فهرس الكتاب

الصفحة 2798 من 11127

1787 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العبسيُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصريُّ (عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي ابن أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنهم (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ) وفي بعض النسخ وجد صورة (ح) قبل قوله (( وعن ابن عون ) )، وهو معطوفٌ على الإسناد المذكور (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعي (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعي، يعني أنَّ ابن عون رواه عن القاسم وعن إبراهيم، عن الأسود (قَالاَ) أي القاسم والأسود (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ) أي يرجعون من الصُّدور وهو الرُّجوع، وهو من باب نصر ينصر (بِنُسُكَيْنِ) حجَّة منفردةٌ عن عمرةٍ، وعمرةٌ منفردةٌ عن حجَّة (وَأَصْدُرُ) أي وأرجع أنا

ج 8 ص 419

(بِنُسُكٍ؟) أي بحجَّة غير منفردةٍ (فَقِيلَ لَهَا) أي فقال لها النَّبي صلى الله عليه وسلم (انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ) بضم الهاء وفتحها؛ أي من الحيض (فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ) أي مع أخيك عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنهما (فَأَهِلِّي) منه بعمرةٍ (ثُمَّ ائْتِينَا) أمر بصيغة المؤنث من الإتيان، وفي رواية مسلم (( ثمَّ القِيْنَا ) ) (بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا) وأراد به الأبطح، كما تبيَّن في غير هذه الطَّريق، وفي رواية إسماعيل بِجَبَلٍ كذا، وضبط في «صحيح مسلم» وغيره بالجيم وفتح الموحدة، لكن أخرجه الإسماعيليُّ من طريق حسين بن حسن، عن ابن عون وضبطه بالحاء المهملة وإسكان الموحدة.

(وَلَكِنَّهَا) أي ولكن عمرتك (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ) أي أو على قدر نَصَبك؛ أي تعبك؛ لما في إنفاق المال في الطَّاعات من الفضل وقمع النَّفس من شهواتها من المشقَّة، وقد وعد الله الصَّابرين أن يوفِّيَهم أجرَهم بغير حسابٍ.

وكلمة (أو) إمَّا للتَّنويع في كلام الرَّسول صلى الله عليه وسلم، كما يؤيِّده ما رواه الدَّارقطني والحاكم من طريق هُشيم، عن ابن عونٍ بلفظ (( إنَّ لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك ) )بواو العطف، وإمَّا للشكِّ من الرَّاوي.

ويؤيِّده ما وقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق أحمد بن منيع، عن إسماعيل ابن عليَّة بلفظ (( على قدر نصبك أو على قدر تعبك ) )، وفي روايةٍ له من طريق حسين بن حسن (( على قدر نفقتك أو نصبك ) )أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثمَّ إنَّه قد تقدَّم آنفًا أنَّ معنى هذا الكلام أنَّ الثَّواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنَّفقة، لكن قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام في «القواعد» ليس ذلك بمطَّرد؛ فقد تكون بعض العبادة أخفُّ من بعضٍ، وهي أكثر فضلًا وثوابًا؛ بالنِّسبة إلى الزَّمان كقيام ليلة القدر بالنِّسبة لقيام ليالي رمضان غيرها، وبالنِّسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنِّسبة لصلاة ركعاتٍ في غيره، وبالنِّسبة إلى شرف العبادة الماليَّة والبدنيَّة كصلاة الفريضة بالنِّسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو أطول من قراءتها ونحو ذلك من صلاة النَّافلة، وكدرهمٍ من الزَّكاة بالنِّسبة إلى أكثر منه من التَّطوع، قال وقد كانت الصَّلاة قرَّة عين النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي شاقَّةٌ على غيره

ج 8 ص 420

وليست صلاة غيره مع مشقَّتها مساويةً لصلاته مطلقًا.

وأجاب عنه العينيُّ بأنَّ الذي ذكره لا يمنع الاطراد؛ لأنَّ الكثرة الحاصلة في الأشياء المذكورة ليست من ذواتها، وإنَّما هي بحسب ما تعرض لها من الأمور المذكورة، هذا، وقال النَّووي والمراد من النَّصب هو الذي لا يذمُّه الشَّرع وكذا النَّفقة، وفي «التوضيح» لابن الملقن أفعال البرِّ كلُّها على قدر المشقَّة والنَّفقة، ولهذا استحبَّ الشَّافعي ومالك الحجَّ راكبًا، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى قوله تعالى {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة 20] .

واستُدِلَّ بظاهر الحديث أنَّ الاعتمار لمن كان بمكَّة من جهةِ الحِلِّ القريبة أقلُّ أجرًا من الاعتمار من جهة الحِلِّ البعيدة، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ الجِعرانة والحديبية مسافتهما إلى مكَّة واحدة ستَّة فراسخٍ، والتَّنعيم مسافته إليها فرسخٌ واحدٌ فهو أقرب إليها منهما.

وقد قال الشَّافعي في «الإملاء» أفضل بقاع الحلِّ للاعتمار الجعرانة؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها، ثمَّ التَّنعيم؛ لأنَّه أَذِنَ لعائشة رضي الله عنها منها قال وإذا تنحَّى عن هذين الموضعين فأين أَبْعَدَ حتَّى يكون أكثرَ لِسَفَرِه كان أحبَّ إليَّ. انتهى.

وقال الموفَّق ابن قدامة في «المغني» عن أحمد أنَّ المكِّي كلَّما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره، وقالت الحنفيَّة أفضل بقاع الحلِّ للاعتمار التَّنعيم، ووافقهم بعض الشَّافعية والحنابلة، ووجهه أنَّه لم ينقل أنَّ أحدًا من الصَّحابة رضي الله عنهم في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكَّة إلى الحلِّ ليحرم بالعمرة غير عائشة رضي الله عنها وهي أحرمت من التَّنعيم بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وأمَّا اعتماره صلى الله عليه وسلم من الجِعرانة فلم يكن بالقصد منها، وإنَّما كان حين رجع من الطَّائف مجتازًا إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعيين التَّنعيم للفضل لما دلَّ عليه هذا الخبر أنَّ الفضل بقدر التَّعب والنَّفقة، وإنَّما كان التَّنعيم أفضل من جهةٍ أُخرى وهي كونه أقرب وأسهل عليها من غيرها أو بالنسبة إلى جهة تساويه لا من جهة أبعد منه، والله أعلم.

فائدة واعلم أنَّ السِّياق الذي هنا للقاسم، فقد أخرج الدَّارقطني والحاكم من طريق سفيان وهو الثَّوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،

ج 8 ص 421

عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتها (( إنَّما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك ) ).

والحديث قد أخرجه النَّسائي في الحجِّ أيضًا عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل بن عليَّة عند ابن عون بالإسنادين جميعًا، عن أمِّ المؤمنين رضي الله عنها وقال لا أحفظ حديث هذا من حديث هذا.

وأخرجه مسلم أيضًا لكنَّه قال ثمَّ الْقِيْنا عند كذا وكذا. قال أظنُّه قال غدًا، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت