فهرس الكتاب

الصفحة 2800 من 11127

1788 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالفاء، الأنصاري المدني البخاري (عَنِ الْقَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهم (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجْنَا) من المدينة حال كوننا (مُهِلِّينَ) وفي رواية أبي ذرٍّ .

(بِالْحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ) بضم الحاء والراء، وهي الحالات والأماكن والأوقات التي للحجِّ، ورُوي بفتح الراء جمع حرمة؛ أي محرمات الحجِّ (فَنَزَلْنَا سَرِفَ) وهو مكان بقرب مكَّة، كما مرَّ تفسيره غير مرَّة، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وكذا لمسلم من طريق إسحاق بن عيسى الطباع، عن أفلح بالموحدة، وفي رواية ابن عساكر والمراد سرف.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي حجَّته(عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ،

ج 8 ص 422

وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلاَ)ظاهره أنَّ أمرَه أصحابه بفسخ الحجِّ إلى العمرة كان بسَرِف قبل دخولهم مكَّة، والمعروف في غير هذه الرِّواية أنَّ قوله لهم ذلك كان بعد دخول مكة، فيحتملُ التَّعدد، والعزيمة وقعت أخيرًا كما مرَّ [خ¦1783] (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجَالٍ) بالجر عطفًا على المجرور السَّابق (مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ) صفة رجال (الْهَدْيُ) بالرفع على أنَّه اسم كان.

(فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً) مستقلَّةً فإنَّهم كانوا قارنين (فَدَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم التَّروية، كما في رواية مسلم (وَأَنَا أَبْكِي) جملة حالية (فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ، قُلْتُ سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ) بضم الميم على البناء للمفعول، والعمرة نصب بنزع الخافض؛ أي من العمرة (قَالَ وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ لاَ أُصَلِّي) كَنَّتْ بذلك عن الحيض، وهي من ألطف الكنايات (قَالَ فَلاَ يَضُرَّكِ) بضم المعجمة وتشديد الراء.

(أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ) بضم الكاف على البناء للمفعول، وفي رواية أبي ذرٍّ وكذا في رواية مسلم (مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ) من الحيض وغيره (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ) بتاء التأنيث، وفي رواية أبي ذرٍّ وكذا في رواية مسلم (فَعَسَى اللَّهُ) ويروى بدون الفاء (أَنْ يَرْزُقَكِها) أي العمرة (قَالَتْ) رضي الله عنها (فَكُنْتُ) في حجِّي كما أمرني صلى الله عليه وسلم.

(حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ) وهو الأبطح، وفي السِّياق اختصار بيَّنَتْه روايةُ مسلم بلفظ (( حتَّى نزلنا منى فتطهَّرتُ ثمَّ طفتُ بالبيت فنزلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المحصَّب ) ) (فَدَعَا) صلى الله عليه وسلم (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما (فَقَالَ اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ) أي من الحرم، وفي رواية مسلم (( اخرج بأختك إلى الحرم ) )، وفي رواية الكُشْمِيْهني وهو أوضح، والمراد هو الخروج من الحَرَم إلى الحِلِّ.

(فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا) فارجعا فإنِّي (أَنْتَظِرْكُمَا هَاهُنَا) يعني المُحَصَّب قالت عائشة رضي الله عنها (فَأَتَيْنَا) بعد أن فرغنا من الاعتمار وتحلَّلنا (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) إلى المُحَصَّب، ويروى ، وفي رواية الإسماعيلي

ج 8 ص 423

(( من آخر الليل ) )وهي أوفق لبقيَّة الرِّوايات، وظاهرها أنَّها أتت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم.

وقد تقدَّم قبل أبواب أنَّها قالت فلقيته مصعدًا وأنا منهبطة أو العكس ولا تخالف بينهما؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادرٌ بعد الطَّواف وهي راحلةٌ لطواف عمرتها ثمَّ لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمُحَصَّب.

ويحتمل أنَّ لقاءه لها كان حين انتقل من المحصَّب كما عند عبد الرَّزاق أنَّه كره أن يقتديَ النَّاس بإناخته بالبطحاء فرحل حتَّى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها فيحتمل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرحيل، وأنَّه المكان الذي عيَّنه لها في رواية الأسود حيث قال لها (( موعدك مكان كذا وكذا ) )ثمَّ طاف بعد ذلك طواف الوداع.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَرَغْتُمَا) من عمرتكما، قالت (قُلْتُ نَعَمْ) فرغنا (فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ) طواف الوداع، وهذا من عطف الخاصِّ على العام؛ لأنَّ النَّاس أعمُّ من الطَّائفين ومن الذين لا طواف وداع عليهم كالحائض، ولعلَّها أرادت بالنَّاس من لم يطف طواف الوداع.

قال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن يكون (من طاف) صفة النَّاس من باب توسَّط العاطف بين الصِّفة والموصوف لتأكيد لصوقها به، كقوله تعالى {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب 12] .

وقد أجاز سيبويه مررت بزيد وصاحبك، إذا أردد بالصَّاحب زيد المذكور، وقال الزَّمخشري في قوله تعالى {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر 4] جملة وقعت صفة لقرية، والقياس أن لا تتوسَّط الواو بينهما كما في قوله تعالى {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشعراء 208] ، وإنَّما توسَّطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال جاء زيد عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوب. انتهى.

وتعقَّبه أبو حيان فقال وافقه على ذلك أبو البقاء قال وهذا الذي قاله الزَّمخشري وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدًا قاله من النَّحويين، وهو مبنيٌّ على أنَّ ما بعد إلَّا يجوز أن يكون صفةً، وقد منعوا ذلك.

قال الأخفش لا يفصل بين الصِّفة والموصوف بإلا، ثمَّ قال ونحو ما جاءني رجلٌ إلَّا راكب تقديره إلَّا رجلٌ راكبٌ، وفيه قبح لجعلك

ج 8 ص 424

الصِّفة كالاسم.

وقال أبو علي الفارسي تقول ما مررت بأحدٍ إلَّا قائمًا فقائمًا حالٌ من أحد ولا يجوز إلَّا قائم؛ لأنَّ إلَّا لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.

وقال ابن مالك وقد ذَكَرَ ما ذهب إليه الزَّمخشري في قوله ما مررت بأحدٍ إلَّا زيد خير منه، من أنَّ الجملة بعد إلَّا صفة لأحد إنَّه مذهب لم يُعْرف لبَصريٍّ ولا كوفيٌّ، فلا يُلْتَفَتُ إليه. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهذا كلُّه بناءٌ على صحَّة هذا السِّياق والذي يغلب عندي أنَّه وقع فيه تحريف، والصَّواب فارتحلَ النَّاس ثمَّ طاف بالبيت؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الصُّبح.

وكذا وقع عند أبي داود من طريق أبي بكرٍ الحنفيِّ، عن أفلح بلفظ (( فأذن في أصحابه بالرَّحيل فارتحل النَّاس فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصُّبح فطاف به حين خرج ثمَّ انصرف متوجِّهًا إلى المدينة ) ).

وفي رواية مسلم (( فأذن في أصحابه بالرَّحيل فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصُّبح ثمَّ خرج إلى المدينة ) )، وقد أخرجه البخاريُّ من هذا الوجه بلفظ (( ارتحل النَّاس فمرَّ متوجِّهًا إلى المدينة ) )أخرجه في باب الحجِّ أشهر معلومات [خ¦1560] .

(ثُمَّ خَرَجَ) صلى الله عليه وسلم (مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة من التَّوجيه وهو الاستقبال تلقاء وجهه، وفي رواية ابن عساكر بزيادة تاء من التَّفعل، وكذا في اليونينية.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (فلتهلَّ بعمرةٍ) من حيث إنَّه اكتفى فيه بطواف العمرة عن طواف الوداع، وقد أخرج هذا الحديث مسلم والنَّسائي في الحج أيضًا.

تذييل قال القاضي عياض قوله في رواية القاسم؛ يعني هذه فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزله فقال (( هل فرغتِ ) )فقلتُ نعم فأذَّن بالرَّحيل، وفي رواية الأسود، عن عائشة رضي الله عنها؛ يعني التي مضت في باب إذا حاضت بعدما أفاضت [خ¦1762] (( فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكَّة وأنا منهبطةٌ أو أنا مصعدةٌ وهو منهبط منها ) )، وفي رواية صفية عنها؛ يعني عند مسلم (( فأقبلنا حتَّى أتيناه وهو بالحصبة ) ). وهذا موافقٌ لرواية القاسم، وهما موافقان لحديث أنسٍ رضي الله عنه يعني الذي مضى في باب طواف الوداع [خ¦1756] (( أنَّه صلى الله عليه وسلم رَقَدَ رقدةً بالمُحصَّب ثمَّ ركب

ج 8 ص 425

إلى البيت فطاف به )) ، قال وفي حديث الباب من الإشكال قوله (( فمرَّ بالبيت فطاف به ) )بعد أن قال لعائشة رضي الله عنها (( أَفَرَغْتِ ) )قالت نعم. مع قولها في الرِّواية الأخرى (( إنَّه توجَّه لطواف الوداع وهي راجعةٌ إلى المنزل الذي كان به ) )قال فيحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم أعاد طواف الوادع؛ لأنَّ منزله كان بالأبطح وهو بأعلى مكَّة، وخروجه من مكَّة إنَّما كان من أسفلها، فكأنَّه لما توجَّه طالبًا للمدينة اجتاز بالمسجد؛ ليخرج من أسفل مكَّة، فكرَّر الطَّواف ليكون آخر عهده بالبيت. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ والقاضي في هذا معذورٌ؛ لأنَّه لم يشاهد تلك الأماكن فظنَّ أنَّ الذي يقصد الخروج إلى المدينة من أسفل مكَّة يتحتَّم عليه المرور بالمسجد؛ ليخرج من أسفل مكَّة، وليس كذلك كما يشاهده من عاينه بل الرَّاحل من منزله بالأبطح يمرُّ مجتازًا من ظاهر مكَّة إلى حيث يقصده من جهة المدينة، ولا يحتاج إلى المرور بالمسجد، ولا يدخل البلد أصلًا.

هذا، وقال القاضي عياض أيضًا وقد وقع في رواية الأَصيليِّ في البخاريِّ (( فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن طاف بالبيت ) )قال فلم يذكر أنَّه أعاد الطَّواف، فيحتمل أنَّ طوافه هو طواف الوداع، وأنَّ لقاءه صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها كان حين انتقل من المُحَصَّب، كما عند عبد الرَّزاق أنَّه كره أن يقتدي النَّاس بإناختهِ بالبطحاء، فرحل حتَّى أناخَ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها.

قال فيحتمل أن يكون لقاؤه صلى الله عليه وسلم لها كان في هذا الرَّحيل وأنَّه المكان الذي عيَّنه في رواية الأسود بقوله لها (( موعدك كذا وكذا ) )، ثمَّ طاف بعد ذلك طواف الوداع. انتهى.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا التَّأويل حسنٌ، وهو يقتضي أنَّ الرِّواية التي عزاها للأَصيليِّ مسكوتٌ عن ذكر طواف الوداع فيها، وقد مرَّ أنَّ الصَّواب فيها (فمرَّ بالبيت فطاف به) بدل قوله (ومن طاف بالبيت) .

ثمَّ في عزو القاضي عياض ذلك إلى الأَصيليِّ وحده نظرٌ، فإنَّ كلَّ الرِّوايات التي وقفت عليها في ذلك سواءٌ، حتَّى رواية إبراهيم بن معقل النَّسفي عن البخاريِّ. انتهى، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت