن المعتمر (فِي قَوْلِهِ لاَ) وهذه المتابعة سبقت موصولةً في باب التَّمتع والإقران عن عثمان بن أبي شيبة عنه، وقال فيه (( ما كنتِ طفتِ ليالي قدمنا مكَّة قلت لا ) )، وقد تقدَّم توجيه ما وقع في رواية المُسْتَملي من قول بلى، بدل لا.
ومن فوائد هذا الحديث أنَّ طواف الإفاضة ركنٌ، وأنَّ طواف الوداع واجب أو سنَّة، وقد تقدَّم التَّفصيل في ذلك.
ومنها أنَّ الطَّهارة شرطٌ لصحَّة الطَّواف، قاله الحافظ العسقلانيُّ.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا الحديث لا يدلُّ على ذلك، وفيه تأمل، فافهم.
ومنها أنَّه يلزم أمير الحاجِّ أن يؤخر الرَّحيل لأجل من تحيض ممَّن لم تطف للإفاضة، ورُدَّ هذا باحتمال أن تكون إرادته صلى الله عليه وسلم تأخير الرَّحيل إكرامًا لصفيَّة رضي الله عنها كما احتَبَسَ بالنَّاس على عقد عائشة رضي الله عنها.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه البزَّار من حديث جابر رضي الله عنه، وأخرجه الثَّقفي في «فوائده» من طريق أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أميران وليسا بأميرين من تبع جنازةً، فليس له أن ينصرفَ حتَّى تُدْفَنَ، أو بإذن أهلها، والمرأة تحجُّ أو تعتمر مع قومٍ فتحيض قبل طواف الرُّكن فليس لهم أن ينصرفوا حتَّى تَطْهُرَ أو تأذنَ لهم ) )، فلا دَلالة فيه على الوجوب إن كان صحيحًا وإنَّ في إسناد كلٍّ منهما ضعْفًا شديدًا.
وقد ذكر مالك في «الموطأ» أنَّه يلزمُ الجمَّال أن يَحتبسَ لها إلى انقضاء أكثر مدَّة الحيض، وكذا على النُّفساء. واستشكله ابن الموَّاز بأنَّ فيه تعريضًا للفساد كقطع الطَّريق، وأجابه القاضي عياض بأنَّ محلَّ ذلك أمن الطَّريق، كما أنَّ محلَّه أن يكون مع المرأة محرم.
فائدة سقطت الهمزة من قوله (( أو أنا مصعدة ) )في رواية ابن عساكر، كما في الفرع وأصله حيث رقم على الهمزة علامةَ السُّقوط له.
والظَّاهر أنَّ العلَّامة البدر الدَّماميني شرح عليها، فقال جمعت بين جعل أوَّل الحالين للأخير من صاحبي الحال وثانيهما للأوَّل، وبين العكس، وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأوَّل لاشتماله على فصلٍ واحدٍ؛ بخلاف الثَّاني لاشتماله على فصلين. انتهى.
أي جمعت بين أوَّل الحالين الذي هو مُصْعِد للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضميرُ المفعول في لقيته، وثانيهما الذي هو وأنا منهبطةٌ لصاحب الحال الأوَّل الذي هو ضمير الفاعل وهو التاء، وبين العكس بأن جعلت الثَّاني من الحالين
ج 8 ص 362
الذي هو وهو منهبطٌ للأخير من صاحبي الحال الذي هو ضمير المفعول، والأوَّل الذي هو مصعد للأوَّل الذي هو ضمير الفاعل، وقوله لاشتماله؛ أي الأوَّل على فصلٍ واحدٍ وهو وأنا بخلاف الثَّاني لاشتماله على فصلين هما أنا وهو.
فإن قيل قوله وصرَّح قومٌ بأولويَّة الوجه الأول، مخالفٌ لقول صاحب «المغني» حيث قال ويجب كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل تقليلًا للفصل، فصرَّح بالوجوب.
فالجواب أنَّ الرَّضي قال إنَّ كون الأولى من المفعول والثَّانية من الفاعل جائزٌ على ضعفٍ، لا واجب.
ثمَّ إنَّ قولها فلقيته مُصْعِدًا وأنا منهبطة أو أنا مصعدة وهو منهبطٌ مشكلٌ على هذه الرِّواية؛ لأنَّ وقوع الإصعاد والانهباط في زمانٍ واحدٍ أو مكانٍ واحدٍ من شخصٍ واحدٍ محالٌ، فيُحْمَلُ على تعدُّد الزَّمان والمكان.