1786 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في حجَّة الوداع حال كوننا (مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحَجَّةِ) أي قرب طلوعه، وقد تقدَّم أنَّها قالت خَرَجْنا لخَمْسٍ بقين من ذي القعدة، والخمسُ قريبةٌ من آخر الشَّهر فوافاهم الهلال وهم في الطَّريق؛ لأنَّهم دخلوا مكَّة في الرَّابع من ذي الحجة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
ج 8 ص 416
وهم بسَرِفٍ، أو بعد الطَّواف، كما مرَّ قريبًا.
(مَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن لم يكن معه هدي (أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) يدخلها على الحجِّ (فَلْيُهِلَّ) أي بها (وَمَنْ أَحَبَّ) منكم ممَّن معه هدي (أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ) يدخلها على العمرة (فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلاَ أَنِّي) وفي رواية بزيادة نون ثانية (أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) وفي رواية السَّرخسي بالحاء المهملة؛ أي بحجٍّ (فَمِنْهُمْ) أي من الصَّحابة رضي الله عنهم (مَنْ) كان (أَهَلَّ) من الميقات (بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ) ومنهم من قَرَنَ قالت عائشة رضي الله عنها (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) والذي رواه الأكثرون عنها أنَّها أحرمت أولًا بالحجِّ، فتحمل رواية عروة على إحرامها ثانيًا.
(فَحِضْتُ) بسرف (قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي) أي قرب منِّي (يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم التَّروية، كما في «صحيح مسلم» وفي رواية أبي ذرٍّ (فَقَالَ دَعِي عُمْرَتَكِ) أي أعمالها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) بحلِّ ضفائر شعره (وَامْتَشِطِي) أي سرِّحيه بالمشط (وَأَهِلِّي) يوم التَّروية (بِالْحَجِّ) قالت رضي الله عنها (فَفَعَلْتُ) ما أمرني به صلى الله عليه وسلم.
(فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا) فيه التفاتٌ؛ لأنَّ الأصل أن يقال فأردفني؛ أي أركبَها خلفه على الرَّاحلة (فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (مَكَانَ عُمْرَتِهَا) أي التي أرادت أن تكون منفردةً عن الحجِّ (فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلاَ صَدَقَةٌ وَلاَ صَوْمٌ) الظَّاهر أنَّ ذلك من قول عائشة رضي الله عنها، وكذا أخرجه مسلم وابن ماجه من رواية عبيدة بن سليمان، لكن قد تقدَّم في كتاب (( الحيض ) )، في باب (( نقض المرأة شعرها ) )من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة فقال في آخره قال هشام (( ولم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ ولا صوم ولا صدقة ) ) [خ¦317] . فبين أنَّه في رواية يحيى القطَّان ومن وافقه مُدْرَجٌ، وكذلك أخرجه أبو داود من طريق وهب والحمَّادين، عن هشام.
ووقع في الحديث موضعٌ آخر مدرج وهو قوله
ج 8 ص 417
قبل ذلك (( فقضى الله حجَّها وعمرتها ) )، فقد بيَّن أحمد في روايته عن وكيع، عن هشام أنَّه من قول عروة، وبيَّنه مسلم عن أبي كريب، عن وكيع بيانًا شافيًا، فإنَّه أخرجه عقب رواية عبدة، عن هشام، وقال فيه في آخره قال عروة فقضى الله تعالى حجها وعمرتها. قال هشام ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة.
وقال ابن بطَّال قوله (فقضى الله حجَّها وعمرتها ... ) إلى آخر الحديث، ليس من قول عائشة رضي الله عنها، وإنَّما هو من كلام هشام بن عروة، حدَّث به هكذا في العراق فوهم فيه.
وقال صاحب «التوضيح» ولم يذكر ذلك أحدٌ غيره، ولا يقوله الفقهاء، فظهر بذلك أن لا دليل فيه لمن قال إنَّ عائشة رضي الله عنها لم تكن قارنةً حيث قال لو كانت قارنةً لوجب عليها الهدي للقِرَان، وحمل قوله لها (ارفضي عمرتك) ، على ظاهره، والجواب عنه بأنَّ هذا الكلام مدرجٌ من قول هشام كأنَّه نَفَى ذلك بحسب علمه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، وحال عائشة رضي الله عنها لا تخلو من أمرين إمَّا أن تكون قارنةً أو متمتعةً، وعلى كلِّ حالٍ فلا بدَّ من الهدي.
ويحتمل أن يكون قوله (ولم يكن في شيءٍ من ذلك هدي) ؛ أي لم تتكلَّف له بل قام به عنها، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت (( إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أهدى عنها من غير أن يأمرها بذلك ولا أعلمها ) )، هذا وقال ابنُ خزيمة معنى قوله لم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ، ليس في تركها لعمل العمرة الأولى وإدراجها لها في الحجِّ ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التَّنعيم أيضًا شيءٌ.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهو حسنٌ، وقال العينيُّ ولا اختلاف بين العلماء أنَّ من اعتمر بعد انقضاء الحجِّ وخروج أيَّام التَّشريق أنَّه لا هدي عليه؛ لأنَّه ليس بمتمتِّعٍ، وإنَّما المتمتِّع من اعتمر في أشهر الحجِّ وطاف للعمرة قبل الوقوف، وأمَّا من اعتمر بعد يوم النَّحر فقد وقعت عمرته في غير أشهر الحجِّ فلذلك ارتفع حكم الهدي عنها.
وقال القرطبيُّ أشكل ظاهر هذا الحديث ولم يكن في شيءٍ من ذلك هدي على جماعةٍ، حتَّى قال القاضي عياض لم تكن عائشة رضي الله عنها قارنةً
ج 8 ص 418
ولا متمتِّعة، وإنَّما أحرمت بالحجِّ ثمَّ نوت فسخه إلى عمرةٍ فمنعها من ذلك حيضها، فرجعت إلى الحجِّ فأكملته، ثمَّ أحرمت بعمرةٍ مبتدأةٍ فلم يجب عليها هديٌ قال وكأنَّ عياضًا لم يسمع قولها (( كنت ممَّن أهلَّ بعمرةٍ ) )ولا قوله صلى الله عليه وسلم لها (( طوافك يسعك لحجِّك وعمرتك ) )انتهى.
وقال الكِرمانيُّ ما حاصله إنَّ قوله (( ولم يكن في شيءٍ من ذلك هديٌ ... ) )إلى آخره يدلُّ على أنَّها لم تكن إلَّا مفردةً؛ لأنَّ الدَّم واجبٌ على القارن والمتمتِّع لكن لمَّا ثبت في «صحيح مسلم» صريحًا أنَّها كانت قارنةً لا بدَّ من تأويل هذا بأنَّ المراد دم محظورات الإحرام ونحوه، فإنَّ هذه العمرة كانت لموافقة سائر أمَّهات المؤمنين في تحصيل عُمْرة مستقلَّة بنفسها. انتهى.
والصَّواب في الجمع بين الرِّوايات المختلفة عن عائشة رضي الله عنها أنَّها أحرمت بالحجِّ، كما هو ظاهر رواية القاسم وغيره عنها، ثمَّ فسخته إلى العمرة لمَّا فسخ الصَّحابة.
وعلى هذا ينزل قول عروة عنها أحرمت بعمرةٍ، فلمَّا حاضت وتعذَّر عليها التَّحلل من العمرة لأجل الحيض وجاء وقت الخروج إلى الحجِّ أدخلت الحجَّ على العمرة فصارت قارنةً، واستمرَّت إلى أن تحلَّلت، وعليه يدلُّ قوله صلى الله عليه وسلم لها في رواية طاوس عند مسلم (( طوافك يسعك لحجِّك وعمرتك ) ).
وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم لها (( هذه مكان عمرتك ) )فمعناه العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التَّحلل منها بمكَّة ثمَّ إنشاء الحجِّ منفردًا.
فعلى هذا، فقد حصل لعائشة رضي الله عنها عمرتان، وكذا قولها يرجع النَّاس بحجَّة وعمرةٍ وأرجع بحجٍّ؛ أي يرجعون بحجٍّ منفردٍ وعمرةٍ منفردةٍ، والله أعلم.